سعد الحريري.. التحدي الأعظم هو الجوع!

قبل سنة تماماً، غادر سعد الحريري مبنى السراي الفخم في قلب بيروت، التي رممها والده الراحل الرئيس الشهيد رفيق الحريري من ضمن خطة لإعادة إعمار العاصمة التي تحتل قلبها السراي: المقر الرسمي لرئيس الحكومة في لبنان.

على إمتداد السنة المنصرمة، لم تنفرج الأزمة السياسية والإقتصادية والمالية، ولم تستطع حكومة البديل حسان دياب أن تفرّج كربة الناس بل “طارت” أسعار الحاجيات وإفتُقدَت مواد غذائية عديدة وظلت مطلوبة بالضرورة لأن لا بد منها.

عصف الغلاء بالرواتب، وداهم وباء كورونا الناس في بيوتهم، فأصاب جميعهم، كباراً وصغاراً، وضاقت المستشفيات بالمرضى.

إنفجرت بيروت ومعها كل الوطن، بقنبلة المرفأ، فكان أن إتسعت لائحة المتضررين، بالقتل والجروح والتهجير والدمار والصدمة التي لم يشهد اللبنانيون مثيلاً لها منذ تاريخ نشأة الكيان.

نزلت الجماهير بالأمس مجدداً إلى الساحات، تهتف بحرقة وتنادي بمطالبها ولا مجيب.

***

ها هو سعد الحريري يهلُ على اللبنانيين مجدداً، بعد غياب لم يطل، ولم يظهر خلاله أي تغير او تغيير، لا في المعادلة الداخلية، ولا على المستوى العربي أو الدولي.. وأبرز ما قيل في هذه الفترة وبدا مفاجئاً، اقتراح رئيس المجلس النيابي بالذهاب إلى المفاوضات مع العدو الإسرائيلي، من أجل ترسيم الحدود البحرية، على وجه التحديد، بعدما تزايدت الضغوط الأميركية.. إلى حد المطالبة بأن يشارك مندوب أميركي في هذه المفاوضات.. وهذه سابقة سيكون لها ما بعدها، فقبول المطروح مكلف ورفضه سيكون بوجه الإدارة الأميركية في لحظة حرجة: فمعركة الرئاسة في واشنطن مفتوحة على المصراعين وليس ضرورياً أن تتطابق المطالب اللبنانية بتثبيت الحدود مع العدو الإسرائيلي مع الرغبات الأميركية في لحظة احتدام الصراع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومنافسه جو بايدن، وتأثير الصوت اليهودي على الإنتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية.

***

صحيح أن كتلة نواب “المستقبل” زارت المرجعيات، من قادة الكتل والوجاهات النيابية، لكن هذا أمر شكلي لن يؤثر على مسار التشكيل، ولن يمسح الصعوبة التي يستشعرها “الشيخ سعد” في أن يكون رئيساً للحكومة في لحظة الإحتدام السياسي وتفاقم الأزمة الإقتصادية ومعاناة جمهور اللبنانيين، لا سيما أرباب العائلات من ضيق ذات اليد مع الإرتفاع الفاحش في أسعار المواد التموينية والفاكهة والخضار وكلها منتجات من أرضنا، والإرتفاع الفاحش في سعر الدولار وهو الوجه الآخر لإنهيار الليرة.. وغرق المواطنين في جوعهم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

الرؤساء بخير، وكذلك الوزراء والنواب، السابقون منهم واللاحقون، لكن الأربعة ملايين من اللبنانيين، ومثلهم أكثر من مليون نازح سوري، سيعجزون عن تلبية احتياجات عائلاتهم من الطعام والسكن واللباس وأقساط المدارس والجامعات والطبابة إلخ..

***

هل لدى سعد الحريري مشروع خطة للنهوض الإقتصادي ومدخلها الطبيعي وقف التدهور ولجم المضاربة بالليرة على الدولار ومحاولة تثبيت أسعار الحاجيات المعيشية للكتلة العظمى من اللبنانيين: الأكل وأقساط المدارس الخاصة وضبط التلاعب بالدولار لخفض سعر الليرة؟

أبناء الطبقة السياسية ومن لف لفهم واحتمى في نعيمهم، وكذلك مافيا التهريب واللعب بالدولار والليرة وأبطال الاحتكار، وكبار المستوردين والمتعجلون ومستغلو احتياج الناس من أجل تكديس الثروات، ومعظم أهل الطبقة السياسية من حماة حرية التجارة “ودعه يعمل، دعه ينهب، دعه يمر”، ستشكل عائقاً كبيراً أمام النية بخفض الأسعار

إن الأزمة المعيشية أخطر مما يقدر المسؤولون، فالأسعار نار، وأسعار مواد التموين والمعاش اليومي تتزايد كل يوم، وأصحاب الأفران يتلاعبون بوزن الرغيف، فيبيعون أرغفة أقل بأسعار أعلى من المعتاد بكثير.. وكذلك الأمر بالنسبة للفاكهة والخضار واللحوم، لا فرق بين الغنم والبقر والدجاج .. فكيف بالديوك؟

إن سعد الحريري أمام إمتحان خطير! إنه يدخل معركة شرسة بلا سلاح فعال في يده. فأبناء الطبقة السياسية ومن لف لفهم واحتمى في نعيمهم، وكذلك مافيا التهريب واللعب بالدولار والليرة وأبطال الاحتكار، وكبار المستوردين والمتعجلون ومستغلو احتياج الناس من أجل تكديس الثروات، ومعظم أهل الطبقة السياسية من حماة حرية التجارة “ودعه يعمل، دعه ينهب، دعه يمر”، ستشكل عائقاً كبيراً أمام النية بخفض الأسعار.

إنه الإمتحان الأخطر الذي سيواجهه سعد الحريري.

وستبدأ الصعوبات من لحظة التكليف، وستتفاقم مع التأليف، ولسوف تعصف أسعار الحاجيات بمرتبات الموظفين كبيرهم وصغيرهم، فضلاً عن العمال والأجراء.

التأميم ممنوع، و”كارتل” التجار أقوى من الدولة، والمستوردون أباطرة، وأسعار الحاجيات وأكل العيال وشربهم “نار يا حبيبي نار”.

فماذا أنت فاعل يا شيخ سعد؟

ومن سيعينك في إداء هذه المهمة الصعبة التي تحتاج الشجاعة في القرار وفي تنفيذه، وضرب الاحتكار وتقديم احتياجات الناس كل الناس على إصرار التجار على رفع الأسعار واستنفاذ مدخرات المواطنين وفتح الطريق إلى الجوع، في كل البيوت.

المهمة صعبة جداً يا شيخ سعد.. وامتحانك سيكون قاسياً.

ستكون حكومتك الأولى، فعلياً، وقد تكون الأخيرة!

عليكِ مني السلام يا أرض أجدادي!

 

 

 

 

 

طلال سلمان

رئيس تحرير جريدة السفير

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course