“الموساد” يغري العلماء الألمان.. فتفقد مصر “العقل الصاروخي” (14)
Prime Minister of Israel, Levi Eshkol (Right) with Shimon Peres (later PM and president) 1965. (Photo by: Universal History Archive/Universal Images Group via Getty Images)

في كتابه "إنهض واقتل اولاً، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية"، يروي الصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان كيف تمكن جهاز "الموساد" من تجنيد "اوتو شورزيني" قائد العمليات الخاصة في الجيش النازي والمفضل عند هتلر نفسه بين كل ضباطه إبان الحرب العالمية الثانية، وذلك من أجل إختراق البرنامج الصاروخي المصري في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

يشرح رونين بيرغمان كيف استخدم جهاز “الموساد” احد ضباطه، “رافائيل ميدان” لتنفيذ المهمة مستفيداً من اصله الالماني، فتمكن بسرعة قياسية من اقامة علاقة حميمة مع “الكونتيسة ايلسي فون فينكينشتاين” زوجة الضابط النازي السابق “اوتو شورزيني” الضابط المسؤول حينذاك (1964) عن “هيرمان فالنتاين”، وهو خبير الماني مكلف بامن البرنامج الصاروخي المصري.

يروي بيرغمان كيف استطاع “رافائيل ميدان” بعد سلسلة من اللقاءات وحفلات السكر والمجون مع الكونتيسة في نواد ليلية اوروبية ان يعرض عليها فكرة لقاء زوجها مع مسؤول في وزارة الدفاع “الاسرائيلية”، الامر الذي وافقت عليه، كما وافق عليه زوجها، فحصل اللقاء في مدينة مدريد الاسبانية بين “شورزيني” و”ابراهام اهيتوف” منسق عمليات وحدة “المفصل” في مدينة بون الالمانية. ويقول الكاتب ان “شورزيني” وضع شروطا للتعاون مع “الموساد” أبرزها حصوله على مبلغ معتبر من المال وجواز سفر نمساوي باسمه الحقيقي وامر خطي بالعفو عنه والحصانة له طوال عمره من اية محاكمة على أن يكون موقعاً من رئيس الحكومة “ليفي اشكول” نفسه بالاضافة الى ازالة اسمه من لائحة النازيين المطلوبين للقتل.

يضيف بيرغمان ان شروط “شورزيني” اثارت جدلا واسعا في قيادة “الموساد”، فقد اعتبر كل من “اهيتوف” و مدير عمليات وحدة “المفصل” في اوروبا “رافي ايتان” ان تنفيذ شروط الضابط الالماني ضروري لنجاح المهمة واجهاض البرنامج الصاروخي المصري، فيما اعتبر مسؤولون أمنيون آخرون ان شروط “شورزيني” هدغها تنظيف سجله الإجرامي كمجرم حرب نازي، فصدر  قرار باعادة النظر في تاريخ هذا الضابط، وقد اظهرت التحقيقات الجديدة ان “شورزيني” كان قائدا لواحدة من المجموعات التي احرقت كنيساً يهودياً في العاصمة النمساوي فيينا، وانه حتى وقت قريب كان من اكبر داعمي منظمات النازية الجديدة، ومع ذلك، فقد ايّد “مائير اميت” رئيس جهاز “الموساد” الرأي الاول، ولكنه رمى الكرة في ملعب رئيس الحكومة “ليفي اشكول” لاتخاذ القرار النهائي، فما كان من الاخير الا ان استشار كبار مسؤولي الجهاز الذين نجوا من “الهولوكوست”، فرفضوا دعم القرار، لكن “اشكول”، وبرغم رفض هؤلاء، اعطى الامر بصرف الاموال للألماني “شورزيني” ووقع قرار منحه الحصانة وجواز سفر إسرائيلي. غير ان قرار ازالته عن لائحة النازيين المطلوبين للقتل لم يكن عند “اشكول” بل عند لجنة صائدي النازيين التي يرأسها “سيمون وايزنتال” ويمتد عملها الى كل انحاء المعمورة، علماً أنها كانت تتلقى تمويلها من “الموساد”. وقد رفض “وايزنتال” رفضا قاطعا ازالة اسم “شورزيني” من اللائحة، وعندما ابلغ الاخير باستحالة ازالة اسمه عن لائحة القتل، اعرب عن خيبة امله ولكنه وافق على المضي قدما بالاتفاق. وهكذا حصل ما لم يكن بالامكان تصديقه، فقد اصبح الضابط المفضل لدى الفوهرر والمطلوب في كل انحاء العالم كمجرم حرب نازي والمشتبه به بحرق كنيس يهودي عميلا اساسيا ومشاركا في واحدة من اهم العمليات الاستخبارية التي نفذها جهاز “الموساد” في ستينيات القرن المنصرم.

عندما سمع “فالنتاين” ذلك لمعت عيناه لشعوره بالفخر، ولو ان الترقية الان اصبحت ذات طابع رمزي، إلا انها عنت له الكثير فوقف على الفور بحالة تأهب وصاح بالتحية النازية “هايل هتلر”، وشكر “شورزيني” بحرارة

ويضيف بيرغمان ان الخطوة الاولى في عمل “شورزيني” كانت التواصل مع اصدقائه العلماء الالمان في مصر وأن يزعم أمامهم انه بصدد احياء شبكة لجهاز الاستخبارات النازية “اس اس” والضباط السابقين في الجيش النازي من اجل العمل على بناء المانيا الجديدة او ما اسماه “الرايخ الرابع”، وأنه من أجل تنفيذ ذلك، كان عليه ان يقول لهم ان مهمتهم ستكون جمع ما امكن من معلومات سرية، وبالتالي فان العلماء الالمان في مصر مطالبون تحت قسمهم يمين الولاء العسكري بتزويد المنظمة الوهمية لـ”شورزيني” بكل التفاصيل عن ابحاثهم الصاروخية من اجل استخدامها في بناء القوة العسكرية الالمانية الجديدة التي كانت قيد الانشاء. وهنا كانت الحاجة ماسة الى استخدام الخبير الامني الالماني “هيرمان فالنتاين” الذي كان على اطلاع كامل على تفاصيل البرنامج الصاروخي المصري، فاتفق “شورزيني” و”اهيتوف” على استخدام الحيلة معه. فاستدعى “شورزيني” الضابط “فالنتاين” الى اجتماع عاجل في مدريد تحت ذريعة ان الاول يعقد لقاء خاصا لكل من كانوا مرؤوسيه ابان “الحرب المجيدة”. فجاء “فالنتاين” ونزل في افخم فنادق العاصمة الاسبانية على نفقة “الموساد”، وهنا قال له “شورزيني” ان اللقاء معه لا يهدف فقط الى مناقشة الخطة (الوهمية) لاعادة احياء الرايخ بل انه يريده ان يلتقي صديقا له في الاستخبارات البريطانية “MI6” لان الانكليز مهتمون جدا بما يجري في مصر، وطلب من “فالنتاين” مساعدة صديقه هذا، لكن الاخير بدا مشككا في الامر، وسأل محدثه “هل انت متأكد ان لا علاقة للاسرائيليين بالامر؟” فما كان من شورزيني الا ان صاح بوجهه “قف بحالة تأهب عندما تتحدث إليّ واعتذر فورا، كيف تجرؤ على قول مثل هذا الامر لضابط ارفع رتبة منك”؟ وعلى الفور اعتذر “فالنتاين” عما قاله لكنه لم يكن مقتنعا برواية محدثه، وفي الحقيقة لم يكن ضابط الاستخبارات البريطانية المزعوم سوى ضابطا في “الموساد” من أصل استرالي إسمه “هاري باراك”. وافق “فالنتاين” على لقاء هذا الضابط لكنه لم يوافق على التعاون معه.

لم تحبط النتيجة “شورزيني” بل قرر اللجوء الى حيلة جديدة، ففي لقائه الثاني مع “فالنتاين” ابلغه ان صديقه الأمني البريطاني قال له انه قبل انتهاء الحرب العالمية بقليل، اعترضت المخابرات البريطانية برقية مرسلة منه الى هيئة قيادة اركان الجيش الالماني يبلغهم فيها ترقيته “فالنتاين” الى رتبة اعلى ولكن البرقية لم تصل اليه ولا الى هيئة الاركان، يقول بيرغمان انه عندما سمع “فالنتاين” ذلك لمعت عيناه لشعوره بالفخر، ولو ان الترقية الان اصبحت ذات طابع رمزي، إلا انها عنت له الكثير فوقف على الفور بحالة تأهب وصاح بالتحية النازية “هايل هتلر”، وشكر “شورزيني” بحرارة. فاستغل الاخير الامر، وقال له انه على استعداد لأن يسلمه رسالة خطية موقعة منه تتضمن هذه الترقية، فكان جواب “فالنتاين” إنه سيتعاون مع البريطاني وسيزوده بكل ما يطلبه من معلومات تتوفر لديه.

اجهض الموساد البرنامج الصاروخي المصري من داخله عبر عدة وسائل، منها ارسال رسائل تهديد الى العلماء الالمان مصاغة بطريقة ذكية جدا تتضمن تفاصيل حميمة عن متلقي الرسالة مثل القول “تذكر انه حتى لو لم تلام على الجرائم التي ارتكبتها الامة الالمانية في الماضي، فانك لا تستطيع ان تنكر مسؤوليتك عما تفعله اليوم”

ويضيف بيرغمان، مع الوقت اخذ “شورزيني” يستدعي الى مدريد الضباط السابقين في الجيش الالماني الذين كانوا على صلة بالبرنامج الصاروخي المصري حيث ينزلون في افخم الفنادق ويجتمعون في منزله يأكلون ويشربون حتى ساعات الصباح الاولى على نفقة الحكومة “الاسرائيلية” فيما كانت كل احاديثهم تسجل وترسل الى جهاز “الموساد”. وهكذا بين تلك الاحاديث والمعلومات التي وفرها الثنائي “فالنتاين” و”شورزيني” اصبح لدى “الموساد” صورة كاملة عن البرنامج الصاروخي المصري مع تحديد مهمة كل عالم في البرنامج وتفاصيل دقيقة عن عمله. وبفضل كنز المعلومات هذا تمكن رئيس الموساد “مائير اميت” من اجهاض البرنامج الصاروخي المصري من داخله عبر عدة وسائل، منها ارسال رسائل تهديد الى العلماء الالمان مصاغة بطريقة ذكية جدا تتضمن تفاصيل حميمة عن متلقي الرسالة مثل القول “تذكر انه حتى لو لم تلام على الجرائم التي ارتكبتها الامة الالمانية في الماضي، فانك لا تستطيع ان تنكر مسؤوليتك عما تفعله اليوم. فمن المستحسن ان تأخذ مضمون هذه الرسالة بجدية وذلك من اجل عائلتك الصغيرة ومن اجل مستقبلك ومستقبل عائلتك واطفالك”. وكانت تلك الرسائل توقع باسم منظمة مجهولة تدعى “جيدوين” وهذا اسم احد “الابطال” اليهود في التاريخ السحيق كما انه اسم منظمة مسيحية انجيلية كانت توزع كتب التوراة في غرف الفنادق في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية.

في ذلك الحين وايضا بفضل المعلومات التي حصل عليها “الموساد” من مصادر عدة ولا سيما تلك التي قدمها له “فالنتاين”، كشف الجهاز الإسرائيلي خطة سرية مصرية لتجنيد اعداد من العلماء والمهندسين في مصنع الصواريخ والطائرات الالماني “هليغ” في مدينة “فرايبورغ” والذين كانوا على وشك خسارة عملهم، فبادر رئيس “الموساد” (“مائير اميت”) الى القيام بخطوة كبيرة من اجل منع مغادرتهم المانيا. ففي التاسع من كانون الاول/ديسمبر 1964، قام “شيمون بيريز” نائب وزير الدفاع في ذلك الحين و”رافي ميدان” بنقل حقيبة مغلقة جيدا تحوي عددا من الوثائق باللغة الانكليزية تم اعدادها من قبل مكتب مدير “الموساد” استنادا الى المعلومات التي وفرها “شورزيني” و”فالنتاين” وبعض العلماء الالمان، وطارا بها إلى المانيا الغربية حيث اجتمعا مع النائب السابق لوزير الدفاع الالماني “فرانتس جوزيف شتراوس” لمدة ست ساعات قدما خلالها الوثائق التي تضمنت معلومات لا يرقى اليها ادنى شك عن كل تفاصيل البرنامج الصاروخي الذي ينفذه اعتى اعداء “اسرائيل” جمال عبد الناصر فيما المانيا لا تتخذ اي تدبير حيال ذلك. وينقل بيرغمان عن بيريز قوله ان الاجتماع كان دافئاً جداً وتخلله شرب الكثير من الكحول، وبحسب “بيريز”، فان “شتراوس” كان يستطيع شرب كل نبيذ وبيرة العالم. في تلك الجلسة، قال “بيريز” الى مضيفه في ما يشبه التهديد: هل تتخيل ما هي ردود الفعل على المانيا اذا ما وصلت هذه المعلومات الى وسائل الاعلام العالمية؟

يقول بيرغمان، إنه على الفور وافق “شتراوس” على التدخل واستدعى “لودفيغ بولكو” الرجل الاكثر تأثيرا في الصناعات الجوية الالمانية، فقام الاخير بارسال مندوبين عنه للتواصل مع العلماء والمهندسين العاملين في مصنع “هليغ” الذين كانوا على وشك خسارة وظائفهم وقدم لهم عروض عمل مغرية لدى مؤسساته بشرط وحيد وهو عدم  التعاون مع المصريين. نجحت الخطة، وحالت دون مغادرة معظم هؤلاء العلماء والمهندسين المانيا على الرغم من الحاجة الملحة لهم في البرنامج الصاروخي المصري، ما ادى الى شل البرنامج بالكامل، بحسب بيرغمان.

وجاءت الضربة القاضية للبرنامج الصاروخي المصري، عندما قام مندوب “لودفيغ بولكو” بزيارة الى مصر لاقناع العلماء الالمان هناك بالعودة الى بلادهم وفق شروط مغرية ايضا، فبدأوا بالمغادرة واحدا تلو الاخر. وبحدود تموز/يوليو 1965، غادر العالم “بيلز” القاهرة وعاد الى المانيا ليرأس احد الاقسام في مصنع للطائرات تحت أمرة “لودفيغ بولكو”.

يختم بيرغمان هذا الفصل بالقول إن جهاز “الموساد” إستخدم كل ما أتيح من قدراته لوقف تهديد وجودي من عدو خارجي، وكانت المرة الاولى التي سمحت “اسرائيل” لنفسها ان تستهدف بالقتل مدنيين من دول على علاقات دبلوماسية معها. وفي تقرير داخلي سري كتب في العام 1982، يقر “الموساد” بأن استخدام الطرق الناعمة والاغراءات المالية من قبل الدولة الالمانية لاستعادة العلماء الألمان من مصر كان اجدى من استخدام القوة، وأدى إلى خسارة مصر كفاءات ألمانية عالية.

 

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download