روسيا وإيران: ثنائية النفوذ والمصالح في سوريا
In this photo released by Russian Foreign Ministry Press Service, Russian Foreign Minister Sergey Lavrov, second left, and Syrian President Bashar al-Assad, center, enter a hall for their talks in Damascus, Syria, Monday, Sept. 7, 2020. Russia's foreign minister has met with Syrian President Bashar Assad shortly after landing in the Syrian capital on his first visit since 2012. Russia has been a close ally of Assad in Syria's long and bloody nine-year-long civil war, lending his government in Damascus vital military, economic and political support. (Russian Foreign Ministry Press Service via AP)

يوم اتخذت روسيا قرارها بالتدخل العسكري في سوريا في خريف العام 2015، كان من الطبيعي أن يستشعر الرئيس بشار الأسد قدراً كبيراً من الاطمئنان. ماذا بعد إنتهاء السنة الخامسة؟

كان الدخول الروسي المباشر في الصراع السوري مؤشراً على أن مرحلة تحوّلات قد بدأت تفرض نفسها في الميدان بعد سقوط الجبهات العسكرية على وقع اندفاعة المجموعات المسلحة المعارضة والتكفيرية المدعومة اقليمياً ودولياً في معظم أنحاء سوريا.

لكنّ ذلك لم يكن سوى الرأس الظاهر في جبل جليد التدخل الروسي، إذ كان ثمة سبب آخر لطمأنينة الأسد، وهو أن ثمة قوة عظمى حليفة قد أتت لتوازن النفوذ الإيراني، الذي بات أمراً واقعاً منذ تدفق ضباط الحرس الثوري الإيراني إلى الميدان السوري، الأمر الذي رأت فيه أجهزة الدولة السورية خطراً مؤجلاً، برغم العلاقة التحالفية بين دمشق وطهران.

ثمة قاعدة ثابتة في الحروب على مرّ التاريخ، وهي أن الضرورات العسكرية غالباً ما تبيح المحظورات السياسية. ينطبق هذا الأمر بشكل خاص على العلاقة بين سوريا وايران، فالأولى دولة يفترض أنها تشكلت وفق نموذج ظاهره على الأٌقل علماني وبأيديولوجية تمتد جذورها إلى سيتينيات القرن المنصرم، فيما الثانية دولة من طراز آخر قائمة على ايديولوجية تزاوج بين الثيولوجية والتوسع الامبراطوري، بما يجعل مساحات التناقض بينهما طبيعية، برغم مساحات الالتقاء الشاسعة القائمة بفعل العوامل الاقليمية والدولية.

على الجهة الأخرى، تبدو العلاقات بين روسيا وسوريا أقلّ تعقيداً، ليس فقط بسبب الجذور التاريخية التي تمتد إلى الحقبة السوفياتية، والتي ربما تأثرت قليلاً بفعل التحولات التي عصفت بروسيا في حقبة بوريس يلتسين قبل أن تستعيد مكانتها في حقبة فلاديمير بوتين، بل لأن ثمة قاعدة ثابتة في تلك العلاقات تتمثل في التقاطعات الاستراتيجية بينهما والتي تقوم على اساس مؤسساتي منظم على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية والإقتصادية.

بالمقارنة بين العلاقات السورية – الروسية والسورية – الإيرانية، يمكن على سبيل المثال، الإشارة إلى شكل التواجد العسكري على الأراضي السورية، حيث تحضر روسيا كجيش نظامي محكوم باتفاقيات رسمية مع الحكومة السورية، في حين تحضر ايران بشكل مركب بين قوة نظامية يجسدها الحرس الثوري وبين مجموعات عسكرية موالية لطهران، وعلى رأسها “حزب الله”، وهو ما يترك آثاراً كبيرة على المستويات الميدانية والسياسية كافة.

امتداداً للقاعدة المشار إليها سابقاً، يمكن افتراض أن التناقضات بين “حلفاء” الحرب لا بد أن تطفو شيئاً فشيئاً على السطح، حين تتقدم الترتيبات السياسية على ضرورات الميدان، وهذا ما جعل الحديث عن طبيعة العلاقات الروسية – الإيرانية – السورية يتجدد في مرحلة تراجع العامل العسكري خلال السنتين المنصرمتين، لا سيما أن تشعبات هذه العلاقات تقع ضمن مروحة واسعة بين السياسة والاقتصاد والاستراتيجية والتكتيك.

هذا أيضاً ما جعل زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى دمشق، الاسبوع الماضي، محط الأنظار لا سيما أنها أتت استباقاً لاستحقاقات حساسة، من بينها الحلقة المفرغة التي يدور فيها عمل اللجنة الدستورية وبدء العد العكسي للانتخابات الرئاسية السورية في العام المقبل، والأهم من كل ما سبق دخول المشهد الدولي مرحلة الانتخابات الأميركية، حيث تسعى روسيا لترتيب ملفاتها، استعداداً للاحتمالات المتصلة بتجديد ولاية دونالد ترامب أو انتخاب جو بايدن رئيساً.

برزت تسريبات صحافية تفيد بأن الوزير الروسي يحمل رسالة من الرئيس فلاديمير بوتين إلى نظيره السوري فحواها ضرورة اعتماد مزيد من المرونة في مسار الحوار السياسي، لا سيما مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية السورية، التي من المفترض أن يترشح لها بشار الأسد مُجدداً

انطلاقاً مما سبق، كانت زيارة لافروف، وهي الأولى له إلى سوريا منذ ثماني سنوات، بمثابة زيارة عمل، أكثر منها زيارة احتفالية كما حدث سابقاً، وقد حدد رئيس الدبلوماسية الروسية عنوانها الرئيسي: سوريا نجت من الحرب ضد الإرهاب والآن أصبح من الضروري حل المهام الجديدة لاستعادة الاقتصاد وجذب المساعدة الدولية لهذا الغرض.

لم يحدد لافروف كيفية القيام بذلك في ظل اشتراط المانحين الأساسيين، ولا سيما الأوروبيين الذين تنظر إليهم روسيا باعتبارهم الأكثر مرونة في التعامل مع الملف السوري، موافقة دمشق على إصلاحات سياسية ملموسة في مقابل رفع العقوبات وتمويل عملية اعادة الاعمار.

ولكن قبل الزيارة، برزت تسريبات صحافية تفيد بأن الوزير الروسي يحمل رسالة من الرئيس فلاديمير بوتين إلى نظيره السوري فحواها ضرورة اعتماد مزيد من المرونة في مسار الحوار السياسي، لا سيما مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية السورية، التي من المفترض أن يترشح لها بشار الأسد مُجدداً.

غير أن ما خرج عن اجتماعات لافروف في دمشق لم يحمل أي مؤشر على تبدّل الوجهة السورية في ما يتعلق بالتسوية السياسية، فوزير الخارجية السوري وليد المعلم أكد بوضوح، خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره الروسي، أن الانتخابات الرئاسية واللجنة الدستورية غير مرتبطين بأي حال من الأحوال، مشدداً على أن عمل اللجنة الدستورية ليس محدداً بالوقت، وهو ما كرره لافروف بدوره حين قال إنه “لا توجد مواعيد نهائية للجنة الدستورية”.

في ظل هذه الظروف، سيكون من الصعب استعادة الحوار بين دمشق الغرب ورفع العقوبات، ما يعني أن تمويل إعادة الإعمار، الذي لا تستطيع روسيا تحمل عبئه بمفردها، وهو ما يفسر ما طرحه الوفد الروسي من أفكار حول خطة اقتصادية، مستوحاة من تفاهمات تم التوصل اليها في العام 2018، وتستهدف تحقيق غايتين، الأولى توجيه رسالة إلى الغرب بأنّ موسكو تمتلك القدرة على احتواء العقوبات على سوريا من خلال آليات بديلة، عمادها الشركات الروسية؛ والثانية توجيه رسالة موازية للقيادة السورية مفادها أن الاقتصاد السوري ينبغي أن يكون “روسياً” في حال لم يتم تقديم تنازلات جوهرية على طريق التسوية، لا سيما أن موسكو تمتلك ركيزة أساسية في هذا السياق تتمثل في الديون المترتبة على سوريا لمصلحة روسيا.

المؤشرات الأولية تشي بأن الاقتراح الروسي بالإنسحاب الإيراني لم يلقَ تجاوباً من قبل القيادة السورية، لأسباب تتعلق بسعي الأسد إلى موازنة النفوذ الروسي بالنفوذ الإيراني، والعكس صحيح

في موازاة هاتين الرسالتين، ثمة رسالة أكثر أهمية موجهة إلى الإيرانيين، بأبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية.

في الشق السياسي، تحاول روسيا من خلال دفع بشار الأسد إلى تقديم تنازلات لتحقيق التسوية السياسية أن تتمايز عن الموقف الإيراني، وترك الباب مفتوحاً أمام تسوية أوسع نطاقاً مع الأميركيين.

ومن المعروف أن التباين في الموقفين الروسي والإيراني من الأزمة السورية يتمحور حول مجمووعة من القضايا المتصلة بالتسوية السياسية بشكل عام، لا سيما في بعض آليات مسار آستانا، إن لجهة اصرار الروس على انخراط الأميركيين في هذه العملية، ولو بصفة مراقب، على عكس الرغبة الإيرانية، أو في التفاهمات التي جرت بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان حول ادلب، والتي استبعدت عنها ايران، برغم كونها الضلع الثالث في “الترويكا” الضامنة لمسار أستانا.

ومع أن ما سبق لم يؤثر سلباً على العلاقات الروسية – الإيرانية، إلا أن ثمة جوانب ربما تثير حساسية في طهران إزاء التحركات الروسية، فإذا كانت ايران قد ارتضت بأن تعود إلى الصف الثاني في الميدان السوري بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، فإنّها استشعرت بالتأكيد خطراً على مصالحها السورية، منذ  تفاهمات قمة هلسنكي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، والذي من الواضح أن ثمة مسعى روسياً لإحيائها، كخيار محتمل، في حال فوز ترامب بولاية رئاسية جديدة.

ولعلّ ما سُرّب حول الطلب الذي تقدم به لافروف من الأسد والقاضي بإنسحاب الإيرانيين وحلفائهم من سوريا يشي بأنّ روسيا بدأت عملية جس نبض لكافة اللاعبين، وبطبيعة الحال للجانبين الأميركي والاسرائيلي، حول الانفتاح على تسوية شاملة، تلحظ انسحاب الأميركيين من الشرق السوري كثمن للانسحاب الإيراني، برغم عدم حماسة الدولة السورية لإتخاذ قرارات كبيرة، قبل حسم ملف إدلب والشرق السوري، بدليل ما حصل في سراقب في الربيع الماضي.

انطلاقاً مما سبق، يمكن اعتبار زيارة لافروف بمثابة محاولة أولية، وبطبيعة الحال غير مكتملة، لتحديد آفاق التحرك الروسي في سوريا في المرحلة المقبلة، ورصد ردود الأفعال المحتملة بين الأميركيين والإيرانيين.

المؤشرات الأولية تشي بأن الاقتراح الروسي بالإنسحاب الإيراني لم يلقَ تجاوباً من قبل القيادة السورية، لأسباب تتعلق بسعي الأسد إلى موازنة النفوذ الروسي بالنفوذ الإيراني، والعكس صحيح، حتى لا يستجر هيمنة كاملة لطرف بعينه على القرار السوري، وهو موقف يبدو أن الجانب الروسي يتفهمه جيّداً، بدليل ما قاله لافروف من أن تواجد القوات الإيرانية في سوريا أمرٌ تقرره الحكومة السورية وحدها.

أما في واشنطن، فقد برزت اولى المؤشرات حول الانفتاح الأميركي على الطروحات الروسية، بمواقف شبه رسمية أفادت بامكانية التفاهم على انسحاب متبادل للقوات الإيرانية والأميركية من سوريا، في مقابل تكريس التواجد الروسي.

وأما في طهران، فيبدو أن ثمة تريّثاً في فهم طبيعة التحرك الروسي، من خلال اتصالات مباشرة، قد تصل في نهاية المطاف إلى تفاهمات تتجاوز سوريا، لا سيما أن ثمة تقاطعات سياسية واقتصادية كثيرة بين الروس والإيرانيين، إن على مستوى العلاقات الثنائية، أو على مستوى السياسات الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط وآسيا عموماً.

كل ما سبق يبقى رهناً بما ستكون عليه السياسة الأميركية بعد انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وهذا ما يمكن الاستدلال عليه من اختيار لافروف شهر كانون الأول/ديسمبر، موعداً مبدئياً لزيارة جديدة إلى دمشق تستكمل نقاش الأفكار التي طُرحت في الزيارة الأخيرة، فعلى ضوء التوجهات الأميركية المرتقبة – سواء بفوز ترامب او بايدن – ستحسم روسيا استراتيجية وجودها في سوريا، بما يشمل مساحات نفوذها مع ايران، وما عدا ذلك من ترتيبات مع الأميركيين والإسرائيليين والأتراك… وحتى ذلك الحين، يمكن توقع الكثير من الرسائل المباشرة والإيماءات الممهدة لاتخاذ القرار النهائي.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free download udemy course