خطوط الترسيم تتعدد: لبنان يقاتل خلف خطوط العدو

يخوض الوفد اللبناني جولة هي الرابعة من مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بعد أن حقّق خرقًا واضحًا في الجولات الثلاث الأولى بعرضِه خطّه الجديد وشرحه بالتفصيل المواد القانونية التي استند إليها في رسم هذا الخط وتأكيده احترامه الكامل للقانون الدولي وتحديدًا قانون البحار ومتمّماته.

إنتهت الجولة التفاوضية الثالثة بتاريخ 29 تشرين الأول/أكتوبر بعد أن تم التوافق على أن تُعقد الجلسة الرابعة بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر لمتابعة المناقشات. بينما كان الوفد اللبناني يتحضّر لمعرفة الرد القانوني الإسرائيلي، فوجئ بقيام فريق العدو باختلاق خطّين جديدين أحدهما بزاوية 310 درجات، الأمر الذي خلق مساحة إضافية شمال النقطة رقم (1) تقدّر بحوالي 2830 كلمفيصبح بذلك الفارق بين الخط اللبناني الجديد والخط الإسرائيلي الجديد حوالي 5120 كلم2 وهو فارقٌ كبير يصعّب عملية التفاوض ويجعل الحلول الوسطية شبه مستحيلة.

إلا أن وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس تدارك الأمر، فأعلن أن خطه الجديد هو بمثابة رد تل أبيب على الخط اللبناني الجديد الذي اعتبره “استفزازيًا”. لكن الحقيقة هي أن الخط اللبناني يستند كليًا على اتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار عام 1982، وعلى دليل الجوانب التقنية لهذه الاتفاقية الصادر عن منظّمة الهيدروغرافيا العالمية عام 2006 ، أما الخطوط الإسرائيلية القديمة والجديدة، فهي جميعها غير قانونية ومبنية فقط على الاحتيال والخداع. ولو كان لبنان استفزازيًا لكان بإمكانه طرح الخط الذي يشكّل امتدادًا للحدود البرية (الخط الأزرق على الخريطة) أو الخط الموازي لخط العرض (الخط البرتقالي على الخريطة أدناه) وكان بذلك وصل إلى حقلي تامار ولفياتان.

إذًا، سيخوض الوفد اللبناني اليوم (الأربعاء) معركة حامية خلف خطوط العدو بعد أن أصبحت خلف خطّه الجديد مجموعة خطوط نذكر منها أربعة خطوط أساسية (خط النقطة رقم 23؛ خط فريدريك هوف؛ خط النقطة رقم 1؛ الخط الإسرائيلي الجديد). فكيف سيدير الوفد اللبناني معركته بين هذه الخطوط؟

سيحاول العدو الإسرائيلي تطويق الوفد اللبناني بخطوطٍ مُخترعة تستند على منطق القوة لا قوة المنطق، وبدبلوماسية مخادعة تجهد إلى إظهار لبنان بمظهر المعرقل وغير الثابت على موقفٍ. كل ذلك من أجل تقليب الفريق الأميركي وفريق الأمم المتّحدة ضد الوفد اللبناني وهما أساسًا ليس متوقعًا أن يكونا وسيطين نزيهين.

من جهته، سيستميت الوفد اللبناني في الدفاع عن حقوقه متسلّحًا بالقانون الدولي وبإيمانه بحقّه وصوابية مطالبه. وسيكون الجيش اللبناني جاهزًا لتقديم كل الدعم اللازم. ولكن المعركة لا تُدار فقط عند رأس الناقورة فالمطلوب دفاع في العمق لمنع العدو الإسرائيلي من الالتفاف وتطويق الوفد اللبناني.

في الجانب الإسرائيلي، نرى بوضوح السلطة السياسية الداعمة للفريق المفاوض والمتمثلة بوزير الطاقة يوفال شتاينتز وهي تقاتل على جميع الجبهات لدعم فريقها ولتحقيق أكبر قدر من المكاسب على حساب الحقوق اللبنانية.

هل أن القوى السياسية ستكون جاهزة للتصويب على الوفد اللبناني عند أول مرونة يُبديها لتسهيل عملية التفاوض؟ أم أنها ستقتنع أن المهمة وطنية بامتياز وأن المرونة لا تعني تنازلاً بل هي من ضرورات إنجاح التفاوض؟

أما في الجهة اللبنانية، فمن هي السلطة السياسية الرسمية المسؤولة عن مواكبة الوفد اللبناني؟ وأي دعمٍ يحصل عليه هذا الوفد من القوى السياسية؟

القوى التي كان من المفترض أن تكون الداعم الأول للوفد هاجمته بشراسة قبل انطلاقه بمهمته وشكّكت بوطنية أحد أهم أعضائه لدرجة أن عائلته رجته الاعتذار وعدم إكمال المهمة. أما السلطات السياسية الرسمية فقد كشفت بوضوح تفكّكها وتباعدها. البعض اعتبر أنه سلّم الأمانة بعد إعلانه الانتصار من خلال اتفاق الإطار، والبعض الآخر، برغم حساسية المعركة مع العدو الإسرائيلي، لم يستطع ضبط النفس فاستفاق على صلاحياته ورفع كتابًا خطّيًا اعتبر فيه أن تشكيل الوفد اللبناني لم يتم وفق الأصول الدستورية.

لقد تولى فخامة رئيس الجمهورية رعاية المفاوضات، وهذا أمرُ جيد وجرأة كبيرة، كونه حامي الدستور وراعي القضايا الوطنية، ولكن السؤال ما هو المفهوم القانوني للرعاية؟ ووفق أية آلية سيتم اتخاذ القرارات؟

من سيحدّد الهوامش والمهل الزمنية لتحرّك فريقنا المفاوض؟ فهل يُعقل أن يكون فريقنا بعد شهرٍ من انطلاق المهمة يقاتل بأوامر شفهية في غياب أي مستند خطي يحدّد تأليفه ومهمته؟

علينا أن لا نسمح للعدو الإسرائيلي بإيقاعنا في فخ تحميل لبنان مسؤولية إفشال المفاوضات

هل أن القوى السياسية ستكون جاهزة للتصويب على الوفد اللبناني عند أول مرونة يُبديها لتسهيل عملية التفاوض؟ أم أنها ستقتنع أن المهمة وطنية بامتياز وأن المرونة لا تعني تنازلاً بل هي من ضرورات إنجاح التفاوض. لذا، فإن كل استثمار داخلي بالسياسة يخدم العدو الإسرائيلي ويُضعف الفريق اللبناني.

على القوى السياسية سواء كانت في السلطة أم في المعارضة، إدراك أهمية المعركة التي يخوضها الجيش اللبناني بوجه العدو الإسرائيلي وتأمين الدعم الكامل للوفد اللبناني المفاوض لمنع العدو الإسرائيلي من استغلال أية ثغرة داخلية للإلتفاف عليه وتطويقه.

وعلى السلطة السياسية أن تتكاتف وتتوحّد في معركتها الوطنية وأن تضع نصب عينيها ضرورة إنجاح المفاوضات مع استعادة أقصى الممكن من الحقوق اللبنانية، فالمفاوضات بدأت لتنجح، وعلينا أن لا نسمح للعدو الإسرائيلي بإيقاعنا في فخ تحميل لبنان مسؤولية إفشال المفاوضات. من هنا، علينا أن نُبقي تصلّبنا تحت سقف عدم إفشال المفاوضات لأن فشلها ستكون له انعكاسات وخيمة على لبنان سياسيًا واقتصاديًا وربما أمنيًا. فهل سنمارس هذه المرة التصلّب الواعي ونحقّق انتصارًا فعليًا، أم أننا سنمارس التعنّت الأعمى ونتسبّب بخسارة عشر سنواتٍ إضافية؟

أنطون مراد

عميد ركن متقاعد

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free