مدارس لبنان الرسمية.. لا أونلاين ولا من يعلّمون

منذ آذار/مارس 2020، بات طلاب لبنان خارج المدارس والجامعات، بسبب جائحة كورونا. منذ ذلك الوقت، لجأت المؤسسات إلى التعليم عن بعد، باستعمال منصات تعليمية أحيانًا أو تطبيقات لا دخل لها لا من قريب ولا من بعيد بالتعليم مثل الواتساب، فما الذي جرى ويجري؟ هذه محاولة للتوصيف والتقويم للوضع التعليمي في المؤسسات الرسمية في لبنان.

كانت تجربة التعامل مع جائحة كورونا في المؤسسات التربوية مفاجئة للجميع، لدرجة أنّ وزارة التربية لم تعرف ماذا يجب أن تفعل في الستة عشر يوماً الأولى، فلم تٌعلن عن إستئناف التعليم “عن بعد”، إلا ابتداءً من 16 آذار/مارس 2020 وعبر ما تيسّر من تطبيقات من دون تحديدها، وهذا لا يعود أبدًا إلى رغبة الوزارة في تيسير أمور الأساتذة والطلاب بل لعدم وجود طريقة متعارف عليها لإدارة هذه العملية المستجدة وغير المسبوقة.

انطلقت عملية التعليم عن بعد بما تيسّر. قام أساتذة بإنشاء مجموعات للطلاب على الواتساب، وقام البعض الآخر بإرسال النصوص والمقاطع الصوتية على أنها تعليم عن بعد، ومنهم من أنتج مقاطع مصورة بطريقة بدائية ولكنها ساعدت بعض الشيء في إيصال الفكرة. قلة منهم كانت جاهزة للتعامل مع التكنولوجيا، فقررت التحوّل نحو المنصات شبه المجانية التي تتيح التفاعل عن بعد وأشهرها خلال هذه الجائحة Zoom وgoogle meet وفي ما بعد أشركت وزارة التربية الأساتذة في منصة Teams الخاصة بالأعمال لا التعليم من أجل زيادة التفاعل ولقاء التلامذة عبر حلقات مباشرة. طبعًا لم يكن هناك من تقييم لهذه العملية عند نهاية العام الدراسي، أنجحت أم فشلت؟ ولكن نستطيع القول إنّه بحسب نتائج امتحانات الدخول لبعض كلّيات الجامعة اللبنانية، فإن العملية كانت عبارة عن فشل مركب: لا المتعلّم جاهز ولا المعلم مجهز ومدرب لهكذا نوع من التعلّم عن بعد، بالإضافة إلى ضعف إن لم يكن غياب البنية التحتية المطلوبة للقيام بهذه العمليّة (إنترنت سريع، تغذية كهربائية 24/24، أجهزة إلكترونية مناسبة)، تخيّل مثلًا أنّك كأستاذ في ثانوية رسمية تحاول برمجة حصصك التعليمية للتلاميذ بعيدًا عن ساعات تقنين الكهرباء في المنطقة التي تقطن فيها!

تكافؤ الفرص؟

لأنّ كل شيء في لبنان يخضع لقاعدة ردة الفعل، لا التخطيط المسبق والمدروس، لم يعرف الطلاب والأساتذة ما هو المطلوب منهم وإلى أين يذهبون في نهاية المطاف. ترك الكثير من الطلاب الصفوف الإفتراضية المتعثرة أصلًا وأصبح الأستاذ في كثير من الأحيان يعلّم عددًا قليلًا جدًا من الطلاب بنسب لا تتجاوز في بعض الأحيان الـ 5% من العدد الفعلي.

على أعتاب انطلاقة العام الدراسي الجديد، لا جدية في تنفيذ خطة وزارة التربية من قبل الوزارة نفسها، إذ أنها تدفع نحو تأجيل يلحقه تأجيل كي تفرض التعليم عن بعد واقعًا على المتعلمين والمعلمين في لبنان، وهذا ما يجعل أصحاب القضية في حيرة من أمرهم؛ هل يجب الضغط من أجل العودة إلى المدرسة الرسمية، عندما يكون خطر بقاء الأولاد في بيوتهم يكاد لا يُقاس بخطر الوباء؟

بالإضافة لما سبق، بقيت المنصات التعليمية تستهلك كميات ضخمة من سعات الانترنت المنزلية لدى الأساتذة والطلاب، ما زاد من قساوة الضربة التي تلقتها العملية التعليمية وجعلتها غير متكافئة أبدًا، فالعائلة المقتدرة قادرة على تأمين انترنت بنوعية وسرعة جيدين، وربما أيضًا توفير جهاز محترم لكلّ واحد من أفراد الأسرة، أمّا في العائلة ذات الدخل المحدود أو الفقيرة، فكانت القصص مأساوية بحق. أن يضطر ابن أو ابنة هذه العائلة الى تلقي الدروس عبر هاتف أحد الوالدين بالحدود الدنيا لسعة الانترنت، فهذا يضرب عرض الحائط أساس تكافؤ نوعية وجودة التعليم بين الفقير والغني، والشواهد على ذلك كثيرة.

وزارة التربية.. عن بعد

وعلى أعتاب انطلاقة العام الدراسي الجديد، لا جدية في تنفيذ خطة وزارة التربية من قبل الوزارة نفسها، إذ أنها تدفع نحو تأجيل يلحقه تأجيل كي تفرض التعليم عن بعد واقعًا على المتعلمين والمعلمين في لبنان، وهذا ما يجعل أصحاب القضية في حيرة من أمرهم؛ هل يجب الضغط من أجل العودة إلى المدرسة الرسمية، عندما يكون خطر بقاء الأولاد في بيوتهم يكاد لا يُقاس بخطر الوباء، وخاصة مع عدم جدوى التعلّم عن بعد سواء من ناحية المردود التعليمي أو من ناحية البنية التحية المفقودة، وبالتالي يصبح السؤال من يُدخل لبنان في عتمة الجهل حيث سيكون الوضع الاقتصادي مزحة لطيفة إذا ما قورن بما ينتظرنا من آفات متأتيّة عن البقاء في البيوت؟

حتى الآن، لم تجب لا وزارة التربية ولا باقي المعنيين على الكثير من الأسئلة التي تخطر على بال الأهالي والعاملين في القطاع التعليمي، ومنها على سبيل المثال:

  1. كيف يمكنك أن تُجلس أطفالًا في الصفوف الأساسية الأولى أمام شاشات صماء ليتعلموا من خلالها؟
  2. ماذا يفعل الأهالي العاملون بأطفالهم الملتزمين بالبيوت؟ كيف يمارسون أعمالهم وفي الوقت نفسه يساعدون الأطفال في الدراسة عن بعد؟
  3. من يدفع ثمن الانترنت السريع في بيوت المتعلّمين والمعلّمين؟
  4. هل الأجهزة الإلكترونية المناسبة للتعليم متوفرة حقًا بين أيدي المحتاجين إليها وما هي خطة الوزارة لدعم عدم القادرين على تأمينها؟
  5. هل يوجد قانون في لبنان يرعى التعليم عن بعد، وهل يمكن إجراء تقويمٍ نيابي ـ ولو عن بعد ـ لهذه التجربة وما شابها وكيف يمكن الإستدراك مستقبلًا حتى لا يتكرر ما نواجهه اليوم؟

خلاصة

التعليم ضروري وتسعى الدول المتقدمة إلى جعله متعة كاملة وليس عقابًا وصولاً إلى أن يكون المتعلم فاعلاً ومنتجاً في مجتمعه وتتوفر له المعرفة والمهارات الضرورية لمواجهة الحياة بكل تعقيداتها. المدارس لم تكن قط عقابًا كما يحب أن يراها بعض الأهالي ومعظم التلامذة، بل هي بمعنى من المعاني منارة من منارات العدالة الاجتماعية قامت بإزالة الفوارق الطبقية بين الناس وأتاحت التعليم للجميع.

لا تهدف الدعوة إلى إعادة فتح المدارس إلى تشريع الموت من خلال الإستهتار بحياة الطلاب وأساتذتهم. ثمة إجراءات لا بد من إتخاذها لمواجهة إنتشار جائحة كورونا، قبل فتح المدارس وبينها أن تكون هناك رقابة مشددة على جميع المؤسسات التربوية، وعدم التساهل مع أي محاولات للإخلال بالنظام العام، ومنه نظام التقيد بإجراءات مكافحة الوباء التاجي.. للبحث تتمة.

فؤاد إبراهيم بزي

مدرب في مختبرات الكيمياء في الجامعة اللبنانية في بيروت

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free