أولويات بايدن الخارجية: كورونا، الصين، روسيا، أوروبا

مثلما ستواجه إدارة جو بايدن ملفات داخلية ضاغطة، عبّر عنها خطاب الرئيس الأميركي الجديد فجر اليوم (السبت) ولا سيما قضية مواجهة جائحة كورونا، ثمة أسئلة وتحديات تتصل بالسياسة الخارجية للإدارة الجديدة.

قبل أي شيء، هناك “فيل في الغرفة”، كما يقول المثل، وهو وباء كوفيدـ19، وهذا الوباء سيكون الشغل الشاغل للإدارة من أجل تقديم إدارة وطنية نموذجية مختلفة عن النموذج الترامبي، بحيث تتقاطع محاولات إيجاد اللقاح مع السيطرة على الوباء قدر الإمكان وإعادة الحياة إلى مجاريها إقتصادياً وحياتياً، خاصة أن حوالي ربع مليون إنسان أميركي قضوا بسبب الفيروس، وهذه أكبر خسارة للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن أنه أكبر رقم للوفيات بالفيروس القاتل عالمياً، وهذا أمر معيب خاصة وأننا نتحدث عن دولة متطورة تعتبر العلم والتكنولوجيا من ركائز “النموذج الأميركي”.

هذه المقدمة لا بد منها قبل الخوض في السياسة الخارجية لأن العالم بأجمعه ينتظر اللقاح الجديد، وأن يأتي تحديداً من الولايات المتحدة الأميركية.. هكذا يصبح إكتشاف اللقاح أهم منتج معنوي ومادي وأخلاقي للسياسة الخارجية الأميركية!

ماذا ننتظر من بايدن؟

أولاً، إن أول ما سيفعله الرئيس المنتخب، كما أعلن، إعادة الولايات المتحدة إلى معاهدة باريس المناخية، وبالتالي سيبدأ برأب الصدع في العلاقات مع أوروبا وإعادة رص بنيان حلف شمال الأطلسي، في ضوء ما أصابه من تصدعات في العديد من الساحات الدولية والإقليمية.

تتفق دولة الأمن القومي على أن الصين تشكل أكبر خطر على الأمن القومي الأميركي في العقود المقبلة

ثانياً، لكي تستطيع إدارة بايدن قيادة عملية تغيير سريعة، فاعلية وآليات وأساليب، لا بد من ترميم وزارة الخارجية الأميركية وعدم ترك أمورها لإدارة وزارة الدفاع (البنتاغون) وجهاز المخابرات، وبالتالي على بايدن أن يعمل على تأمين الكادر الذي فقد الكثير من قدراته، بسبب سياسة ترامب الذي عمل على مدى أربع سنوات على تفريغ الخارجية وتقزيمها من الكفاءات ومحترفي السياسة الخارجية، وهذا يعني أن أسرع طريق لذلك هو تأمين هذا الكادر من الإدارة الأوبامية، وعلى رأسها الدبلوماسية سوزان رايس، ولا بد أن يستعين بخبرات ثلاث شخصيات لها معرفة عميقة بالسياسة الخارجية الأميركية وهذه الشخصيات هي: هيلاري كلينتون وجون كيري (حقبة أوباما) ومادلين أولبرايت (من حقبة بيل كلينتون)، وهذا لا يعنى ان سياسة بايدن الخارجية ستكون كلها أوبامية، ولكن ذلك أسرع وأسلم طريق لإعادة الروح إلى وزارة الخارجية وبالتالي السعي إلى بناء حائطين دفاعيين؛ أولاً، بإتجاه الصين، وهذا خط بياني ممتد من إدارة أوباما إلى الإدارة الجديدة مروراً بالإدارة الترامبية، حيث تتفق دولة الأمن القومي على أن الصين تشكل أكبر خطر على الأمن القومي الأميركي في العقود المقبلة. ثانياً، بإتجاه روسيا فلاديمير بوتين ومحاولة إحتواء سياسته التوسعية نحو المياه الدافئة التي لم يسبقه اليها أي قيصر روسي منذ بطرس الأكبر حين بنى أساطيله البحرية وتعلم بنفسه تلك الصناعة. اليوم، إستطاع بوتين أن يتخطى القيصر بطرس الأكبر ويبني أكبر قاعدة بحرية في المتوسط (الشاطىء السوري).

ثالثاً، لعل الملف الملح على جدول إعمال إدارة بايدن هو الملف الصيني. فهذه الأمبراطورية هي القوة العظمى التي ستنافس الأمبراطورية الأميركية، في المديين المتوسط والبعيد، على زعامة العالم، وهذا الأمر تحدث عنه بول كينيدي في كتابه الشهير “صعود وسقوط الأمبراطوريات العظمى”. هناك دائما قوة صاعدة تتحدى القوة الموجودة على عرش العالم، وهذا ما تفعله الصين.  هذا لا يعني، حسب بول كينيدي، ان المتحدي هو القوة العظمى القادمة ولكن هو المتحدي.  الصين إذاً وبقدراتها الصناعية، الإقتصادية، التكنولوجية، ستشكل عنوان مشروع توسعي. زدْ على ذلك قدرات عسكرية متنامية ومنها بناء قواعد تحت أرضية للغواصات النووية وكذلك إمتلاك صواريخ مجنحة فائقة السرعة (سبعة أضعاف سرعة الصوت أي “الهايبرسونيك”). كل ذلك يتطلب سياسة أميركية متكاملة وعملانية أكثر صلابة وأكثر عمقاً من ذي قبل وهذا كله ستواجهه الإدارة الجديدة التى ليس عندها الكثير من الحرية في التعامل مع الصين بطريقة “صبيانية” ووضع عقوبات هنا وهناك من دون خطة أو نظرة واضحة لكيفية التعامل مع بلد مثل الصين الذي تخطى دخله العام أو يقترب من تخطي الولايات المتحدة. كذلك، على الولايات المتحدة أن تتعامل مع قضية حقوق “الإيغور” الأقلية المسلمة، وهذه النقطة (حقوق الإنسان) ستنسحب على ساحات عديدة مثل دول الخليج ومصر وسوريا والعراق وتركيا وشرق آسيا إلخ..

سوريا لن تكون ملفاً قائماً بذاته بمعزل عن المقاربة الأميركية للملف الإيراني. إذا كان هناك صفقة مع إيران فينسحب ذلك على سوريا، وإذا تأزمت الأمور مع إيران، سيكون المشهد السوري إستمراراً للستاتيكو الراهن

رابعاً، لا بد من رؤية بايدنية لملفات المنطقة، وهذا الأمر يتطلب التدقيق بالفريق الذي سيأتي به الرئيس المنتخب إلى وزارة الخارجية. على سبيل المثال لا الحصر، إذا عادت هيلاري كلينتون إلى الخارجية، فإنها ستحمل معها سياسة الصقور الديموقراطيين في السياسة الخارجية الأميركية. سياسة أميركا بإتجاه الروس ستنعكس تغييراً في بعض الساحات وتثبيتاً في ساحات أخرى. إسرائيل مثلاً في السياسة الخارجية الأميركية من الثوابت ولن تتغير تلك الثابتة بتغير الإدارة الأميركية، أكانت ديموقراطية أم جمهورية.  سوريا لن تكون ملفاً قائماً بذاته بمعزل عن المقاربة الأميركية للملف الإيراني. إذا كان هناك صفقة مع إيران فينسحب ذلك على سوريا، وإذا تأزمت الأمور مع إيران، سيكون المشهد السوري إستمراراً للستاتيكو الراهن.

خامساً، ثمة قضية حساسة جداً للشرق الأوسطيين، وهي كيفية تعامل الإدارة الجديدة مع إيران، وهنا تصبح الأمور أكثر تعقيداً، فهل تكمل إدارة بايدن ما بدأه ترامب أم تعود إلى ما كانت عليه الإتفاقات الموقعة بين إدارة باراك أوباما أي (5+1) أم تبدأ من الصفر مفاوضات جديدة مع الجمهورية الإسلامية؟ أم تختار مزيجا مركبا فيه شيء من سياسة ترامب (الضغط) وشيء من سياسة أوباما (الإحتواء)؟

على الأرجح، لن يقبل بايدن بما كان عليه الإتفاق النووي الأساسي، قبل إلغائه في العام 2018، لأن ما كان صالحاً في العام 2015 لم يعد يصلح للعام 2021، كما أن القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية باتت ممتدة إلى قوس الشرق الأوسط العريض وهي بالتأكيد تتجاوز ما كانت عليه عندما وُقع الإتفاق النووي الأول (2015). ثمة تحديات إيرانية جديدة، وبالتالي علينا أن توقع إنتاج مقاربة أميركية مختلفة وأكثر تعقيداً مما كانت عليه، سواء في حقبة أوباما أم حقبة ترامب التى أقل ما يقال عنها أنها كانت “خبط عشواء”، وهذه السياسة المختلفة تحتاج إلى شهور (ليس قبل الصيف المقبل بأقل تقدير) لكي تتبلور وتتمظهر.

هذه مجرد عناوين أولية، لكن موضوع السياسة الخارجية الأميركية، سيحتاج إلى مقاربات عديدة. ثمة تتمة.

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download