قاطع الرؤوس

لا أعلم كم استغرقت عملية قطع رأس أستاذ التاريخ الفرنسي، صمويل باتى، بسلاح أبيض، على يد شاب شيشاني فى الثامنة عشرة من عمره، ولد فى موسكو.

هل كانت سريعة لدرجة يقل فيها الألم أم كانت بطيئة نسبيا بسبب نقص الخبرة، ما أدى إلى موت طويل يتصف بألم شديد؟ ولا أدرى إن كانت الرقبة قد طارت وعلى وجه الضحية بسمة خفيفة لأنه لم يدرك أن الشاب الذي وقف أمامه كان مختلا أو مغيبا أو مولعا بالعنف. وهل انعكست صورة عملية القتل على ألواح الزجاج التى تغطي واجهات المحلات المجاورة؟

فقط أحاول تخيل لحظات الصمت الثقيل التى خيّمت على المكان بعد الجريمة، فمنذ وقوعها وأنا صرت أتخيل بشاعة ووحشية ما حدث، وأحاول بشكل أو بآخر الوقوف على ما كان يدور فى رأس الجاني وقتها وعلى إحساس من يطير الرؤوس على هذا النحو. هل صرخ الرجل قبل أن يسقط على الأرض؟ هل بحلق فيه القاتل؟ وما فائدة البحلقة فى الظلام؟ على كل حال سيكون لديه متسع من الوقت للبحلقة وللقيام بمراجعات شاملة فى القبر، فكلاهما مات.. القاتل والمقتول، ولن يصابا بنزلة برد، بل هربا من فيروس كورونا اللعين.

قرر الشاب الشيشانى، المقيم فى فرنسا كلاجئ منذ آذار/مارس الماضى، الرد على تناول صمويل باتى للرسوم المسيئة إلى الرسول الكريم فى درس حول حرية التعبير بالذبح. لن أناقش هنا ما الذى جاء فى هذه الرسوم ولا هل كان يجب إثارة المسألة فى الفصل الدراسى من عدمه، فقد قيل فيها ما قيل، ومعظمنا يعرف أن تبعات هذا العمل الإرهابى ستكون طويلة الأمد، بل ستكون نقطة تحول فى الموقفين الرسمى والشعبى حيال المسلمين فى فرنسا وحيال «الإسلام الأوروبى»، وسيترتب عليها صعود تيارات معادية للأجانب إلى ما غير ذلك. تيارات ستحاول بالطبع استغلال بشاعة اللحظة وفظاعة قطع الرؤوس التى تجافى كل فطرة وتحتاج إلى مجموعات بحثية جادة لترد على أسئلتى وأسئلة آخرين.

***

لم الإصرار على قطع الرؤوس فى حين تتعدد طرق القتل التى قد تعتبر أكثر رحمة بالضحية؟

لا يخلو التاريخ من حكايات حول قطع الرؤوس، من قصة يوحنا المعمدان إلى سيدنا الحسين وواقعة كربلاء إلى إعدام ماري ملكة اسكتلندا، وحالات أحدث بكثير فى تسعينيات القرن الماضي خلال الحرب الشيشانية الأولى (1994ــ1996) ومن بعدها جماعات الإسلام السياسي فى الجزائر وباكستان وغيرها من الدول، ثم داعش مؤخرا. ولا يمكننا سوى أن نتساءل عن دلالات هذا الإصرار والرسالة التى يريد قاطعو الرؤوس إيصالها إلى العالم؟ تستخدم بالطبع الصور التى تبث على وسائل التواصل الاجتماعي للترهيب والدعاية، فقطع الرأس هو التجسيد المادي لأقصى درجات البطش، هو إهانة للجسد البشري بتشويهه عبر فصل الرأس وعرضه بصورة ملحمية أمام الجموع لكى يكون عبرة لمن لا يعتبر، هو يعنى أيضا التحكم فى رأس الإنسان وموضع عقله، أي أن القاتل أو من يمثله يعلن انتصار سلطته سواء كانت دينية أو سياسية أو أيديولوجية.
نافورة الدم التى تندفع من الجسد بعد فصل العنق تهزأ من القيم المعاصرة وتجعلنا نتساءل: كم من القوة يحتاج أحدهم لقطع رأس إنسان وتخويف الآخرين؟ تندفع التساؤلات إلى رأسي مجددا. أبحث عن شهادات قاطعي الرؤوس من بلاد مختلفة، هذا ذبح زوجته بعد اكتشاف خياناتها وعندما اندفعت نافورة الدماء من عنقها أجهز على أطفاله وهم يغطون فى نوم عميق ثم قام بالاستحمام وبدل ملابسه واستعد للهرب، وذاك «سفاح محترف» طير رؤوس الكثيرين، وثالث تاجر مخدرات قتل 12 شخصا وقطع رؤوسهم ومات قبل بضعة أشهر بالكورونا فى محبسه بالمكسيك، والرابع قائد جماعة «أبو سياف» بالفلبين الذى اعتقلته الشرطة فى آب/أغسطس الماضي.

***

اللافت أن بعض العلماء الذين يحللون نفسيات هؤلاء، ومن ضمنهم طبيب الأعصاب الأمريكي، جيمس فالون، وجدوا أن هناك عوامل مشتركة بين مرتكبي مثل هذه الأفعال البشعة، ولخصها فالون فى ثلاثة عوامل من خلال دراسة أجراها حول أشخاص أدينوا فى عدة جرائم قتل: عامل وراثي، فهم يحملون ما يسمى بـ«جين المحارب» الذى يجعلهم يميلون إلى العنف والإثارة والمعارك والإحساس بالخطر لكى يشعروا بوجودهم، العامل الثاني يتعلق بوجود خلل أو تلف فى الدماغ، خاصة فى القشرة المدارية خلف العينين، ما يدفعهم إلى عدم الشعور بالندم وعدم الاكتراث عند إلحاق الأذى بالآخرين، أما العامل الثالث فهو يرتبط بسوء المعاملة التى تلقوها فى طفولتهم المبكرة سواء كان ذلك بالعنف أو التجاهل والإهمال. الأمر الأكيد أنهم لا يعرفون قيمة الحياة ولا يتركون مجالا للآخرين لكى يستمتعوا بها.

(*) نقلا عن “الشروق

داليا شمس

كاتبة وصحافية

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free