حريقا المرفأ وأسواق بيروت.. معلّم اللحام ليس المتهم الأول!

أصيب اللبنانيون بفوبيا جديدة، وصار اللبناني ـ المشهور بإطلاق النكات على مصائبه ـ يبتعد كلّما رأى عاملاً يعمل في تلحيم الحديد أو قصّه، فما الذي يجري فعلاً؟

هناك سؤال لم تُقدّم حتى اللحظة إجابة شافية عليه، بعد كارثة إنفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020، كم تبلغ كمية نيترات الأمونيوم الفعلية الموجودة في العنبر رقم 12، وكم تبلغ الكمية التي انفجرت منها، وهل تساوي فعلًا 2750 طن أم أقل من ذلك بكثير؟ وما هو مصير باقي الكمية؟

انطلاقاً من الفرضية التي تقول كيميائياً بعدم إمكانية الجزم أبدًا أنّ الكمية المنفجرة هي 2750 طناً من نيترات الأمونيوم لأسباب شتى منها ظروف التخزين وعدم توزع الحرارة بشكل عادل ومتساوٍ لحظة الحريق، ما يعني بالتالي أنّ الكمية المنفجرة هي أقل من ذلك بكثير، يمكن إفتراض أن جزءاً لا يستهان به من نيترات الأمونيوم تناثر في الجو وعاد وسقط على الأبنية والأراضي المحيطة بالمرفأ، بل أكثر من ذلك يمكن القول بأنّ الانتشار قد طال كل المناطق القريبة التي وصلت إليها موجة العصف في العاصمة.

هذه الكمية من نيترات الأمونيوم المنتشرة على الأبنية وفي الطرقات ليست خطيرة بالمعنى الانفجاري، فهي ليست مضغوطة أو متكتلة في مكان واحد، بل متناثرة كالغبار، وربما قد أزيلت من بعض الأماكن عفوًا لا عمدًا بسبب أعمال التنظيف وما شاكل، وبقيت في أماكن أخرى أيضًا بشكل عفوي.

أعمال الصيانة والتلحيم

هي تقنيات منتشرة ومعروفة منذ الاستعمال الأول للمعادن، تطورت كثيرًا مع تطور الهندسة والكيمياء والفيزياء. تستعمل عادة أدوات كهربائية (القوس الكهربائي) أو كيميائية (مشعل الغاز والاكسجين) لقص ووصل المعادن ببعضها البعض، ما يؤدي إلى تطاير شرر تصل حرارته إلى مئات الدرجات المئوية أو حتى تساقط قطرات من المعان الذائبة الأكثر سخونة بحرارة تصل لما يزيد عن الألف درجة مئوية، بطبيعة الحال هذه الأعمال تزيد من خطر اندلاع النيران بحال جرت في أماكن تحتوي مواداً قابلة للاشتعال مثل الزيوت أو الوقود.

المطلوب عدم القيام بأية أعمال صيانة تتضمن استعمال مصادر الحرارة العالية حتى لا يتكرر ما حصل في المرفأ وفي المبنى الذي صمّمته زها حديد بمحاذاة أسواق بيروت

نيترات الأمونيوم كغبار

مع القيام بأعمال الصيانة هذه ووجود نيترات الأمونيوم في المكان كغبار، لن يحصل أي انفجار طبعًا ولكن قد تقع أحداث خطرة فنيترات الأمونيوم عند ضربها بنثرات المعادن الشديدة الحرارة ستتفكك مباشرة منتجة المزيد من الحرارة والتفاعلية وبكل تأكيد أكسدة ما يحيط بها (إنتاج غاز الأوكسجين) ما يؤدي بالتالي لالتهاب المواد القابلة للاشتعال بشكل لا يمكن السيطرة عليه فهناك ما يغذي النيران بما تحب، ونقصد بذلك الأوكسجين.

وهذا ما يمكن أن يكون سبب ما حدث فعلًا في مرفأ بيروت في العاشر من أيلول/سبتمبر 2020، وكذلك في المبنى البانورامي الجميل الذي صمّمته المهندسة الراحلة زها حديد في 15 أيلول/سبتمبر 2020 حيث جرت في المكانين أعمال صيانة تتضمن التلحيم وتعرض المكانان أيضاً للعصف الانفجاري الضخم وتناثرت فيهما وحولهما غبار المواد التي كانت موجودة في العنبر رقم 12 لا سيّما في المرفأ، ما أدى إلى حرائق كان من الصعب السيطرة عليها لأنها مولّدة للأوكسجين ولا تستهلكه فقط بالإضافة إلى طبيعة المواد الموجودة في مستودعات المرفأ حيث أفادت التقارير الرسمية بوجود إطارات وزيوت قابلة للإشتعال، ما يدفعنا للسؤال بشكل دائم عن إجراءات أمان بديهية ما زالت غائبة عن كل مسرح الجريمة، بعد أكبر انفجار وقع في لبنان ونقصد به كارثة الرابع من آب/أغسطس 2020.

الإهمال.. لا مُعلم اللحام

لا بدّ من مسح شامل ينطلق من مرفأ بيروت أولًا باتجاه كل المناطق المحيطة، على أن تقوم فرق البحث بالتحقق من وجود بقايا أو آثار نيترات الأمونيوم في الزوايا والأماكن الضيقة المغلقة لتأكيد أو نفي الفرضية المذكورة آنفًا من جهة، وعدم القيام بأية أعمال صيانة تتضمن استعمال مصادر الحرارة العالية من جهة ثانية، وذلك حتى لا يتكرر ما حصل في المرفأ وفي المبنى الذي صمّمته زها حديد بمحاذاة أسواق بيروت.

حتى ذلك الحين، وإلى أن يأتي موسم المطر، لا بد من الحيطة والحذر.

وقبل المطر وبعده، لا بد من معاقبة المتهمين الفعليين. حتماً ليس مُعلّم اللحام هو المتهم الأول بل الإهمال المتمادي الذي نشهد، وللأسف، فصولاً يومية متمادية منه.

فؤاد إبراهيم بزي

مدرب في مختبرات الكيمياء في الجامعة اللبنانية في بيروت

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course