هل تجلب كريستي الحظ أم الخسارة لترامب؟
NASHVILLE, TENNESSEE - OCTOBER 22: U.S. President Donald Trump (L) and Democratic presidential nominee Joe Biden participate in the final presidential debate at Belmont University on October 22, 2020 in Nashville, Tennessee. This is the last debate between the two candidates before the election on November 3. (Photo by Chip Somodevilla/Getty Images)

المناظرة الأخيرة بين دونالد ترامب وجو بايدن كانت بنّاءة وإحترافية ومختلفة عن سابقتها. غاب الصخب والفوضى والإنفعال وتراجعت الشتائم، وحاول الإثنان مخاطبة عقل المواطن الأميركي، برغم إعتقاد معظم المراقبين أن "ما كتب قد كتب"، على مسافة أقل من أسبوعين من موعد الإنتخابات المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

لا بد من القول إن الصحافية الأميركية كريستي والكر، هي رابع صحافية أميركية تدير مناظرة رئاسية منذ إنطلاق هذه المناظرات قبل ستين عاماً، لكنها الأصغر سناً بينهن (44 عاماً). تعمل مذيعة في محطة nbc التلفزيونية. خريجة هارفرد. امها من السود ووالدها من البيض. سبقتها مذيعة سوداء إلى أداء المهمة نفسها وهي كارول سمسون في المناظرة التي جرت بين بيل كلينتون وجورج بوش الاب في العام 1992، وكانت نتيجة الإنتخابات، في تلك السنة، أن بوش الأب كان اول رئيس يخسر الولاية الثانية منذ 30 عاماً في الولايات المتحدة، وهذا الأمر جعل البعض يسأل هل أن التاريخ سيعيد نفسه بعد ثلاثة عقود ويكون ترامب أول رئيس يخسر الولاية الثانية منذ جورج بوش الأب؟

نجحت كريستي والكر في وضع الكثير من النقاط على الحروف ولم تسمح لترامب بالتمادي كما فعل مع كريس والاس في المناظرة الأولى، فكانت توجه الأسئلة إليه بطريقة مباشرة ولم تتركه يستطرد بل قاطعته أكثر بكثير مما فعلت مع بايدن (إستحوذ ترامب على 41 دقيقة من الوقت مقابل 37 دقيقة لبايدن برغم الضوابط وصمت الميكروفون). ونجحت والكر في توجيه أسئلة مباشرة إلى ترامب، لكنه كان مضطراً إلى كتم غيظه بسبب قبوله بشروط اللجنة المنظمة للمناظرة. وهذا “الإنجاز” جعل الصحافي جايك تابر من “سي إن إن” يقول بشكل ساخر إن ترامب “ناقش كإنسان عادي وهذا إنجازه الأكبر”، أما “الإنجاز” الثاني فكان عندما أعلن ترامب أنه فعل للسود ما لم يفعله رئيس اميركي آخر منذ زمن ابراهام لنكولن محرر العبيد قبل قرنين من الزمن، وبلغ الامر بترامب حد القول “انا الاقل عنصرية بين الموجودين هنا”. وتدليلا على ذلك، قال انه لا يفرق بين الناس بسبب لونهم، وضرب مثلاً غبياً بقوله إن اضواء القاعة خافتة ولا اكاد أميز بين ألوان الحاضرين هنا!

إلى هذين “الإنجازين”، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

أولاً،في الشكل، لم يغادر ترامب أصول اللياقة، على غير عادته، وهذا إنجازه الأكبر، كما أسلفنا الذكر، ولكن ما لم يستطعه هو أن يطرح فكرة جديدة على صلة بالمستقبل أو ما يمكن تسميته مشروعه المتكامل للولاية الثانية. كل ما كان عنده هو مهاجمة خصمه. لذلك، بدا متجهماً منذ البداية، وكأنه ثور هائج ملجوم بسبب القواعد التي أقر بها ضد إرادته في هذه المناظرة.

ثانياً، في الأسلوب، تعثر بايدن عدة مرات قبل أن يقدم إجابته، وفي ربع الساعة الأخير تهدج صوته ونظر إلى ساعته، وهذا ما ذكر الكثيرين بما فعله جورج بوش الأب في مناظرته مع بيل كلينتون في العام 1992، وكان أحد أسباب خسارته الإنتخابات آنذاك. فعلها بايدن مرة واحدة ولكن ربما ستؤثر عليه ولو بشكل طفيف، ذلك أن ظروف هذه الإنتخابات قد تكون مغايرة لكل ما سبقها.

ثالثاً، في موضوع حقوق الإنسان، حين سئل عن الأهل المهاجرين المفصولين عن أولادهم الذين بات مصيرهم مجهولاً، رد ترامب بشن هجوم على إدارة باراك أوباما وتحميل نائبه بايدن أوزار الأخطاء التي حصلت، ذلك أن مسألة الأطفال الذين إنتزعوا من أهلهم وُوضعوا في أقفاص في حالة أقل ما يقال عنها أنها غير إنسانية. هنا كان رد بايدن سريعا وقويا حيث قال “هؤلاء الأطفال لوحدهم، ليس لديهم أي مكان يذهبون إليه. هذا سلوك إجرامي”. وكانت منظمة حقوقية قد كشفت أنّ السلطات الأميركية فشلت في تحديد أماكن ذوي 545 طفلاً مهاجراً فصلوا عن عائلاتهم عند الحدود الأميركية بموجب سياسات الهجرة المتشدّدة التي بدأت إدارة ترامب بتطبيقها في أيار/مايو 2018.

رابعاً، إستحوذ النقاش حول الإقتصاد والبيئة والطاقة على حيز بارز من المناظرة، فإتهم بايدن خصمه بالعمل من أجل إعالة الشركات النفطية الكبرى مثل إيكسون وشيفرون وغيرهما من الشركات النفطية، وقال إنه لا يمكن أن تستمر الولايات المتحدة بنفس السياسة المتبعة بالحفر والحصول على النفط والغاز بينما العالم وخاصة الصين تعمل نحو الطاقة المستدامة، على حد تعبير بايدن. ورد ترامب بإتهام بايدن بأنه يريد أن يلغي الحفر الأفقي “فراكينغ”، وقال إنه سحب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ لأنها غير عادلة وكان من شأنها أن تكلف آلاف الوظائف الأميركية. بدوره، رد بايدن معتبرا أن الاحتباس الحراري يمثل تهديدا وجوديا وأن خططه الخاصة بمسألة تغير المناخ  ستخلق 17 مليون وظيفة جديدة وسيرفع الحد الأدنى للأجور الى 15 دولارا في الساعة، وهذا ما أثار حفيظة ترامب الذي يريد أن يترك ذلك الأمر للولايات لأن ذلك سيفلس اصحاب المؤسسات الصغيرة وخاصة المطاعم. فأجابه بايدن بأن كافة الدراسات والتجارب السابقة تثبت العكس ولا يجوز أن يبقى الناس تحت خط الفقر ضمن السبع دولارات وربع الدولار.

خامساً، في السياسة الخارجية، كان لافتاً للإنتباه إهمال ترامب ما قام به من مبادرات في الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل من نقل السفارة الأميركية إلى القدس وصفقة القرن والتطبيع بين الإمارات والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة ثانية. حاول ترامب أن يدافع عن سياسته إزاء الصين وأثر العقوبات عليها وعندما إنتقل الحديث الى كوريا الشمالية، إختلط الحابل بالنابل عند ترامب. من جهة، أبدى إعتزازه بصداقته الغريبة مع كيم جون أون ومن جهة ثانية إتهم باراك أوباما بالفشل التام في هذا الملف. كان رد بايدن أنه عندما يُنتخب رئيسا سيبني تحالفات واسعة ويعيد إحياء حلف الناتو وسيعتمد على القانون الدولي وبالتالي سيجعل الصين وروسيا وكل الدكتاتوريين في العالم وخاصة فلاديمير بوتين يدفعون ثمن أفعالهم بما يتناسب والقانون الدولي. ولن يعطي كوريا الشمالية التى أصبح عندها صواريخ عابرة للقارات أي مجال للإستمرار في عدم إحترام القرارات الدولية.

سادساً، كان منتظراً أن يركز ترامب هجومه على فساد هانتر بايدن نجل جو بايدن وعلاقته بأوكرانيا للقول إن هذا الشبل من ذاك الأسد، وهذا ما حصل، فرد المرشح الديموقراطي بالتركيز على حسابات ترامب السرية في الصين وفساد إدارته وعلاقة محاميه الشخصي رودي جولياني المشبوهة بعميل روسي يلاحقه جهاز الـ”أف بي أي”. إنتقال بايدن بسرعة كبيرة من الدفاع الى الهجوم على سجل ترامب الحافل ولا سيما محاذرته إنتقاد بوتين أفقد الخصم الجمهوري فرصة تسجيل نقطة  جديدة في مرمى بايدن!

سابعاً، عندما طرحت كريستي والكر، سؤالاً أخيراً عما سيفعله المرشحان، في حال فوز أي منهما، كان رد ترامب أن بايدن في حال إنتخابه سيجلب الخراب والدمار الى البلاد وأن الليبراليين سيخربوا الإقتصاد الأميركي ويجعلونه إشتراكيا. بالمقابل، خاطب بايدن الشعب الأميركي قائلاً إنه إذا إنتُخب رئيسا فسيكون رئيسا لكل الأميركيين وليس للديموقراطيين فقط، وكذلك لن يفرق بين من إنتخبه أو لم ينتخبه. وهو سوف يعمل على إعادة الحوار بين الأطراف كافة في الولايات المتحدة.

ثامناً، النقطة السالفة الذكر تعيدنا الى “حوار الطرشان”. السياسة، بالنسبة إلى ترامب، عبارة عن مصارعة حرة تبيح له أن يخالف القوانين ويفعل ما يشاء، أما منافسه، فعليه إحترام كافة القوانين والأصول المعمول بها. هكذا سياسة جعلت الأميركي العادي يحذو حذو “قائده”، فصار يعتبر كل من يخالفه الرأي عميلا أو عدوا، وهذا ما جعل توماس فريدمان يحذر في النيويورك تايمز، قبل حوالي الأسبوعين من أن تتحول الولايات المتحدة الى لبنان آخر، علما أن فريدمان عاش في لبنان وكتب خلال إقامته فيه كتابه الشهير “من بيروت الى القدس” عن لبنان وتجربته خلال الحرب الأهلية وهو الذي كان أول من كشف مجزرة صبرا وشاتيلا في العام 1982. يكفي أن يتحدث شخصان في أميركا حاليا حتى يتحول النقاش الى حفلة صراخ وإتهامات في الإتجاهات كافة، وهذا كله بسبب ترامب الذي لا يكيل الإتهامات إلى الديموقراطيين باليسارية والليبرالية والشيوعية، وهذا الحديث ينسحب على أكثر الناس المؤيدين له، ولهذا الموضوع حديث آخر.

تاسعاً، لم تكن أجوبة ترامب في موضوع مواجهة فيروس كورونا موفقة، سواء في حديثه عن قرب التوصل إلى لقاح في غضون أسابيع قليلة أو أن عدد القتلى كان يمكن أن يكون أكبر بكثير، متهما بايدن بالسعي إلى إغلاق البلاد والإضرار بالإقتصاد، ورد عليه بايدن بأن شخصاً مسؤولاً عن هذا العدد الكبير من الوفيات (228 ألف حالة وفاة) “يجب ألا يكون قادراً على البقاء رئيساً للولايات المتحدة”، وتوقّع “شتاء أميركياً قاتماً”.

تجدر الإشارة إلى أن المناظرة عقدت في إحدى جامععات مدينة ناشفيل بولاية تينيسي، وأظهر استطلاع أجرته شبكة “سي إن إن” عقب انتهاء المناظرة أن  28% قالوا إن ترامب فاز بالمناظرة مقابل 67% قالوا إن الانتصار كان حليف بايدن. وقال 53% من متابعي المناظرة إن أداء بايدن كان أفضل مقابل 39% قالوا إن الكفة مالت لصالح ترامب.

وأظهرت الإحصاءات الرسمية أن عدد الذين أدلوا بأصواتهم حتى مساء الأربعاء الماضي بلغ أكثر من 42 مليون ناخب، وهو رقم قياسي لم يسبق أن سجلته الانتخابات الأميركية في كل عهودها.

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course