إنتفاضة تشرين بالصوت: توثيق الأمل!

لم تكتف الباحثة الإجتماعية اللبنانية الدكتورة لمى قبانجي بتسجيل أصوات المشاركين في إنتفاضة تشرين/أكتوبر 2019 في بيروت، بل أجرت مقابلات صوتية قصيرة أو طويلة (47 مقابلة) مع الأشخاص أو المجموعات المشاركة من مختلف المناطق اللبنانية (بيروت، طرابلس، صيدا، جل الديب، كفررمان، صور) لجمع المعطيات، وفهم الأحداث والتحوّلات الإجتماعية.

“وبينما كنت أستمع إلى أصوات الأشخاص المشاركين في انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وبينما كنت أعيد سماع التسجيلات الصوتية وأحاول تحليلها، حدثت أمور كثيرة، من إنهيار مالي واقتصادي، إلى أزمات إجتماعية وصحية، إلى انفجار مدمّر تسبّب بمئات الضحايا والجرحى ودمّر مدينة بيروت، إلى حرائق ومشاكل تهدد البلاد والمواطنين.. غير أن صوت الأمل الذي لامسته في جميع التسجيلات الصوتية ما زال عالقاً في ذهني، وما زلت أسمعه”.. بهذه الكلمات تعبّر الباحثة في العلوم الإجتماعية في معهد البحوث من أجل التنمية “Institut de recherche pour le developpement” في فرنسا الدكتورة لمى قبانجي عن الدراسة التي أجرتها في شان الحضور الصوتي لانتفاضة تشرين/أكتوبر 2019، والتي هي قيد النشر.

تشرح قبانجي أنها في الأيام الأولى للانتفاضة، كانت تعمل على تسجيل جميع الأصوات المنبعثة من الساحات محاولة من خلالها فهم ما يجري خصوصا أن اللحظة كانت إستثنائية وسريعة الزوال. توضح الفرق بين الإعتماد على التسجيلات الصوتية والتصوير المرتكز على الصورة، فالتنقّل بألة تسجيل صوتي أسهل وأقلّ شبهة من الكاميرا ما يسمح بالتقاط معطيات أكبر بين الجموع، كما أن الإعتماد على الصوت من دون صورة يساهم بتركيز أكبر على ما يقوله المتظاهرون من هتافات ومطالب، من دون التلهي بالصورة. وتضيف أن الحضور الصوتي يساهم في فهم وتحليل الحركات الاجتماعية والعلاقات بين المجموعات المشاركة فيها.

يختلف التحليل الاجتماعي المبني على الحضور الصوتي عن التحليل المبني على الصورة. وبالرغم من قلة البحوث الاجتماعية المنشورة حول علاقة الحضور الصوتي بالتحركات أو المظاهرات الشعبية، تلفت قبانجي الإنتباه إلى أن التحليل المرتكز على الحضور الصوتي مهم جداً في فهم بدايات التحركات والحركات الاجتماعية، عندما يكون الأشخاص والمراقبون غير مدركين لحقيقة ما يجري، ما يسمح بجمع المعطيات وإستكشافها وتحليلها بسرعة.

رصدت قبانجي مختلف الأصوات في الساحات، من أصوات الأشخاص، الى صرخاتهم. أغانيهم وهتافاتهم. غضبهم. فرحهم. طقطقة فناجين القهوة. قرع الطناجر. أصوات بائعي الكعك وغيرها. وتقول إن الصوت يعبّر عن مشاعر الأشخاص من غضبٍ أو فرحٍ، أو تحدٍ أو سخطٍ، كما أنه يؤسّس لمادة أرشيفية توثّق للحظات مهمة ومصيرية في حركة المجتمعات من الصعب تكرارها وإعادة عيشها.

تلحظ قبانجي، وبعد إعادة سماع مختلف التسجيلات الصوتية وتحليلها، أن الصوت كان طاغياً في إنتفاضة 2019، إذ علا صوت المتظاهرين في الكثير من المرات على صوت خطابات السياسيين التي كانت تبثّ، كما إختلف الصوت بين ساحة وأخرى، فالأصوات التي رصدتها على سبيل المثال في طرابلس تختلف عن تلك المسموعة في مدينة بيروت، والصوت الذي كان يعلو في ساحة رياض الصلح في بيروت، كان مختلفاً عما كان يضجّ في ساحة الشهداء في وسط العاصمة نفسها.

بعد مرور عام واحد على إنتفاضة تشرين، ربما أصبحت الكثير من الأصوات التي كانت تصدّح في الساحات منسية، ربما علت أصوات أخرى، ربّما كان صوت الإنفجار الذي هزّ المدينة أقوى، غير أن قبانجي تؤكّد، وفي كلّ مرة تعيد سماع هذه التسجيلات الصوتية، أن صوت الأمل الذي كان منبعثاً في تلك اللحظة يجب عدم نسيانه

وتكشف تلك التسجيلات الصوتية، وفق قبانجي، عن أهمية الحضور الطلابي في هذه الإنتفاضة وخصوصاً طلاب الجامعة اللبنانية. حضور كان بارزاً مقارنة مع حراك 2015 الذي شهد حضوراً أكبر لطلاب الجامعات الخاصة، اذ تبيّن هذه التسجيلات أن طلاب الجامعة اللبنانية قادوا التحركات الطلابية، مطالبين بأحقية التعليم المجاني، وضرورة تعزيز واقع الجامعة اللبنانية. كما تلحظ قبانجي أن الطلاب المشاركين في إنتفاضة تشرين ذكّروا بهتافاتهم وشعاراتهم بالحركة الطلابية اللبنانية في النصف الثاني من القرن الماضي والشهيد الأول في سبيل تأسيس الجامعة اللبنانية فرج الله حنين.

وتظهر التسجيلات الصوتية، أيضا، أن مطالب إنتفاضة 2019 كانت إجتماعية ـ إقتصادية، من تحقيق العدالة الإجتماعية؛ تعزيز الخدمات العامة؛ إسقاط النظام الطائفي؛ ترسيخ حق المواطنة وغيرها. كما يبرز الحضور الصوتي التغيّرات الاجتماعية التي طالت الطبقات الإجتماعية في لبنان. فعلى سبيل المثال، خسرت الطبقة الوسطى الكثير من حقوقها، ومكانتها، فإلتقت بذلك مختلف الطبقات الإجتماعية في الساحات والمظاهرات التي شهدها لبنان في تشرين الأول/أكتوبر 2019.

من جهة أخرى، تركّز قبانجي على الصوت الرافض للهجرة الذي كان طاغياً في هذه التسجيلات. إذ كان يعبّر المشاركون عن رغبتهم في البقاء في لبنان وعدم الهجرة ومغادرة البلد، آملين بقدرتهم على إعادة بناء وطن جديد مختلف، يضمن حقوق مواطنيه ويعزّز واقعهم.

بعد مرور عام واحد على إنتفاضة تشرين، ربما أصبحت الكثير من الأصوات التي كانت تصدّح في الساحات منسية، ربما علت أصوات أخرى، ربّما كان صوت الإنفجار الذي هزّ المدينة أقوى، غير أن قبانجي تؤكّد، وفي كلّ مرة تعيد سماع هذه التسجيلات الصوتية، أن صوت الأمل الذي كان منبعثاً في تلك اللحظة يجب عدم نسيانه، ويجب البناء عليه في مواجهة المنظومة السياسية الحاكمة، وفي إعادة بناء الوطن.. “إذ ما زلت أسمعه حتى الآن“.

يشار الى ان قبانجي تعمل مع كارين ضومط (وهي مونتيرة وكاتبة في مجال السينما) على أرشفة هذه التسجيلات الصوتية، وتنظيمها ووضعها على الشبكة العنكبوتية لتصبح متاحة لجميع المهتمين بدراسة هذه المعطيات وتحليلها وإستعادتها والاستفادة منها. كما يمكن الاطلاع على الوثائقي الصوتي الذي عملت عليه قبانجي وضومط، وتم توزيعه من خلال “ميغافون“.

ملاك مكي

طالبة دكتوراه بالصحافة في جامعة باريس ديكارت

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course