سقط كوهين في دمشق ولوتز في القاهرة.. فإنهارت “قيصرية” (15)
DAMASCUS, SYRIA: Picture dated 09 May 1965 shows Israeli spy Elie Cohen (L) and two other unidentified co-defendants, during their trial in Damascus, ten days before his execution. Israel wants Syria to return Cohen's remains as a confidence-building gesture in the framework of the peace talks between the two countries which resumed last month after a nearly four-year break. (Photo credit should read AFP via Getty Images)

في الحلقة 14، عرض الكاتب رونين بيرغمان كيف تمكن "الموساد" من إنهاء برنامج العلماء الالمان في مصر، بالتهديد والإبتزاز وغيرهما من الأساليب الملتوية، فكان أن غادر معظم الخبراء الألمان مصر، ما أدى إلى شل البرنامج الصاروخي المصري بالكامل في عهد جمال عبد الناصر.

في كتابه “انهض واقتل اولا، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية”، يروي الكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان بعض فصول الإصلاحات التي نفذها رئيس “الموساد” “مائير اميت” في الجهاز، وبينها  زيادة عدد الخبراء وادخال المعدات التكنولوجية في عمل الجهاز، بالاضافة الى تقوية العلاقات الاستخبارية مع العديد من وكالات الاستخبارات في العالم.

اراد “مائير اميت” انشاء قسم عمليات خاص في “الموساد” يضم تحت مظلته كل الوحدات الاستخبارية التي لها علاقة بعمليات التخريب والقتل المتعمد والاغتيال والتجسس على الدول العربية. لفعل ذلك، كان عليه أن يقوم بما حاول سلفه “ايسر هاريل” ان يفعله لسنوات، وكان هو (أي “اميت”) يرفضه، اذ نقل “الوحدة 188” (المسؤولة عن مثل هذه العمليات الخارجية) من جهاز الاستخبارات العسكرية “امان” الى “الموساد” ودمجها مع وحدة “مفراتز” للاغتيال بقيادة “اسحاق شامير” وعين على رأسها “جوزيف ياريف” فيما عين “شامير” نائبا له، واطلق على هذه الوحدة اسم “قيصرية” تيمنا باسم مدينة ساحلية على شاطيء المتوسط (هي العاصمة الادارية لفلسطين في ايام الامبراطورية الرومانية، وكانت تقع جنوب مدينة حيفا وتبعد عن القدس 88 كلم وقد دمرت في العام 640 ميلادية على ايدي المسلمين خلال حربهم مع البيزنطيين، وتقول الرواية التوراتية ان سقوط المدينة تم بخيانة ارتكبها احد قادتها عبر ادخاله وحدات من جيوش المسلمين اليها سرا)، واطلق على عمليات هذا القسم اسم “السيناتورات”.

اراد “اميت” ان ينشىء قسما استخباريا خاصا به، فاخذ وحدة “العصافير” التي كانت تعمل بشكل مشترك بين جهاز “الموساد” والاستخبارات الداخلية “شين بيت” في الوقت نفسه، وكلفها بالعمل فقط لـ”الموساد” خارج “اسرائيل” وانشأ من عناصر هذه الوحدة قوة صغيرة اسماها “كولوسوس” (اسم لتمثال عملاق في التاريخ الاغريقي القديم دمر بزلزال في العام 226 قبل الميلاد).

فر طيار عسكري عراقي يدعى “منير ردفة” الى “اسرائيل” على متن طائرة من طراز “ميغ 21” كانت في ذلك الزمن من احدث الطائرات الحربية السوفياتية والاكثر تهديدا للقدرات العسكرية “الاسرائيلية”، وقد اثارت هذه العملية شهية وزارة الدفاع الامريكية لفك شيفرة عمل هذه الطائرة فما كان من “اميت” الا ان ارسل الطائرة وطيارها المدرب جيدا هدية لواشنطن

تمكن جهاز “الموساد” بقيادة “مائير أميت” من جمع كمية هائلة من المعلومات عن الدول العربية واجهزة استخباراتها، وابرز الانجازات التي حققها بعد التغييرات البيروقراطية التي اجراها كان عملية اطلق عليها اسم “الجوهرة” التي كانت عبارة عن تجنيد طيار عسكري عراقي يدعى “منير ردفة” الذي فر الى “اسرائيل” على متن طائرة من طراز “ميغ 21” كانت في ذلك الزمن من احدث الطائرات الحربية السوفياتية والاكثر تهديدا للقدرات العسكرية “الاسرائيلية”، وقد اثارت هذه العملية شهية وزارة الدفاع الامريكية لفك شيفرة عمل هذه الطائرة فما كان من “اميت” الا ان ارسل الطائرة وطيارها المدرب جيدا هدية لواشنطن.

ويقول الكاتب لقد تمكن “اميت” ايضا بعد التغييرات التي اجراها من اقامة علاقة استخبارية مع المغرب التي وبرغم علاقتها الوطيدة بالدول العربية المعادية لاسرائيل، فانها كانت تحت قيادة سياسية معتدلة يقودها الملك الحسن الثاني الموالي للغرب وليس لها حدود مع دولة “اسرائيل”. وبموجب هذه العلاقات حصل المغرب على معلومات استخبارية هامة بالاضافة الى مساعدات تكنولوجية “اسرائيلية” مقابل السماح ليهود المغرب بالهجرة الى “اسرائيل” وانشاء مكتب اتصالات لـ”الموساد” في “الرباط” كان يسهل لها عمليات التجسس على الدول العربية كلها. وبلغت ذروة هذا التعاون مع المغرب في أيلول/سبتمبر من العام 1965 عندما سمح الملك الحسن الثاني لفريق عمل من “الموساد” بقيادة “زفي مالخين” و”رافي ايتان” بزرع اجهزة تنصت في جميع الغرف والاجنحة الخاصة بزعماء الدول العربية وقادتهم العسكريين خلال اجتماع القمة العربية في مدينة “الدار البيضاء”، وكان هدف هذه القمة مناقشة كيفية اقامة قيادة عسكرية عربية مشتركة في اي حرب مقبلة مع “اسرائيل”. وقد وفرت عملية التنصت معلومات إستخبارية غير مسبوقة بشأن الاسرار العسكرية والاستخبارية العربية. وقد قال قادة الجيوش العربية في تلك القمة ان جيوشهم ليست جاهزة لخوض حرب جديدة مع “اسرائيل” وقد اسهمت هذه المعلومات بان يتجرأ رئيس الحكومة “الاسرائيلية” “ليفي اشكول” على شن حرب واسعة النطاق على الدول العربية المجاورة بعد عامين من تلك القمة (حرب العام 1967). ان المعلومات الاستخبارية التي تم جمعها في تلك القمة العربية ساهمت بشكل كبير في خوض الجيش “الاسرائيلي” حرب العام 1967، بحسب ما يقول رونين بيرغمان.

بعد هذا الانجاز الاستخباري الكبير، بدأت الكوارث الاستخبارية تتوالى واحدة تلو الاخرى على “اميت”، يقول الكاتب. اولى هذه الكوارث هي قصة عميل وحدة “قيصرية” المدعو “ايلي كوهين” الذي عاش في سوريا تحت قصة غطاء تقول ان اسمه “كمال امين تابت” وهو تاجر ثري جدا عاد من مهجره في العاصمة الارجنتينية بيونس ايرس ليعيش في وطنه سوريا بعد سنوات طويلة في الغربة، وتحت هذا الغطاء تمكن “كوهين” من خرق دوائر السلطة العليا في سوريا، وزوّد “الموساد” بكمية كبيرة من المعلومات التي كان من ضمنها تحديد موقع الخبير النازي “الويس برونر” الذي ارسلت له وكالة “الموساد” رسالة مفخخة.

ثقته المبالغ بها بالقصة ـ الغطاء التي كان يعتمدها في وجوده في سوريا جعلت كوهين يبث الرسائل الى مشغليه بصورة يومية مستخدما الة تلغراف مخبأة في شقته في دمشق، وتضمنت تقاريره معلومات عن المنشآت العسكرية السورية السرية والخطة السورية لوضع اليد على مصادر المياه في المنطقة بمساعدة من شركة تعهدات سعودية

ويضيف الكاتب ان مهمة كوهين بشكل اساسي كانت ان يكون “عميلا نائما” يجمع المعلومات ويرسلها الى “تل ابيب” وان لا يصبح عميلا مكشوفا الا في حالة واحدة: ان تتناهى اليه معلومات عن اية تحضيرات تقوم بها سوريا لشن حرب مفاجئة على “اسرائيل”. غير انه وتحت ضغط مشغليه وثقته المبالغ بها بالقصة ـ الغطاء التي كان يعتمدها في وجوده في سوريا جعلته يبث الرسائل الى مشغليه بصورة يومية مستخدما الة تلغراف مخبأة في شقته في دمشق، وتضمنت تقاريره معلومات عن المنشآت العسكرية السورية السرية والخطة السورية لوضع اليد على مصادر المياه في المنطقة بمساعدة من شركة تعهدات سعودية يملكها محمد بن لادن (والد اسامة بن لادن)، وعلاقات سوريا مع الاتحاد السوفياتي والنازيين المختبئين في سوريا وصراع القوى داخل البلاد وصولا الى النميمة بين اعضاء البرلمان السوري. لقد كان ارسال كل هذه الرسائل بوتيرة كثيفة خطأ مهنيا في عالم الاستخبارات، ليس من قبل “كوهين” نفسه فقط بل من قبل مشغليه ايضا.

وينقل الكاتب رونين بيرغمان عن احد مدربي “كوهين” في عالم الاستخبارات “موتي كفير” الآتي: “عاش كوهين حياته يسير مع الحائط، وعندما تسير مع الحائط تظن في بعض الاحيان بان احدا لا يراك، ولكنه كان مخطئا لانه كان قد اصبح شخصية مرموقة في المجتمع السوري وكنت خلال تدريبه قد حذرته مرارا بان يتجنب الحياة الصاخبة خلال عمله ولكن ما فعله كان عكس ذلك تماما”. ويضيف “كفير”: “عندما أنجزت الرسالة المفخخة للخبير النازي “الويس برونر” في سوريا، ابدى كوهين خلال احاديثه مع كبار المسؤولين السوريين اهتماما زائدا بالنازيين الموجودين في سوريا، ناهيك عن حقيقة انه كان يعيش وضعا غير عادي كونه مغترب من دون عمل يقيم الحفلات لعلية القوم ويقدم لضيوفه واصدقائه كل انواع الترفيه العالية الكلفة. كل ذلك اثار حفيظة وشكوك اجهزة الاستخبارات السورية التي عادت لتتعقب كل القصة ـ الغطاء لحياته في المهجر وعودته الى سوريا”.

كان “كوهين” في 24 كانون الثاني/يناير 1965 يبث احدى رسائله على التلغراف في الوقت نفسه الذي كانت تبث رسائل من مقر قيادة الاركان العسكرية السورية الواقع قبالة شقته الفخمة في دمشق، فاحتار السوريون بامر هذا البث المتقاطع مع ارسالهم، وطلبوا من جهاز الاستخبارات السوفياتية مساعدتهم فارسل السوفيات سيارة مجهزة بمعدات تعقب للارسالات اللاسلكية، وقد استطاعت هذه السيارة ان تحدد موقع جهاز الارسال في شقة “كوهين”، فجرى اعتقاله وتعذيبه بوحشية وتمت محاكمته بسرعة وحكم عليه بالاعدام ونفذ الحكم في احدى ساحات دمشق في ايار/مايو عام 1965 وابقي جسده معلقا في الساحة وعلى صدره ورقة تحمل حكم الاعدام الصادر بحقه في رسالة واضحة لـ”دولة اسرائيل”.

“جوزيف ياريف” يأمر جواسيسه الاخرين في “قيصرية” بالعودة الى “إسرائيل” على الرغم من ان تدريبهم وبناء قصص ـ غطاء حياتهم كلف جهداً كبيرا على مدى سنوات، لقد بلغ الامر بهذه الوحدة تقريبا حد الدمار

وينقل بيرغمان عن “جيداليا خلف” الضابط “الاسرائيلي” الذي جند “كوهين” ودربه وكان مسؤولا عن تشغيله في مهمته السورية قوله “لقد نظرت اليه على شاشة التلفزيون السوري، نظرت الى صنيعتي ايلي، فرأيت على وجهه اثار التعذيب الشيطاني الذي تعرض له فلم اعرف ماذا افعل بنفسي، اردت ان اصرخ او ان افعل شيئا ما كأن اخذ مسدسي واقتحم سجن المزة الذي كان محتجزا فيه، اردت ان اضرب رأسي بالحائط حتى اكسره اردت ان افعل اي شيء، لقد قتلوه ولم نستطع فعل شيء سوى ان نقف ونشاهد عملية قتله”. ويشير احد تقارير “الموساد” إلى ان “كوهين” تعرض لتعذيب وحشية تضمن اقتلاع اظافره واحدا تلو الاخر ومن ثم الى كهربة خصيتيه قبل تحطيمهما وذلك قبل ان يكشف كل شيفرة الاتصالات السرية التي كان يعمل بها مع مشغليه في “تل ابيب” كما فك شيفرة مئتي رسالة كان السوريون قد حصلوا عليها سابقا ولم يستطيعوا فكها واخبر المحققين كل ما يعرفه عن كيفية حصول عمليات التجنيد في “الموساد” وعن اساليب التدريب وعن طرق بناء القصص ـ الغطاء للعملاء.

وبعد وقت قصير من الامساك بـ”كوهين” اصيبت وحدة “قيصرية” بكارثة اخرى، فقد انكشف العميل “وولفغانغ لوتز” الذي اخترق مجتمع علية القوم في القاهرة وكان العنصر الرئيس في جمع المعلومات الهادفة الى قتل العلماء الالمان في مصر، وقد وقع في قبضة المخابرات المصرية في العاشر من شباط/فبراير 1965 بعد نشاطه الاستخباري الزائد وثقته المبالغ بها بالقصة ـ الغطاء التي كان يعتمدها لوجوده في مصر بالاضافة الى اخطاء اخرى ارتكبها هو ومن كان يتولى تشغيله في “تل ابيب”. وقد كان الشيء الوحيد الذي انقذ “لوتز” من مواجهة المصير نفسه الذي واجهه “كوهين” هو التدخل المباشر لجهاز الاستخبارات الالماني الغربي “BND” الذي تدخل بطلب من “اسرائيل” واخبر المصريين ان “لوتز” كان عميلاً مزدوجا لـ”الموساد” والمخابرات الالمانية في الوقت نفسه، ما انقذ حياته ولكن حكم عليه وعلى زوجته “والترود” بالسجن المؤبد مدى الحياة ليتم اطلاق سراحهما بعملية تبادل للاسرى بعد حرب حزيران/يونيو عام 1967.

وقد كانت تلك ايضا ضربة قاسية لـ”الموساد”، يقول رونين بيرغمان، ما حدا بقائد وحدة “قيصرية” “جوزيف ياريف” إلى ان يأمر جواسيسه الاخرين بالعودة الى “إسرائيل” على الرغم من ان تدريبهم وبناء قصص ـ غطاء حياتهم كلف جهداً كبيرا على مدى سنوات، لقد بلغ الامر بهذه الوحدة تقريبا حد الدمار.

 

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course