بغداد وبيروت: لعبة الأواني المستطرقة.. والخطرة

العين مفتوحة على العراق وليس على لبنان. ما يجري في بغداد وعند تخومها، هو جزء من الصراع الأميركي ـ الإيراني المحتدم في العديد من ساحات المنطقة، فهل يمكن أن يشكل رافعة إنتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب أم العكس في جولة الانتخابات الرئاسية المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل؟

في غضون عام واحد، تبدّل المشهد العراقيّ كثيراً. لم تعد لإيران تلك المقدرة على ضبط إيقاع الساحة العراقية. ثمة مقدمات سبقت الحراك التشريني العراقي في 2019. نسبة الاقتراع المتدنية في انتخابات العام  2018 (18٪)؛ الفوضى التي أعقبتها بحجة تزويرها، أحدثتا ارتباكاً كبيراً، وأفضيتا إلى أن يلعب الجنرال قاسم سليماني دور قائد الاوركسترا، أي ضابط الإيقاع الداخلي العراقي وفقاً للتطلّعات الإيرانية، فكان الاتيان بعادل عبد المهدي رئيساً للوزراء وفق مضبطة شروط لم يخل الرجل بالكثير منها.

اليوم، لا قاسم سليماني في العراق، ولا ضابط إيقاع داخلي. العراق إلى أين؟

بعد اندلاع الحراك التشريني الذي أفرز وجهة شعبية واضحة رافضة لجعل العراق مسرحاً للتجاذبات الاقليمية؛ لا سيما وأنها وجهةٌ باركتها المرجعية الدينية العليا ودعمتها، كان ينبغي بالإيرانيين أن يعيدوا تقييم كل سيرة تعاملهم مع العراق منذ العام 2003. لا يجوز أن يكتشف العراقيون أنهم بلا دولة. أنهم في العراء. أن الوحدة الوطنية العراقية مصابة بجروح كبيرة. أن العلاقات الإقليمية مصابة بحالة من اللاتوازن.

بهذا المعنى تبدو الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي شبيهة بالحكومات السابقة، الدعوية منها أو العبدالمهدية، أي أن قدرة إيران على التأثير المباشر بها وبقراراتها عالية جداً. لا ينفي ذلك أن الإيرانيين كانوا في زمنٍ سابقٍ أكثر نفوذاً إلى حدّ القدرة على تعديل الأطر الدستورية لأجل الاتيان برئيس الوزراء العراقي “المناسب”. حصل هذا مثلاً في العام 2010 بعد فوز اللائحة الانتخابية التي ترأسها إياد علاوي، والتي كان يُفترض أن تأتي بالأخير رئيساً للوزراء بحسب الدستور، لولا تقدم خيار نوري المالكي بدفعٍ إيرانيّ وصولاً إلى الضغط على الهيئات القضائية وتعديل الأمور لناحية فوز الائتلاف الأكبر في مجلس النواب برئاسة المالكي.

هذه النتيجة العراقية جاءت مغايرة لشهر العسل السوري ـ السعودي (سين سين). ثمة من يقول إن الرئيس السوري بشار الأسد قد أبلغ رسالة إلى الإيرانيين في تلك السنة عبر اللواء محمد ناصيف (أبو وائل) الذي توفي قبل خمس سنوات، مفادها عدم تعطيل مسار وصول العلاوي إلى رئاسة الوزراء، إحتراماً لإرادة الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبد العزيز. غير أن الإيرانيين خالفوا القيادة السورية الرأي، كما قرروا أن يسلكوا مسلكاً لبنانياً مماثلاً لما قرروه في بغداد. بعد إستقالة حكومة سعد الحريري، في مطلع كانون الثاني/يناير من العام 2011، أبلغ الأسد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أنه لا يتحمل هزيمة ثانية للسعوديين في لبنان، وبالتالي، ثمة ضرورة في الإبقاء على سعد الحريري رئيساً للحكومة، الأمر الذي قوبل من نصرالله بالرفض، حيث أبُلغ الأسد بأن رئاسة الحكومة ستؤول إلى نجيب ميقاتي.. وهكذا كان.

يصبح القبول الإيرانيّ الراهن بالانتخابات المبكرة مقروناً بجهودٍ نحو جعل هذه الانتخابات بوابة لتمكين دورهم في المرحلة المقبلة، لا لخسارة المزيد من الأوراق الإيرانية على الساحة العراقية. وهو مطلب يصطدم بطبيعة الحال مع مساعي الكاظمي الذي يضمر رغبةً في تشكيل ائتلافٍ نيابيّ يضمن بقاءه رئيساً للوزراء

اليوم، يبدو المشهد مختلفاً. لا قدرة لإيران على الإمساك بحكومة الكاظمي، ويبدو أن قدرة المرجعية الدينية العراقية في ذلك تفوقت على قدرة المحرك الإيراني. يتجلّي هذا الأمر بوضوحٍ في مسألة الانتخابات النيابية المبكرة، التي يصر الكاظمي، وبدعم كبير من المرجعية على إجرائها، في السنة المقبلة، في حين تبدو إيران غير متحمسة لذلك، وذلك على صورة رفض حزب الله نقطة وحيدة في مبادرة إيمانويل ماكرون هي الإنتخابات النيابية المبكرة. الفارق بين بيروت وبغداد، أن الفرنسيين أدركوا أن محاولة إستدراج حزب الله إلى المبادرة الفرنسية تقتضي تقديم بعض التنازلات، وهذا ما حصل، برغم النهاية المأساوية للمبادرة الفرنسية، اما في بغداد، فإن الإيرانيين يواجهون موقفاً ملتبساً من الكاظمي إزاء مسألة الإنتخابات المبكرة، وهم يتهمون الرجل بأنه تعهد لهم بعكس ذلك، وهذا ما يفسر ما وجّهه رئيس تحرير صحيفة “كيهان” الإيرانية حسين شريعتمداري من انتقادات هي الأولى من نوعها رداً على دعوة السيد علي السيستاني إلى إشراف الأمم المتحدة على الانتخابات العراقية المزمع عقدها يوم 6 يونيو/حزيران المقبل، الأمر الذي إضطر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن يتدارك الأمور بديبلوماسيته المعهودة عبر تغريدة له على تويتر جاء فيها:”المرجع الكبير سماحة آية الله السيستاني يعتبر الحصن الحصين للعراق وصمام الأمن للمنطقة وذخراً للعالم الاِسلامي أجمع.. ايران تقدر دور سماحته في استتباب الأمن في العراق واستقراره والحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه والتخلص من قوى الاحتلال وبناء العراق الجديد وفق متطلبات شعبه الشقيق” (لاحقاً إعتذر شريعتمداري أيضا من السيستاني)..

وبرغم كلام ظريف هذا، فإن الكواليس تنقل ما هو مغاير. يُلمح البعض إلى أن الطرف الإيرانيّ استحصل على ضمانة من الكاظمي ـ قبل التوافق على اسمه ـ بأن يبقى مطلب الانتخابات المبكرة مطلباً شكلياً، وهذا ما لم يحصل، ليصبح القبول الإيرانيّ الراهن بالانتخابات المبكرة مقروناً بجهودٍ نحو جعل هذه الانتخابات بوابة لتمكين دورهم في المرحلة المقبلة، لا لخسارة المزيد من الأوراق الإيرانية على الساحة العراقية. وهو مطلب يصطدم بطبيعة الحال مع مساعي الكاظمي الذي يضمر رغبةً في تشكيل ائتلافٍ نيابيّ يضمن بقاءه رئيساً للوزراء في المرحلة المقبلة. وهي مساعٍ ترجمها الكاظمي نفسه بخطوات حازمة في إطار التأكيد على استقلالية العراق، بدءاً من حملة ضبط السلاح المتفلت، إلى ضبط الحدود العراقية، إلى إلغاء قيادة حفظ القانون والتعديلات الإدارية الجديدة.. فيما انعكس ذلك مزيداً من الضغوط الإيرانية على الكاظمي عبر التصعيد الميداني المكثّف ضد الأميركيين، بعد أن كانت الضغوطات تحاصره في عدد من ساحات الحراك، لا سيما في البصرة، حيث تم اغتيال عدد من الناشطين البارزين، وهو الأمر الذي يحاول الكاظمي استيعابه في إطار الضغط المضاد من قبله.

في ظلّ هذا المشهد المركّب، يبدو أن الطرف الأميركيّ ينتظر اللحظة المناسبة للحسم. لحظة هي على الأرجح تسبق الانتخابات الرئاسية الأميركية. فالرئيس الأميركي الحالي يحاول أن يلعب بكل الأوراق المحتملة لضمان فوزه الرئاسي، وليست اتفاقيات التطبيع مع اسرائيل سوى إحدى أوراقه، دون أن تكون آخرها. لقد صرح ترامب أنه لا نية في إبقاء الجيش الأميركي في العراق، وأعلن مؤخراً الجنرال كينيث ماكينزي قائد القيادة العسكريّة الأمريكيّة في الشرق الأوسط  عن انسحاب عدد من ضباط وجنود القوّات الأميركيّة من العِراق، وهو ما يتناسب مع تطلّعات الشعب الأميركي وفقاً لإستطلاعات رأي جرت مؤخراً، لذلك، يصح القول إن مشهد الانسحاب الجزئي هو مجرد تكتيك انتخابي، قد يتبعه تكتيك انتخابي آخر، وهو ما تجلّى مع التحذيرات الأخيرة بإغلاق السفارة الأميركية، بحيث لم يعد من المستعبد أن يوجه الطرف الأميركي ضربات نوعية ضد فصائل المقاومة والحشد الشعبي في نية منه لحسم المشهد العراقي، ومعه محاولة لحسم المشهد الانتخابي في أميركا، إلا إذا كانت أرقام الإستطلاعات الأخيرة دقيقة، وهي تدل على تقلص الفارق بين ترامب وخصمه الديموقراطي جو بادين، وفق إستطلاع جامعة هارفرد (الفارق نقطتان فقط لمصلحة بايدن وهما تدخلان ضمن هامش الخطأ في الاستطلاع).

يبدو أن الأيام القليلة المقبلة قد تحمل بعض التطوّرات المفصلية في العراق. لنراقب ونرَ.

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
online free course