عوْدٌ على بَدْء.. كلّن يعني كلّن! (1)

في الشتاء المنصرم، أعادت منصّات التواصل الاجتماعي الترويج لرقصة "حاملي النعوش" الغانيّة، عبر مقطع فيديو صادم أثار أصداءً مدوّية. يُظهِر هذا الفيديو، بضعة شبّان ببزّاتهم السوداء وقبّعاتهم البيضاء وأحذيتهم البيضاء والسوداء ونظّاراتهم السوداء، وهم يحملون نعشاً ويراقصونه بطريقةٍ بمنتهى الغرابة. وهُم لا يكتفون بهزّ النعش، فحسب. بل، وعلى وقْع الأنغام المعدنيّة لأغنية "astronomia"، يبدؤون استعراضهم. فيقذفون قبّعاتهم في العالي ويسقطون على الأرض ويدورون ويتلوّون، حتى أنّهم يرمون النعش في الهواء كوداعٍ أخير للميت بأسلوبٍ يحضّره، باعتقادهم، للحياة الأخرى.

في الحقيقة، لم أجد توطئةً لمقالتي في الذكرى السنويّة الأولى للانتفاضة الشعبيّة اللبنانيّة، أفضل من هذه اللوحة الراقصة مع الموت. فقد تكون مشهديّة الجنازة الغانيّة، خلاصة مكثّفة للواقع الذي آلت إليه أمور لبنان. واقع، يشي بأنّنا على أهبة الولوج في نفق النهايات المتتالية. وبأنّنا في حضرة الموت وضيافته. فتشبيه حالنا برقصة “حاملي النعوش”، ربّما يُسعف المتكلّم لاختصار الكلام، في التوصيف والتحليل ومحاولة التفسير لما نحن فيه. وأيضاً، محاولة فَهْم ما تفعله بنا تلك الطبقة السياسيّة فائقة اللامسؤوليّة واللاشعور واللاأخلاق. طبقة منقطعة النظير في تاريخ الأمم، بات الحديث عنها مبتذلاً. واختراع توصيفاتٍ لها، يثير الاشمئزاز والملل، لكثرة ما أعدنا وقلنا وكرّرنا في هجائها.

منذ الأمس، يتمّ التداول على المنصّات الاتصاليّة باقتراحٍ (مجهول المصدر) يتوجّه بالنصيحة إلى قاموس Petit Robert والأكاديميّة الفرنسيّة، لإدخال تعبيرٍ جديد صُنِع في لبنان: “Le libanicide”. والترجمة المُرفقة بهذا التعبير تشرح: “هو جريمة نحْر بطيء وتدريجي مع سبْق الإصرار للشعب اللبناني، على يد مجمل حكّامه، تُرتكب بطيْشٍ مفرِط وبشيءٍ من لذّةٍ ساديّة”. وعندما نقول حُكّامه، نقصد، بشكلٍ خاص، ستّة جهابذة اختصروا بشخوصهم الكريمة كلّ الطبقة السياسيّة التي تتحكّم (معظمها؟)، أبّاً عن جدّ، بلبنان. أي، أولئك الذين لم يسأل اللبنانيّون أنفسهم، مرّةً لكلّ المرّات، عن أسباب مثولهم الدائم أمامهم، على تعاقُب العهود والدورات النيابيّة والمجالس الوزاريّة!

فهؤلاء الذين أفرزتهم طوائفهم وعشائرهم وقبائلهم وشجراتهم العائليّة كي “يتدبّروا” شؤون السياسة والإدارة والرعيّة، اعتقدوا أنّ بؤس الشعب هو ضمانة الأمن والسلام لكي يحكموا (أي على نقيض ما أكّده الفيلسوف الإنكليزي المستنير توماس مور). لهذا عملوا وجهدوا واستماتوا، لإدامة هذا البؤس في مجتمعنا وحياتنا. ونسأل والحال هذه، هل من شيء يشبه رقصة “حاملي النعوش” أكثر من “رقّاصي” السلطة اللبنانيّة؟ حتى أنّ مؤسّس الفرقة المذكورة بنيامين إيدو، أكد مؤخّراً رغبة فرقته بزيارة لبنان، حيث باتت تحظى الرقصة بشعبيّة واسعة. فقال لأحد المواقع الإخباريّة العربيّة ممازحاً: “سنأتي ونرقص مع السياسيّين الفاسدين لديكم”. يا إلهي! وصلت أخبارنا ورائحة سمعتنا السيئة إلى آخر أقاصي الدنيا! أمّا المعنيّون بهذه الشتيمة، أي مَن وُلّوا على حكم لبنان، فيعيشون في كانتوناتهم المعزولة في حال انفصامٍ تام عن الواقع. كانتونات، تلمّ شمل مومياءات الطوائف وديناصورات النظام. أولئك الذين دمّروا البلاد بالأمس في سلسلة حروبٍ أهليّة متنقلة. وها هم اليوم يحوّلونها “إلى أرض محروقة”، بحسب ما كتبت صحيفة “فايننشال تايمز”. أرض محروقة لدولة مفلسة، قوانينها معلّقة، أكثر من نصف شعبها تحت خط الفقر، غالبيّة مواطنيها يستعدّون للمجاعة واستفحال الأمراض، ومصارفها بدّدت جنى أعمار الناس وافتتحت، منذ أيام، حفلة نصْبٍ جديدة. هل عرف العالم، يا أصدقاء، دولةً مثل دولتنا تسرق شعبها “عيْنك بعيْنك”؟

عجباً! أين هم اللبنانيّون الذين قضّ رنين حناجرهم، ذات تشرين، مضاجع القَتَلة؟ أين هي القبضات التي ارتفعت واعدةً بمحاسبة الحكّام ومحاكمتهم؟ أين هي قبضة الثورة التي فقأت عيوناً كثيرة؟ هل انتهت الثورة؟

نعرف، أنّ الأرواح تتمرّد والكرامات تنتفض على أمورٍ أتفه بكثير ممّا نشهده في هذا البلد في القرن الواحد والعشرين. عجباً! أين هم اللبنانيّون الذين قضّ رنين حناجرهم، ذات تشرين، مضاجع القَتَلة؟ أين هي القبضات التي ارتفعت واعدةً بمحاسبة الحكّام ومحاكمتهم؟ أين هي قبضة الثورة التي فقأت عيوناً كثيرة؟ هل انتهت الثورة؟ ولكن، هل ما انطلق في مثل هذا اليوم قبل سنة تماماً .. كان ثورة؟

ماذا حصل في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019؟

عشيّة 17 تشرين/أكتوبر، كان اللبنانيّون كالأيتام على موائد اللئام. لا سقف يحميهم ولا هويّة واضحة لهم. هم بحاجة ماسّة إلى معنى لحياتهم. فحكّامهم يتعثّرون في خلافاتٍ عبثيّة حول كيفيّة نهب مرافق البلاد وتدمير مؤسّسات الدولة كُرمى لخاطر عائلاتهم وأولادهم. حكّام يتقبّلون أي تسوية، مهما كان ثمنها، لقاء بقائهم في جنّة الحُكم. لدرجةٍ بتنا نتساءل لدى رؤيتنا السحنات المقيتة لأهل السلطة، عمّا إذا كان هؤلاء قد أنجبتهم أمّهاتهم هكذا بلا أخلاق، أم إنّ لحظاتٍ معيّنة في تاريخنا جعلتهم يتخلّون عن هذه الأخلاق، ويتحوّلون إلى جلاميد لا أحاسيس لهم أو قلوب؟ يجوز الوجهان.

استفقنا في ذاك الخميس من أكتوبر، لا نلوي على أمل. ضيق ويأس وانسداد أفق وتفشٍّ مضطرد للمشاكل والمآسي والأزمات. أزمات على مدّ النظر، تنشأ من أيّ شيء ومن لا شيء ومن أجل لا شيء. وتتأبّد عبر أداءٍ مهترئ للسلطة في الإدارات والمرافق والمؤسّسات. كلّ شيء يوحي بالتفاهة والعجز المستفحليْن في أروقة الدولة. آخر الغيث (أي قبل عام)، كان عجزاً موصوفاً للحكومة اللبنانيّة في نشر معدّاتٍ لمكافحة حوالى مئة حريق التهمت الغابات في بعض المناطق الجبليّة. ولولا العطف الربّاني ببعث المطر (المفاجئ)، والمساعدات التي تصدّقت بها علينا قبرص و‌الأردن و‌تركيا و‌اليونان، لكانت نيران الجحيم ابتلعتنا، من دون رحمة.

في هذه الأجواء، وُجِّهت الدعوة من قبل بعض الناشطين المدنيّين للتجمّع في وسط بيروت عند الساعة السابعة من مساء ذاك الخميس، للاحتجاج على ضرائب جديدة مقترحة من حكومة سعد الحريري. ضرائب تنبت كالعشب على المياه الآسنة، ولا يعرف اللبنانيّون أين توظّف وكيف توظّف وفي أيّ جيوبٍ تصبّ، في نهاية المطاف، ومنها الضريبة المقترحة على تطبيق الـ WhatsApp (6 $ شهريّاً) والتي كانت الشرارة التي أطلقت الغضبة الاحتجاجيّة. إذْ لم يكفِ سلطتنا اللبنانيّة أن تنهب الماليْن العامّ والخاصّ، بل دفعها جموحها، أيضاً، إلى مدّ يدها إلى جعبة المجّان الخالية!

لم يكن في نيّتي المشاركة في هذه التظاهرة. فلقد نزعتُ هكذا “أفكار” من رأسي، منذ نهاية الحرب. ولم أنزل إلى الشارع، إلاّ دعماً للجامعة اللبنانيّة المنكوبة. تسمّرتُ، في تلك الليلة، أمام شاشة التلفزيون لمتابعة أخبار النشرة المسائيّة. لحظات، وسرى خبر الزيادات الضريبيّة للحكومة كالنار في الهشيم. بدأ البثّ المباشر من على جسر الرينغ، ومعه بوشر تحرّك الجمْع الذي كان أصلاً في وسط بيروت. صارت الناس تتقاطر من كلّ حدبٍ وصوب إلى الشارع. كانوا يركنون سياراتهم أينما كان، ويترجّلون لملاقاة المحتجّين. بدأ قطع الطرقات في أكثر من منطقة. دقائق، ويمرّ موكب أحد الوزراء بالقرب من منطقة التجمّع. اعترضه المتظاهرون. فإذا بأحد الحرّاس الشخصيّين لهذا الوزير العتيد يطلق الرصاص في الهواء. “تريدون قتلنااااا؟!”، صرخت بيروت، فتردّد الصدى في كلّ مناطق لبنان. وككرة الثلج بدأت التظاهرات تتدفّق وتتضخّم وتنتشر في كلّ مكان، كتلةً من غضبٍ ونار. إنّه شيء يشبه الانفجار. إنّه الانفجار الشعبي بعينه. اختلفت الآراء، لاحقاً، حول ماهيّة هذا الانفجار وكيفيّة تسميته. أي، أكان حراكاً أو انتفاضةً أو ثورة أو ماذا؟

مهما كانت تسمية ما حصل في 17 أكتوبر، لكن يبقى الأهمّ، أنّ ما جرى كان ظاهرة نادرة وبديعة قلّ نظيرها في تاريخ بلدنا الحديث والمعاصر. كان مشهداً أرعب سلطة الأمر الواقع، بما فيها ومَن فيها

مهما كانت تسمية ما حصل في 17 أكتوبر، لكن يبقى الأهمّ، أنّ ما جرى كان ظاهرة نادرة وبديعة قلّ نظيرها في تاريخ بلدنا الحديث والمعاصر. كان مشهداً أرعب سلطة الأمر الواقع، بما فيها ومَن فيها. فهي، وبحسّ القلق الذي يستشعره “مغتصِب السلطة”، استشرفت، ومنذ اليوم الأوّل، أنّ ساعتها قد دقّت. فلقد أدركت عُصبة الـ6، على الفور، خطورة ما يمكن أن يصنعه الناس المظلومون والمقهورون والمُهانون في لحظة انفجارٍ كهذه! فحكّامنا، يعرفون جيّداً أنّ هكذا انفجارات تتطوّر، غالباً، إلى انقلاباتٍ جارفة تطيح بكلّ ما يعترضها. تطيح بالأوطان والمجتمعات والتقاليد والأعراف والحياة الإنسانيّة برمّتها. ولأنّهم عرفوا أنّها ثورة تقرع أبوابهم، خافوا وانكفؤوا واختبؤوا في مقرّاتهم لأيّامٍ طويلة، قبل أن يبدؤوا بإعداد العدّة للتصدّي وإجهاض جنين الثورة (لنا عودة إلى هذه النقطة).

ما الذي أعطى احتجاجات 17 تشرين أهمّيتها؟

عبّرت الهبّة الشعبيّة التشرينيّة عن حيويّة فائقة للمجتمع اللبناني. وقد ميّزتها أكثر من خاصيّة:

الأولى، أنّها كانت انتفاضة مفاجئة على عكس الحراكات والاحتجاجات الشعبيّة السابقة (وتحديداً ما بين 2011 و2015) والتي كانت تحرّكها دعوات من منظِّميها؛

الثانية، سرعة انتشار شرارة الانفجار الشعبي، بحيث بدا وكأنّ يداً امتدّت وأشعلت فتيلاً صاعقاً ليعبر المناطق كافةً، ما يطرح التساؤل: هل هو الغضب العظيم الذي كان يعتمل في النفوس وكان ينتظر مجرّد شرارة صغيرة ليتفجّر وتمتدّ ألسنة نيرانه في كلّ الاتجاهات؟ وكم ساهمت التغطية الإعلاميّة الكثيفة منذ اللحظات الأولى في تحفيز “الغضب الكامن” في القلوب وتعميمه على امتداد الخارطة اللبنانيّة؟ هل كان هناك “خلايا نائمة” أو “مجموعات منظّمة” جاهزة لتلقُّف هذا الغضب والبدء بالتحرّك؟

الخاصيّة الثالثة تمثّلت في نوعيّة التجمهر. إذْ ربّما كان أكثر ما يثير الانتباه في 17 أكتوبر، هو مدى شمول التحرّك لكافّة أطياف الشعب اللبناني على الرغم من شدّة الاستقطاب والانقسام فيه. فالمشاركة تجاوزت حدود الطبقة والطائفة والجيل والمنطقة والانتماء السياسي والبلد حتى (تظاهرات اللبنانيّين في بلدان المهجر). بحيث اندفعت كلّ الفئات والطبقات الاجتماعيّة والشرائح العمريّة اللبنانيّة إلى الساحات. وبدا لافتاً، أيضاً، احتشاد جماعاتٍ “متناقضة”، جنباً إلى جنب، عبرت من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، كما أنّ أنصار أحزاب السلطة لعبوا دوراً رئيسيّاً في الاحتجاجات (ولا سيّما في الأيام الأولى).

أمّا الخاصيّة الرابعة للانتفاضة، فكانت في الوقت الذي فرّغه اللبنانيّون لها. ففي الحراكات السابقة، كانت التجمّعات والتظاهرات تحصل في أوقاتٍ محدودة ومحدّدة (في الـ week-end، مثلاً، أو في تواريخ معيّنة متباعدة). بينما في هذه الانتفاضة، كان الحضور كثيفاً ومستمرّاً، وصل فيه المتظاهرون الليل بالنهار، واستوطنوا الساحات بيوتاً جماعيّة. شعروا أنّهم يستعيدون الأماكن العامّة (ولو رمزيّاً)، بخاصّة عندما تدفّق “أولاد المناطق” إلى شوارع وسط بيروت التي كانت ممنوعة عنهم.

“كلّن يعني كلّن” في لبنان هي نفسها “يتنحّاوْ قاع” في الجزائر و”شلّع قلّع” في العراق. تداخلت الأصوات في بعضها. كلامٌ كثير وأصواتٌ عالية ولافتاتٌ تزدحم بها الشوارع وعباراتٌ تكتظّ بها الجدران. إنّها ثورة كلّ القضايا في لحظةٍ غافلة من الجميع

كيف عبّرت الاحتجاجات عن نفسها؟

أعلنت الانتفاضة اللبنانيّة سريعاً عن هويّتها. إذْ كان واضحاً، ومنذ اليوم الأول، تداخل “ثورة 17 تشرين” مع الثورات العربيّة (ما سُمّي الربيع العربي)، والتقاء ناسها مع أشكال وأنماط مُجرَّبة لقول “لا”. فلا تخطئ العين، عند متابعة التظاهرات اللبنانيّة الحاشدة، بأنّها تأتي في نفس سياق تلك الثورات التي أسقطت بعضاً من الأنظمة الاستبداديّة. في حين، أجهضت بعض هذه الأنظمة، بالقوّة، ثورات جماهيرها، مفضِّلةً تحويلها إلى حروبٍ أهليّة، معلنة أو مستترة. ولهذا، حضرت فلسطين وسوريا ومصر وتونس والجزائر في شعارات المنتفضين، لتؤكّد أنّ المعاناة هي ذاتها، تقريباً. فـ”كلّن يعني كلّن” في لبنان هي نفسها “يتنحّاوْ قاع” في الجزائر و”شلّع قلّع” في العراق. تداخلت الأصوات في بعضها. كلامٌ كثير وأصواتٌ عالية ولافتاتٌ تزدحم بها الشوارع وعباراتٌ تكتظّ بها الجدران. إنّها ثورة كلّ القضايا في لحظةٍ غافلة من الجميع. لكن، عندما ضجّت شوارع بيروت بألحان بعض شعارات الثورة السوريّة، جنّ النظام بكلّ فروعه. اكتشفت تقارير صحفيّة وحزبيّة المؤامرة. المنتفضون يأخذون البلد إلى الحرب (وتلك ستكون الحجّة الأبرز لقمع الاحتجاجات كما سنرى). وبعد؟

منذ 17 أكتوبر 2019 واللبنانيّون يحفرون عميقاً في تاريخهم. يحفرون به في الصدور والذاكرة وطريقاً إلى الخلاص. شعارات. شعارات. تدين الطغمة الحاكمة وتدعو لإسقاطها، من أعلى هرمها إلى أخمص مسؤولٍ فيها. “كلّن يعني كلّن” تصدّر هذه الشعارات، وطيّر النوم من العيون. لقد أصاب أبناء النظام (خوفاً) وحاشياتهم (قلقاً). أولئك الذين أعدمتهم الثورة لفظيّاً، في يومها الأوّل. خرج الثائرون على الخصم، أي على النظام. وتأكيداً على هذا الخروج أو الاعتراض، نادوا وأكّدوا وكرّروا “كلّن يعني كلّن”. وفي لعبة الخروج تكون المعارك مفتوحة، عادةً. وتصبح الهتافات والشعارات بموضوعاتها، تعبيراً عن أسباب الخروج، أو فضحاً لخطاب الخصم. ها هم المحتجون يستخدمون كلّ ما قد ينفع في رفع خطابهم، وفي إخراجه إلى العلن. ماذا في أشكال الاحتجاجات؟

على مدى أيامٍ طويلة، لم يهدأ نبض الساحات، ولم تُبحّ الحناجر، وبقيت الأيدي متشابكة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال تحت راية العلم اللبناني، حصْراً. طغت السمة الكرنفاليّة على الاحتجاجات، فعبّر كلٌّ على طريقته وبحسب إمكانياته. منهم مَن اتّجه إلى الغناء، وآخرون إلى بيع منتوجاتهم، وغيرهم إلى الرسم على الجدران، فيما عبّر الفنانون والممثّلون على طريقتهم الخاصة، أيضاً. كنّا وكأنّنا في احتفاليّة مستمرّة. كلّ يومٍ له برنامجه من الأنشطة الجديدة والمتنوّعة. وعلى مدى أسابيع، رافقت “النزعة السلميّة” الاحتجاجات. امتشق المتظاهرون الفرح أسلوباً للتعبير عن وجعهم، ضحكاً ورقصاً وتصفيقاً. كأنّهم يقولون للعالم: نحن اللبنانيّين شعبٌ يحبّ الحياة، إذا ما استطاع إليه سبيلاً. مشاهد كثيرة لا يمكن اختصارها بسطور؛ من قرع الطناجر إلى مسيرة النساء في ساحة الشهداء إلى تقديم الورود للجيش اللبناني إلى السلسلة البشريّة و”النهفات” على الطرق. وكانت الميزة اللافتة، أيضاً وأيضاً، الخيم التي نصبتها المجموعات المشاركة في الاحتجاجات. يوميّاً، كان الثوار على موعدٍ مع حلقة نقاشٍ يختارون خيمتها إذا ما استهواهم الموضوع المطروح في فلك الثورة وحيثيّاتها.

مع الأيام، ارتفعت وتيرة الاحتجاجات. أصبح قطع الطرقات وسيلة ضغطٍ أساسيّة، سرعان ما استخدمتها بعضٌ من قوى السلطة التي سارعت لتركب عباب أمواج الثورة بحثاً عن “اللؤلؤ”. وبالتوازي كان الثوّار يغيرون، بين الحين والآخر، على المرافق العامّة والمؤسّسات وشركات الهاتف والكهرباء والأملاك البحريّة. وبدؤوا، في مرحلةٍ متقدّمة، التحرّكات أمام منازل الوزراء والنواب المتوارين عن الأنظار.

ماذا حقّقت الثورة؟ لماذا تراجعت وتيرة الاحتجاجات؟ وكيف انقضّت السلطة على الثورة.. لإجهاضها؟

(غداً الأحد الجزء الثاني والأخير)

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course