لبنانُ الفساد و”الدنانير”.. وشعبه غير السعيد!

درجت أقلام ومحابر وحناجر مستشارين، محسوبة على بعض أهل السياسة في لبنان، على اتهام الشعب اللبناني بالفساد، وراحت هذه الأصوات المكتوبة او المنطوقة، تكيل أسباب الإنهيارات الأخلاقية والسياسية والإقتصادية إلى عامة اللبنانيين، بإعتبارهم مقيمين على ثقافة الفساد بأشكالها كافة، الأمر الذي أدى إلى وقوعهم في حفائر حفروها، فوقعوا في التهلكة العظيمة: فقرا وعوزا ومذلة.

هذا النمط من المقولات التبريرية، يناقض كل سنن التاريخ بلا استثناء، ويتعارض بالمطلق مع الفضائين الديني والفلسفي، فالأنبياء والفلاسفة، غالبا ما اصطدموا مع أصحاب النفوذ والسطوة والسلطة، ومن خلال الوحي سعى الأنبياء والرسل إلى تغيير المنظومات الحاكمة من طغاة وملوك وتجار وكهنة أو التأثير بها، ومن خلال العقل سلك الفلاسفة المسلك نفسه، فتوجهت فلسفاتهم إلى أهل الحُكم والقرار، وعلى ذلك يتبين ان مهمة تغيير الأنماط الشائعة يكون منطلقها مع الطبقات الفوقية المسيطرة والمتنفذة، وليس عبر مواجهة الطبقات التحتية التي لا تلوي على شيء ولا حول لها ولا قوة، ولذلك جرى اضطهاد الأنبياء والفلاسفة.

من هذه الزاوية يمكن الإطلالة على دور النخبة في إصلاح المجتمعات وتهذيب الشعوب، وإخراجها من عتمة وظلمة “الأنا” الفاسدة وإدخالها إلى رحابة “النحن” والمجموع، أي المجتمع بشرائعه وقوانينه القائمة على قواعد التعاون بالبر والتقوى والإبتعاد عن الإثم والعدوان، وما الإثم والعدوان إلا الفساد ذاته وعينه ونفسه؟

في الفضاء الديني يمكن استرجاع واستعادة القصص الحكيمة من خلال الشواهد والمشاهد التالية:

ـ من السيرة المسيحية أولا:

ورد في إنجيل لوقا عن يوحنا المعمدان (النبي يحي بن زكريا) قوله لجباة الضرائب “لا تجمعوا من الضرائب أكثر مما فرض لكم”، وقوله للجنود “لا تظلموا أحدا ولا تشوا بأحد، واقنعوا بأجوركم”.

وفي إنجيل متى، أن إبليس سعى إلى الإيقاع بالسيد المسيح وأراه ممالك الأرض وأمجادها وقال له “أعطيك هذا كله إن سجدت لي وعبدتني”، فأجابه السيد بالقول “لا يمكن لأحد أن يعبد ربين”، أي الله والمال، ومجمل قوله الآتي “لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر، لن تقدروا أن تخدموا الله والمال”.

هل يمكن أن نلاحظ مرة أخرى ما يقول السيد المسيح “لا يمكن لأحد أن يعبد ربين أو سيدين” وما يقوله جان جاك روسو “البذخ والشرف لا يجتمعان في نفس واحدة”، وهل يمكن أن نلاحظ أيضا ما قال أحد الملوك لزوجته: أنا ملك ولست تاجرا!

وعلى هذا الصراط، سار الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو (1689 ـ 1755) مؤلف كتاب “روح الشرائع” الذائع الصيت عالميا، ففي كتابه “تأملات في تاريخ الرومان” يروي عن ملك كان في زيارة لمملكة صديقة، وحين انتهت الزيارة وعاد إلى سفينته، وجد فيها بضائع ومشغولات ومصنوعات مما لا يخطر على بال وخيال، ولما سأل زوجته عن محمولات السفينة وأقرت بأنها اشترتها، صرخ بها قائلا: أنا ملك وقد جعلتيني تاجرا.

وليس بعيدا عما سبق ذكره، فالفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712 ـ 1778) صاحب كتاب “العقد الإجتماعي” أحد اكثر الكتب شهرة في العالم، يقول في كتابه “مقالات في العلوم والفنون” إن البذخ والشرف لا يجتمعان في نفس واحدة.

بعد هذه المقتبسات من السيرة الإنجيلية ومن المقولات الفلسفية هل يمكن أن نلاحظ مرة أخرى ما يقول السيد المسيح “لا يمكن لأحد أن يعبد ربين أو سيدين” وما يقوله جان جاك روسو “البذخ والشرف لا يجتمعان في نفس واحدة”، وهل يمكن أن نلاحظ أيضا ما قال أحد الملوك لزوجته: أنا ملك ولست تاجرا!.

 لنقارن بين ما يقوله الدين وما تقوله الفلسفة وما هو واقع حال وأحوال غالبية أهل السياسة في  لبنان.

ـ من السيرة الإسلامية ثانيا:

من الأحاديث المنسوبة إلى الخليفة  الثالث عثمان بن عفان قوله “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن” مثلما أورد إبن كثير في “البداية والنهاية” أن الناس تتمثل بسلوك السلطان، ولو مشى على هدى اهتدت به، ولو سار على شر قلدته، فهو نموذج يُحتذى في الأرض، ناهيك عن خشية الناس من ردع وعقاب، خصوصا عند الذين تخف موازين إيمانهم وضمائرهم، فأولئك لا تردعهم تقوى ولا نهي عن المنكرات، ولكنهم يخشون ويخافون زواجر وعقوبات الحاكمين.

وفي “صحيح البخاري” وكتاب “الطبقات الكبير” لإبن سعد و”جامع بيان العلم وفضله” لإبن عبد البر، أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قال “اعلموا أنه لا يزالُ الناس مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم”.

ويورد إبن كثير في “البداية والنهاية” والدار قطني في “فضائل الصحابة” وكذلك الطبري في تاريخه، أن جند المسلمين، وبعد هروب كسرى من مدينة  المدائن أتوا بمتاعه وتاجه وسيفه وجواهره ومقتنياته وملابسه إلى عمر بن الخطاب فمدحهم بالقول “إن قوما بعثوا هذا لأمناء”، فقال له الإمام علي بن أبي طالب “عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا”.

هل أتاكم معنى الرتع؟

في “لسان العرب” لإبن منظور أن “الرتع الأكل والشرب رغدا، والأكل بشره، والإتساع في الخصب، وخرجنا نرتع ونلعب أَي ننعم ونلهو، وأرتعت الأرض أي كثر كلؤها”.

يتضح من كلام الإمام علي أن عفاف الجمهور من عفاف القادة، وحين يشذ الجمهور يكون الحاكمون قد سبقوه إلى الشذوذ، ومن هنا قوله ايضا حين سُئل: “كيف تفسد العامة من الناس” فأجاب “إنما هي من فساد الخاصة”، ومن المأثورات المنسوبات إلى النبي محمد قوله “صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي وإذا فسدا فسدت أمتي قيل: يا رسول الله ومن هم؟ قال: الفقهاء والأمراء” كما جاء في “بحار الأنوار” للعلامة المجلسي، أو في صيغة أخرى أوردها إبن عبد البر في “الإستذكار الجامع لفقهاء الأمصار” على الوجه التالي “صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء”.

أين تقع مسؤولية الفساد؟

على النخبة الحاكمة بالطبع، هكذا يقول الأنبياء ومن انتهج نهجهم، والأمر عينه يقوله الفلاسفة.

هي السلطة إذا، أو رجال السلطة أولا وأخيرا، وهم الرؤوس الذين يشبهون رؤوس السلالم التي يراد تنظيفها، فلا يمكن إجراء عملية التنظيف إذا لم تبدأ نقطة البداية من الأعلى، والأعلى هي رؤوس أهل الحل والربط، أو أهل القرار، أو أهل السياسة

ـ في الفلسفة ثالثا: 

إقرأ على موقع 180  "كرول" مجدداً بموافقة حزب الله: رأس رياض سلامة!

في سلسة “الحكماء يتكلمون” للكاتب الصيني تساي شي تشين، أن الفيلسوف تشوانغ تسي (369 ـ 286 ق.م) كان يقول “في الصين القديمة كان الملوك يحكمون بلا طمع، فكانت البلاد غنية مزدهرة”، ويقول تشوانغ تسي أيضا “إذا اعتبر الملك سعادة الشعب من سعادته اعتبر الشعب سعادته من سعادة الملك”.

هل تعير غالبية أهل السياسة في لبنان بالا وانتباها لسعادة الشعب؟ أم ترميه بذل الطوابير والشر المستطير؟

الفيلسوف الصيني الآخر لاو تسي الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد يرى أن أفضل الحكام “هم من لا يعرف الشعب بوجودهم” ويعتبر أن “الذين يحبون الدولة أكثر من أنفسهم يمكن ان يحكموا الدولة ويمكن الوثوق بهم”، وأما رائد الحكمة الصينية كونفوشيوس (550 ـ 479 ق.م) فكان من أوائل الداعين إلى عدم فصل الأخلاق عن السياسة، تماما كما هي حال الثلاثي الذهبي الفلسفي اليوناني سقراط ـ افلاطون ـ ارسطو، ويُنسب إلى سقراط قوله “إن على رجال الدولة أن يكتسبوا الفضيلة أولا”، وهذا ما جرى عليه الفيلسوفان الألمانيان إيمانويل كانط (1724ـ1804) وهيغل (1771ـ1831) الأول عبر نسق فلسفي متكامل من ضمنه “تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق”، والثاني من خلال “فلسفة القانون”، حيث يرى أن الدولة هي الفكرة الأخلاقية الملموسة.

حين يتحدث كونفوشيوس عن الحكومة الصالحة، يوجزها بالقول “إنها الحكومة التي تكون غايتها إسعاد الناس” و”لوازم الحُكم لازمة الأخلاق”، ويذهب أبعد من ذلك بكثير، إذ أنه يربط بين نزاهة الحكام واستقامة الناس وبين أهواء الحاكمين وانحلال المجتمع، وفي ذلك يقول “إن نفس الأمير مثل الهواء، ونفوس الناس مثل العشب، وحين يمس الهواء العشب، يتحرك الأخير بحسب اتجاهات الهواء أو الريح”.

هي السلطة إذا، أو رجال السلطة أولا وأخيرا، وهم الرؤوس الذين يشبهون رؤوس السلالم التي يراد تنظيفها، فلا يمكن إجراء عملية التنظيف إذا لم تبدأ نقطة البداية من الأعلى، والأعلى هي رؤوس أهل الحل والربط، أو أهل القرار، أو أهل السياسة.

كيف يمكن أن تفسد الدولة؟

في المعنى العام لا تفسد الدولة إلا إذا فسد رجالها، وأي كلام في خارج هذا السياق، هو عبث وبلا معنى، ولعل المعلم الأول أرسطو كان سباقا في تحليل فساد الدول وانهيارها، وله في هذا المجال قولان:

ـ الأول: “أخطر أنواع الفساد حين يحرض الحكام المتخاصمون الناس للخروج عن القوانين طمعا في الولاء، حينذاك تعم الفوضى وتعلو كلمة الرعاع”.

ألا يحدث هذا في لبنان؟

ـ الثاني: “تتلاشى الدولة عندما يتخاصم الحكام و يذهب كل حاكم إلى تفسير القوانين على هواه”.

ألا يفعل الحكام اللبنانيون ذلك؟ حيث لكل حاكم تفسيره، ولكل حاكم هواه، ولكل حاكم فقهاؤه ومستشاروه في الدستور والقانون!.

بما أن تشكيل الحكومة اللبنانية متعثر ومتعذر، وحتى لو تشكلت فلن تكون أكثر من ميدان للخناقات والصراعات، ثمة اقتراح بتغيير الوزارات واستحداث غيرها مثلما اقترح جحا على الملك بحسب إحدى قصص الأديب زكريا تامر، وذلك على الوجه التالي: وزارة الشموع (بدل الطاقة) ومهمتها توزيع الشموع مجانا على المواطنين على أن تُشعل فقط في المناسبات التاريخية، ويُستثنى الموظفون حين يقبضون رواتبهم الشهرية ويُسمح لهم بإشعال الشموع ليل نهار

يبقى السؤال مطروحا: هل يفسد الشعب؟ لا شك أن بعضه يفسد ولكن في الإقتصاد السياسي ثمة ما يسمى بالفساد الصغير La petite corruption والفساد الكبير La grande corruption، الأول ينجم عن الثاني ولا يمكن أن ينتج ذاتيا إذا لم يجد من يرعاه ويحميه.

وخلاصة الفساد الصغير تكمن في صغار موظفي الدولة الذين يتقاضون الرشى والهدايا لقاء إنجاز معاملات رسمية، أو في لجوء بعض الموظفين في القطاع الخاص لتمرير خدمات معينة مقابل أجور لا يستحقونها، وأما الفساد الكبير فيطال كبار المسؤولين في الدولة والحكومات، عبر اختلاس المال العام والصفقات الكبرى التي ترهق خزينة الدولة، والتهرب الضريبي والتجاوز الجمركي والتوظيفات العشوائية للأقارب والأزلام، والتلاعب بالقوانين، مما يُسقط الدولة ويدفع إلى تفشي ثقافة الفساد وجعلها من الطبائع الشائعة، وبمعنى آخر، فإن الفساد الصغير هو فساد أفراد، بينما الفساد الكبير هو فساد “جماعة الدولة” أي كبارها ورؤوسها والنافذون فيها.

-آخرا وليس أخيرا؛ كلام عن الحكومة:

بما أن تشكيل الحكومة اللبنانية متعثر ومتعذر، وحتى لو تشكلت فلن تكون أكثر من ميدان للخناقات والصراعات، ثمة اقتراح بتغيير الوزارات واستحداث غيرها مثلما اقترح جحا على الملك بحسب إحدى قصص الأديب زكريا تامر، وذلك على الوجه التالي:

ـ وزارة الشموع (بدل الطاقة) ومهمتها توزيع الشموع مجانا على المواطنين على أن تُشعل فقط في المناسبات التاريخية، ويُستثنى الموظفون حين يقبضون رواتبهم الشهرية ويُسمح لهم بإشعال الشموع ليل نهار.

ـ وزارة الأحياء والأموات (بدل الإقتصاد والصناعة والزراعة والصحة والشؤون الإجتماعية) ودورها إقناع المواطنين أن الطعام يحط من قدر الإنسان، فالحيوان وحده يكرس حياته كلها للحصول على الطعام.

ـ  وزارة الضرائب وهدفها إقناع المواطنين بأن البؤس الذي يعانون منه سببه قلة دفعهم للضرائب.

ـ وزارة المسرات والأفراح وعملها تذكير الناس بالقبور، فيشعرون بالفرح لأنهم مازالوا أحياء.

ـ وزارة الفضيلة وغايتها إنتاج مواطن محتشم إذا حل به ظلم أو ذل لا يغضب على الحكام، بل يندد بأفلام سعاد حسني!.

أخيرا: عود على بدء؛

كم مستشار مثل جحا لدى أغلب أهل السياسة في لبنان؟ كم قلم؟ كم محبرة وحنجرة؟

يا للمستشارين.. أو يا لشعراء الدنانير كما قالت العرب قديما.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ماكرون ـ بايدن: باريس تنتظر من واشنطن واقعية أكثر حيال لبنان