مبادرة نقابة المحامين.. فرصة ولكن

بعدما نجح النظام السياسي الطائفي اللبناني في امتصاص صدمة 17 تشرين 2019، تبدو قوى الاحتجاج عاجزة عن تغيير المعادلة. فهل تمثل "المبادرة الإنقاذية الوطنية" التي انطلقت في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، من قصر العدل في بيروت، بمناسبة عيد الاستقلال، بفضل الحيوية الاستثنائية للنقيب ملحم خلف، فرصةً لقلب ميزان القوى لمصلحة قوى التغيير الحقيقية؟

استراحة الحركة الاحتجاجية اللبنانية حالياً هي فترة فاصلة بين مرحلتين. مرحلة تعبئة شعبية واسعة شهدها البلد خلال انتفاضة 17 تشرين وما تلاها من تحركات، كان آخرها في 8 آب/أغسطس 2020، إثر تفجير مرفأ بيروت. ومرحلة تغيير سياسي يطال كل الطاقم الحاكم في مؤسسات الدولة كافة. تغيير آتٍ لا محالة.

خلال هذه الاستراحة، كان من الطبيعي أن يطلق المنتفضون مبادرات متنوعة: تنظيمية، سياسية، و”تشبيكية”. هكذا، تقوم مجموعات من الانتفاضة، يمينية كانت أم يسارية أم وسطية، بمأسسة وتنظيم نفسها لتتحول إلى حركات سياسية فعلية. تعدّ البرامج وتطرح الأفكار. تحاول تشكيل جبهات وائتلافات لخوض معارك نقابية (قطاعية) وسياسية مقبلة، أو تؤسس شبكات تنسيق واسعة النطاق، على غرار مبادرة “درابزين 17 تشرين”، استعداداً للجولة الاحتجاجية الشعبية المقبلة.

في قاموس الحركات الاجتماعية، يمكن للحملات الاحتجاجية والمطلبية أن تتحول إلى ثورات وأن تحقق تغييراً سياسياً. ذلك يبقى مرهوناً بشروط عدة، أهمها ميزان القوى. من هنا، تزداد فعاليتها في حال كانت مطالبها وأهدافها موضع اعتراف وتبنٍّ وتأييد ودعم من قبل قوى مؤثرة ووازنة. ليس المقصود هنا دعمها الشفهي، الفضفاض، الفارغ أو الزائف. بل أن يكون التزامها صادقاً عبر الدعم الفاعل والانخراط العملي والملموس في التحركات والضغط وفي تقديم التضحيات أيضاً.

هذا الخرق، تحتاجه الحركة الاحتجاجية اللبنانية لقلب موازين القوى وتعجز عن تحقيقه غالبية القوى المشاركة في انتفاضة 17 تشرين. لكن هذا هو الخرق الذي يمكن لمبادرة نقابة المحامين إحرازه. تأتي هذه المبادرة إذاً خلال تلك الاستراحة، لتضيف شيئاً جديداً لم يكن بمقدور أحد من قوى الانتفاضة أن يقدّمه. لهذه المبادرة ملامح نقلة نوعية. ولكن.

التحول النوعي في مسار التغيير ممكن، بفضل هذه المبادرة، في حال قلّصت نقاط ضعفها وعززت نقاط قوتها. وهذا يتوقف على مجموعة شروط، أبرزها:

أولاً، إذا توفر شرط الاستمرارية في التزام تلك العائلات الروحية، ونقابات المهن الحرة، والجامعات والفاعليات الاقتصادية، والهيئات العمالية المشاركة علناً في المبادرة. لعل الاختبار الأهم الذي يمكن إخضاع كل هذه الأطراف والمؤسسات له، للتأكد من مدى التزامها، يتمثل في الدعوة لتنظيم إضراب عام في البلد. وفي مرحلة لاحقة، الدعوة إلى عصيان مدني. بالمناسبة، طالما أن الحركة الاحتجاجية عاجزة عن تنظيم إضراب عام ناجح، طالما أن الفشل والعجز سيكونان دائماً بانتظارها. أياً تكن ظروف لبنان اليوم، يبقى الإضراب العام أداة ضغط حاسمة، كفيلة بنزع الشرعية عن الحكّام وبالضغط من أجل إسقاطهم. هو أداة فتاكة بهم إذا كان مفتوحاً وشاملاً لجميع قطاعات ومؤسسات العمل والإنتاج.

يمكن لمشاركة كل تلك الأطراف في مبادرة نقابة المحامين أن تكون، في الوقت نفسه، نقطة قوة وفرصة أو نقطة ضعف وتهديد لها. كل ذلك يعكس حالة من عدم اليقين، لا بد للأيام المقبلة أن تبددها

والحال، هناك شكوك حول مدى صلابة وعمق التزام تلك الأطراف بالمبادرة، لاسيما أن عدداً منها يشكّل جزءاً من “السيستام” السياسي اللبناني، الطائفي، وتربطه علاقة تواطؤ تاريخية مع قوى السلطة المسؤولة عن الأزمة والانهيار. لذلك، يصعب تصوّر انقلاب بعض هؤلاء على المافيا الحاكمة. إلا إذا بات هناك تناقض مطلق بين كل هذه الأطراف من جهة، والأوليغارشية المهيمنة بالتحالف مع أحزاب السلطة التقليدية من جهة ثانية. وحده هذا التناقض، إنْ وُجِد، وإنْ تم إدراكه فعلاً من الجميع، يمكن أن يؤدي إلى تموضع جدي وصادق لتلك الأطراف باتجاه ملائم لتجدد الانتفاضة، وصولاً إلى تعديل موازين القوى لصالح التغيير. لعل الانهيار الاقتصادي والمالي ألحق خراباً بمصالح الجميع. فاستيقظوا وقرروا تغيير سلوكهم لصالح عملية تغييرية ما. بمعنى آخر، يمكن لمشاركة كل تلك الأطراف في مبادرة نقابة المحامين أن تكون، في الوقت نفسه، نقطة قوة وفرصة أو نقطة ضعف وتهديد لها. كل ذلك يعكس حالة من عدم اليقين، لا بد للأيام المقبلة أن تبددها.

ثانياً، أنْ تقول المبادرة بكل وضوح كيف ستواجه الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية. هل هناك إجماع في صفوف المشاركين بالمبادرة، على تطبيق وصفات “صندوق النقد الدولي” مثلاً؟ يجب أنْ تحدد أيضاً كيف ستحقق “الحماية الإجتماعية للشعب اللبناني” وكيف ستقيم “شبكة أمان إجتماعية (..)”؟ هنا، لا بد من الإشارة إلى غياب أي حديث عن إصلاح النظام الضريبي في لبنان. فهل هناك توافق بين المشاركين على  إقرار نظام الضريبة التصاعدية مثلاً؟ وهل أن المؤسسات الدينية المشاركة مستعدة لإخضاع أملاكها إلى نظام جباية الضرائب؟

ليس منطقياً أن يُطلب من نقابة المحامين ما كان مستحيلاً أن يطالب به كل أركان الطبقة السياسية عندما جمعهم إيمانويل ماكرون في قصر الصنوبر

لا يكفي الحديث العمومي عن الإجراءات الطارئة التي ينبغي اتخاذها لمواجهة أزمة “كورونا” وتداعيات تفجير مرفأ بيروت، وفرملة الانهيار، وسلة الإصلاحات الأولية التي يجب تحقيقها. ثمة حاجة للدخول في التفاصيل، خصوصاً تلك الخلافية. وهنا لا بد من ملاحظتين:

أولاً، الموضوع الخلافي الذي تناولته المبادرة يتمثل في قانون الانتخاب. هي تقترح تطبيق “اتفاق الطائف” لجهة إطلاق مجلس شيوخ يمثل الطوائف، وتنظيم الانتخابات النيابية وفق “قانون انتخابي خارج القيد الطائفي”. طبعاً، هنا لا تتحدث المبادرة عن الدائرة الواحدة ولا عن أي صيغة أخرى للدوائر الانتخابية. باب النقاش يبقى إذاً مفتوحاً. لكن أليس هناك تسرع في طرح هذه الصيغة غير الطائفية؟ أليس من الأفضل البدء بقانون مختلط، أي لتكن البداية مع تخصيص “كوتا” لمقاعد نيابية من خارج القيد الطائفي، يمكن زيادتها تدريجياً؟ أليس من الأفضل إقرار قانون مدني للأحوال الشخصية بما يتيح تجذّر وتوسع الهوية المدنية الجديدة في المجتمع اللبناني مع مرور السنين، ليُصار بعدها إلى إعادة تكييف قانون الانتخاب مع الواقع الاجتماعي الجديد المفترض؟

ثانياً، تتجاهل المبادرة مسألة خلافية معقدة، تتمثل في سلاح حزب الله. صحيح أن النقيب ملحم خلف، تحدث في كلمته عن دولة “تمارس سيادتها الفاعلة وسلطتها الحازمة بعدالة على كامل أراضيها وتصون حدودها بكل المعايير الوطنية”. وصحيح أيضاً أن أية دعوة علنية وحاسمة لنزع السلاح من شأنها أن تفجّر المبادرة الإنقاذية. لكن من غير الممكن اليوم طرح برنامج إنقاذي للبنان من دون تناول هذه الإشكالية التي تثير انقساماً داخلياً وتؤثر على علاقات لبنان الخارجية. مطلقو المبادرة مدعوون، شأنهم شأن قيادة حزب الله، إلى تقديم صيغة توافقية، تضمن إمكانية أن يدافع لبنان السيّد عن نفسه، بلا انقسام ومن دون أي تهديد لفرص إعادة النهوض بالاقتصاد وإعادة جذب الاستثمارات التي تحتاج إلى أمن واستقرار دائمين. هذه الدعوة لا تقلل من شأن مبادرة نقابة المحامين، إذ ليس منطقياً أن يُطلب منها ما كان مستحيلاً أن يطالب به كل أركان الطبقة السياسية عندما جمعهم إيمانويل ماكرون في قصر الصنوبر خلال زيارتيه الأولى والثانية إلى لبنان.

لعل أهم ما في مبادرة نقابة المحامين إقرارها المسبق بأنها غير جامدة وغير منزلة. ستكون خاضعة للنقاش والتطوير. وعليه، يمكن أن توفر نقلة نوعية في حال أحسنت جميع قوى الانتفاضة التعامل معها كفرصة يجب تعزيزها ودفعها وليس جرّها إلى الوراء.

نبيل الخوري

أستاذ في الجامعة اللبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free download udemy paid course