النيل السوداني غاضب.. لكنه سيضحك من جديد
In 1988 the Blue Nile flooded and burst.Its banks sweeping away many homes in Khartoum (Photo by In Pictures Ltd./Corbis via Getty Images)

"السودان يغرق". هاشتاغ ملأ فضاء منصات التواصل الإجتماعي. فاض النيل بفرعيه الأزرق والأبيض، فغرقت سهول في الخرطوم وأم درمان ومدني وتوتي ومعظم ولايات السودان. هي قصة نهر عظيم في بلد جميل، لكن لا مفر من الفيضانات والمصائب.

إنطباعات كثيرة ترسخ في أذهان زوار السودان، لكن ثمة مشهد في الخرطوم يبقى عالقاً في الذاكرة ولا تمحيه السنون، وهو “مقرن النيلين”. إذا لم تشاهده، فأنت لا تعرف النيل، ولا تستطيع الإدعاء أنك زرت هذا البلد العربي الإفريقي الجميل، الذي لا يشبه أي مكان آخر في المعمورة. في المقرن، يقترن النيل الأبيض المسافر من بحيرة فيكتوريا على حدود أوغندا وتانزانيا وكينيا، قاطعاً الاف الكيلومترات من الغابات الاستوائية والسهوب، وجارفاً معه الطمي والوحول الى وسط السودان ليلتقي بالنيل الأزرق الاتي من بحيرة تانا  في الهضبة الأثيوبية ومن الروافد الأريترية حاملاً الكمية الأكبر من مياه هذا النهر العظيم إلى البحر، حيث يواصل سيره في مجرى واحد من الحاضرة السودانية إلى صحراء النوبة، مروراً بأبرز معالم التاريخ والحضارة الفرعونية من الأقصر إلى الجيزة إلى قلب القاهرة ومنها إلى الدلتا المصرية على شواطىء  المتوسط، مانحاً منذ الأزل الحياة والماء والكلأ لشعوب واديه العملاق.

يتعانق النهران الأبيض والأزرق في المقرن بعد سفر طويل في مشهد ساحر وجذّاب، يميزه الخط الفاصل كبرزخ بين صخب النيل الأزرق وهدوء النيل الأبيض، ويزيد من روعته تلك الأشجار الكثيفة على الضفاف والمنتزهات وأفواج الطيور المتنوعة، وإن شوهت سحره تلك الأبنية الحديثة التي إنتشرت عشوائياً وبشكل غير متناسق مع المكان. وعلى ضفاف المقرن، ترتمي المدن الثلاث للعاصمة السودانية، الخرطوم ومدني وأم درمان، وفي الوسط، تتمدد جزيرة توتي في وسط المياه معاندة الذوبان بالمياه والتلاشي في النهر.

أهل الجزيرة أدرى بشعابها ومساربها المائية، إذ إستطاعوا ان يطوروا عبر العصور تقنيات ومهارات تقيهم شر الفيضان، حتى أن الفيضان صار جزءاً من ثقافة الجزيرة وفيه فائدة للأرض والتراب

قبل نحو عقدين من الزمن، كنت من المواظبين على زيارة الخرطوم، وكانت الجزيرة مغناطيس نظري، أكافح الملل والوقت الممل في غرف إقامتي في الهيلتون- الفندق شبه اليتيم آنذاك في المدينة، بمشاهدة العبارات والمراكب الشراعية تنقل أهل الجزيرة وسكانها منها وإليها في حركة لا تتوقف، كنت أراها جنة خضراء في وسط النهر بكثافة أشجارها ونباتها وبساتينها وشواطئها الرملية البيضاء المثالية للسباحة والعوم، وعندما أتجول في شارع النيل المطل على النهر، لم يخطف نظري سوى تلك المباني الكولونيالية التي خلفها المستعمر البريطاني هناك شاهدة على إحتلاله وعلى الحياة المرفهة للمستعمرين على حساب رفاه شعب طيب يحب السكينة والحياة الهادئة لكنه يرفض الذل ويعرف كيف يثور وينتفض في الوقت المناسب. في توتي التي يقال إنها أقدم منطقة في الخرطوم وأنها أصل المدينة، تستمتع بقصص أهل الجزيرة وحكايات رجالها وقصصها التاريخية، وبالمزج الغريب بين نمطي الحياة الزراعي القبلي والحضري. بيئة تنجب فلاحين، كما رجال دولة كبار في السياسة والثقافة والعلم والادب.

والسؤال الدائم والمحير لي ولأي زائر للجزيرة التي وصفت بأنها “درة النيل وبنته”، هو كيف صمدت الحياة فيها، في ظل فيضان النهر الذي يتكرر بإستمرار؟ وكيف تغلبت على المياه والأمواج طوال هذه الدهور ولم تسمح لها بجرف بيوتها وتاريخها وبساتينها؟

كان الجواب دائماً أن أهل الجزيرة أدرى بشعابها ومساربها المائية، إذ إستطاعوا ان يطوروا عبر العصور تقنيات ومهارات تقيهم شر الفيضان، حتى أن الفيضان صار جزءاً من ثقافة الجزيرة وفيه فائدة للأرض والتراب. وفي مقدم هذه المهارات العزيمة والإرادة والتعاون بين السكان، إلى أن إختار برنامج الأمم المتحدة للحد من الكوارث، الجزيرة كأحد افضل ثماني مناطق على مستوى العالم في إستخدام المهارات التقليدية والثقافة المحلية للحد من مخاطر الفيضانات.

لكن فيضان النيل هذه المرة، كان الأكبر في التاريخ الحديث لهذا البلد، وكان أشرس من أن يقاوم بخبرة اهل توتي ومهارتهم وتعاونهم ومتاريسهم الترابية، فإرتفاع منسوب النهر لم يكن هو الخطر الوحيد، ذلك أن البناء العشوائي والإقبال السكاني الكثيف على توتي، ساهم أيضاً في إسقاط دفعاتها، فالجسور التي أقيمت لتسهيل التواصل بين الجزيرة ومحيطها، أنعشت حركتها ونموها لكنها أيضاً اثقلتها بالمقيمين والفوضى البشرية، والنهر الذي كان يمنح الحياة، يمكنه أن يجلب البؤس أيضاً.

النيل غاضب لكنه سيضحك من جديد، فعلى ضفافه قامت حضارات، وتلاقحت ثقافات. وليس النيل عند أهل السودان مجرد نهر يحمل المياه والطمي، فهو مصدر الرزق والخير، وسر من أسرار السعادة والحياة، والآصرة بين النيل وأهله قديمة ووثيقة.

فيضان النيل في توتي، يختصر مأساة أخرى تحل بالسودان وأهله، فهذا الشعب لا يكاد يخرج من مصيبة حتى تحل به أخرى، وهو دائما يترك وحيداً في مواجهة الأقدار والمصائب. لكنه في كل مرة يثبت أنه يستطيع وحيداً قهر القهر.

أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download