فرنسا وتركيا: رؤيتان متناقضتان.. والتوظيف داخلي

Avatar18004/09/2020
يستعرض الأستاذ الجامعي الفرنسي ديدييه بيّون، وهو نائب رئيس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، في مقالة نشرها "أوريان 21"، بالفرنسية وترجمتها الزميلة سارة قريرة إلى العربية، مشهدية العلاقات الفرنسية التركية المأزومة في هذه المرحلة، وهل يمكن ترميمها أم لا؟

تشهد العلاقات بين فرنسا وتركيا فترة حرجة من جديد. وإن تلت أزمات الماضي فترة انقشاع، لا يمكن إنكار أن تراكم الخلافات طوال السنوات الأخيرة أدى إلى تدهور في الأوضاع سلطت عليه هذه الأزمة الضوء. ويخشى أن شرخا قد حصل في العلاقة بين البلدين وسيصعب ترميمه.

توظيف تاريخي

إحدى الصعوبات المتكررة هي توظيف هذه العلاقة من طرف البلدين لأغراض سياسية داخلية، وقد كان ذلك حال عدد من الرؤساء الفرنسيين. وكان أكثرهم توظيفا وبكل تبجح وضراوة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في إطار سعيه لاستقطاب أصوات اليمين المتطرف، إذ تبنى المواضيع المعادية لتركيا مثل “المبادئ” القومية ومعاداة الإسلام.

أما في تركيا، فقد بالغ رجب طيب أردوغان من جهته في استعمال خطاب قومي ليبرهن على أن البلدان الغربية – ومنها فرنسا – تسعى لفرض إرادتها وتلاحق حلمها التاريخي بإذلال بلاده وفرض سيطرتها عليها.

تفاقم هذا البعد من خلال قضية إبادة الأرمن، إذ تبنى البرلمان الفرنسي سنة 2001 قانونا يعترف بالإبادة الجماعية. وبعد بضع سنوات، رفض المجلس التأسيسي الفرنسي مرتين في 2012 و2017 محاولات برلمانية لتجريم إنكار الإبادة الجماعية لسنة 1915. وقد إستاءت السلطات التركية من هكذا مبادرات سياسية كانت بداية تدهور بطيء لكن مؤكد للعلاقات بين البلدين.

شراكة بدل العضوية

وطبعا، كانت مسألة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي الخلفية الأساسية لتبادل هذه الاتهامات. وقد ساهمت تصريحات المسؤولين الفرنسيين الرئيسيين في تغذية مناخ شك وعدم ثقة. فقد كانت ردود الفعل متعددة وعاطفية عندما كتب فاليري جيسكار ديستان الذي كان رئيس مؤتمر مستقبل أوروبا في مقال بجريدة “لوموند” في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2002 أن “تركيا بلد قريب من أوروبا، وهي بلد مهم يتمتع بنخبة حقيقية، لكنها ليست بلدا أوروبيا”.

بعدها ببضع سنوات، لم يفتأ نيكولا ساركوزي ينادي بمعية المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بشراكة مميزة مع تركيا عوض انضمام تام للاتحاد الأوروبي. كما يتساءل أحدهم عما وراء التحليل الذي قدمه إيمانويل ماكرون في 27 أغسطس/آب خلال مؤتمر السفراء التقليدي، إذ وصف سياسة الرئيس التركي بالـ“مشروع القومي الإسلامي الذي يُقدَّم عادة على أنه معاد لأوروبا”، خاصة وأن فرنسا تدعي أنها قادرة على لعب دور جديد على الساحتين الأوروبية والدولية. وكان يجدر بإعلان الرئيس الفرنسي إرادته في إعادة صياغة طرق بناء الاتحاد الأوروبي أن يكون فرصة لتجديد العلاقة بين باريس وأنقرة. لكن سرعان ما أثبتت إرادة ماكرون حدودها.

نريد من خلال هذا التذكير تعداد أسباب الخلاف بين البلدين. لكن هذا الخلاف لم يتعد حتى الآن مستوى الخطاب مهما كان عدوانيا، برغم خيبات أمل بعض الشركات الفرنسية التي تمت إزاحتها خلال مناقصات تركية.

تصعيد غير منتج

كما يحدث عادة في حالات التوتر المستمر، تضاعفت خلافات مثل هذه التي أوردناها من دون أن تسيطر عليها الحكومة الفرنسية أو التركية، وقد كان من الممكن أن تحل بطريقة توافقية خلال الأشهر الأخيرة. ويبرهن هذا التصعيد على الضغينة والتوجس المتبادل بين الطرفين وهو غير منتج بالمرة إذ لا مبرر له حقا. فالشكاوى والتصريحات المبهمة أو الجارحة لا تؤدي إلا إلى احتقان الوضع وتفاقم الاختلافات في الإدراك والتحليل وإنعدام الثقة بين الطرفين.

جوهريا، تتعدد الآن الخلافات وهي تتعلق أكثر فأكثر بملفات جيوسياسية مثل قضية الأكراد في سوريا ومنظمة الحلف الأطلسي (الناتو) وليبيا وشرق المتوسط. تطول اللائحة وتشير إلى شراكات متنافسة. ويبدو أن التصعيد والمواجهة المباشرة يطغيان في كل ملف على إرادة التوصل إلى توافق ديبلوماسي وسياسي. ومن بين هذه الأمثلة، نذكر ما قاله إيمانويل ماكرون في حوار مع مجلة “ذي إيكونوميست” (The Economist) في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 عندما اعتبر أن الناتو حاليا في حالة “موت دماغي” بعد عجزه عن القيام بأية ردة فعل على العملية العسكرية التركية في أكتوبر/تشرين الأول 2019 ضد مواقع كردية تابعة للمجموعات المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا. وما كان جواب أردوغان إلا أن قال: “عليك بفحص موتك الدماغي”.

رؤيتان متضاربتان

حالياً، هناك رؤيتان أيديولوجيتان متضاربتان أسفرتا عن انسداد الوضع بين فرنسا وتركيا. في الملف الكردي، ترى باريس أن عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) ينتمون إلى “محاربي الحرية” وهم بذلك حلفاء لفرنسا لأنهم قاتلوا تنظيم الدولة الإسلامية على الأرض وبنجاعة. لكن أنقرة وجزءا كبيرا من الرأي العام التركي يعتبرهم أولا وقبل كل شيء النسخة السورية لحزب العمال الكردستاني الموصوم بالإرهاب (كما هو الحال في باريس). لذلك ترفض تركيا قطعا أن يتمتع حزب الاتحاد الديمقراطي بإقليم حكم ذاتي على الحدود التركية السورية.

وقد زاد الوضع الفوضوي في سوريا والذي نجحت تركيا من خلاله في استعادة مكانة سياسية بمشاركتها في “مجموعة أستانة”1 في تفاقم هذه المفارقة، بينما أضحت فرنسا مجرد مراقب للأوضاع هناك، ولا قدرة لها على لعب دور في حل هذا النزاع.

أما في ليبيا، فالأمر أكثر تعقيدا، إذ كادت المواجهة البحرية بين السفن الفرنسية والتركية في يونيو/حزيران 2020 تؤول إلى ما لا يحمد عقباه. وقد تفسر سلسلة الأخطاء التي قامت بها فرنسا في الملف الليبي عدوانية الرئيس ماكرون، فكان اتهامه لتركيا بإرادة التوسع طريقة سهلة حتى يبرئ نفسه. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف لبلد عضو في مجلس أمن الأمم المتحدة ألا يساند حكومة فايز السراج التي تعترف بها الأمم المتحدة، بل أن يراعي تمرد المشير خليفة حفتر. فمهما كانت نيتها من وراء ذلك، يجب الاعتراف بأن تركيا ساهمت في إنقاذ الحكومة التي يعتبرها المجتمع الدولي شرعية.

شراكات البلدين (فرنسا وتركيا) تزيد من هذا التوتر، بسبب رهانات التأثير على الوضع الإقليمي. فمن بين ما تعكسه خلافات الملف الليبي رهانات اكتشاف واستغلال موارد الطاقة في شرق المتوسط. وهو ليس بالقضية الحديثة لكنها شهدت مؤخرا تحولات تبعث على القلق. فمع انقلاب ميزان القوى في ليبيا، قرر إيمانويل ماكرون أن يستعرض القوة العسكرية الفرنسية لمساندة اليونان والقبرصيين اليونانيين. لكنه لم ينجح في تعبئة الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن ألمانيا رفضت التصعيد وآثرت محاولات الوساطة السياسية.

إعادة تقييم عاجلة

صحيح أن الخطاب القومي والعدواني لرجب طيب أردوغان في غير محله، لكن يجب ألا يسفر ذلك عن التفكير بمنطق تضاربي. فأولا، لا يمكن التصرف وكأنه تم حل الملف القبرصي فالحال ليس كذلك. صحيح أن لانضمام قبرص للاتحاد الأوروبي في 2004 واقع قانوني، لكن ذلك لا يعني أن له واقع سياسي، فالجزيرة لا تزال عمليا مقسمة إلى جزئين. وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي غير قادر على المشاركة بطريقة إيجابية في حل هذا الملف، بما أنه في نفس الوقت حكم ومحكوم.

أما عن تحديد الجرف القاري والمياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، فيكفي أن ينظر أحدهم إلى الخريطة ليقتنع أن القانون الدولي البحري يحتاج إلى تهيئة خاصة حتى لا يصبح بحر إيجة والمنطقة البحرية الجنوبية لتركيا بحيرة يونانية. لذا، فلا فائدة في التصعيد ولا في دبلوماسية طبول الحرب. وحدها مناقشات حقيقية قادرة على حل هذه النزاعات الشائكة المستمرة منذ عقود.

التوتر على أشده إذن بين فرنسا وتركيا. وهذا أمر مؤسف، خاصة وأن فرنسا هي الأفضل من حيث الموقع لإحياء العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة وفق قواعد جديدة، ومن دون مواربة ولا وعود كاذبة. فالأحكام المغلوطة التي تصدر ضد تركيا لا تسمح بفهمها، بل هي غير مثمرة، إذ قد تحرمنا من إمكانية تعزيز علاقتنا مع شريك فرض نفسه في المنطقة. من الأكثر حنكة إذن أن نتوقف عن التسويق لصورة سيئة عن هذا البلد واعتباره وفقا لقيمته الحقيقية.

(*) النص كاملاً على موقع أوريان 21:

 orientxxi.info/magazine/article4116

Avatar

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course