اللَبْننة أو.. بورتريه الخراب!

كنتُ أُلحّ على أصدقائي، وأنا في المهجر، ليقصّوا عليّ أخباراً عن الوطن. وبخاصّة، تلك النكات المبتكرة عن أهل السياسة، وتحديداً الأغبياء والتافهين منهم. فالشعب اللبناني مشهور، مثل الشعب المصري، بانتقاده الدائم لحُكّامه، والسخرية منهم. إنّها عادة متأصِّلة فينا، تنقلها جيناتنا من جيلٍ إلى جيل.

أخبروني نهفة، ذات مرّة، عن أحد نوّاب عكّار (السابقين). ففي معرض كلامه عن الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، وصَّف هذا النائب القرار الدولي المُطالِب بانسحابٍ شامل وكامل للمحتّل من أرضنا، بـ”القرار أربعميّة وربع” (وكان يقصد المسكين القرار 425). قد تكون تلك الخبريّة، عن “رئيس المخفر السابق”، من نسج الخيال. “تركيبة”، كما نقول بلغتنا العاميّة. ولكنّها قابلة جدّاً للتصديق، وبخاصّة في ذاك الزمن. الزمن الذي كان فيه “الوصي السوري” يرسم و”يفصِّل” السيناريوهات لحُكم بلاد الأرز، كما يشتهي. والمسارات التي يجب أن تُنتَهَج، للوصول إلى “حصن السلطة المنيع” في لبنان التسعينيّات.

كان على أولئك المرشّحين للمناصب المتنوّعة في السلطة والإدارة، أن يتمتّعوا بنوعيْن محدَّديْن من الكفاءات والمهارات. النوع الأوّل، كان يتطلّب اختيار شخصيّات تتمتّع بمستوى عالٍ من الانتهازيّة والقابليّة لتنفيذ كلّ ما يأمر به “السوري” بالحرف؛ والنوع الثاني، شخصيّات تتمتّع بمستوى عالٍ من الضحالة الفكريّة والنفسيّة والقابليّة لتفعيل عمليّة تتفيه المجتمع. وهذا ما حصل وترسّخ، في الحقيقة، طوال أكثر من ثلاثة عقود في تاريخنا. بماذا تفيد هذه التوطئة؟

تساعدنا، ربّما، على فهْم خلفيّات ما يتكشّف لنا، يوميّاً، من فصول الإخفاقات والانهيارات الأخلاقيّة للسياسة والسلطة في بلدنا البائس. إذْ إنّ ما يعمّ جحيمنا من سلوكيّاتٍ لأهل الحُكم، أسبابه معروفة. فلقد تبوّأ الانتهازيّون والتافهون، كلّ مواقع السلطة في لبنان. نعم، لقد حسموا المعركة لمصلحتهم، ومنذ سنين طويلة. إنّها مصيبة ما دونها مصائب. عقوبة ما بعدها عقوبات. وأثقل عقوبة للإنسان، هي أن يحكمه شخص أدنى منه، كما يؤكّد سيّد الفلاسفة أفلاطون. كيف تتظهّر تفاهة الحُكّام في لبنان؟

كصحافيّةٍ سابقة (الراحل غسان تويني كان يرفض بشدّة هذا التوصيف للصحافي)، أتحسّس معاناة زملائي في المهنة. هم يبحثون، ويُلِحّون في البحث، عن فُتات حدثٍ أو معلومةٍ أو تفصيلٍ ذي معنى وقيمةٍ خبريّة في عالم الإعلام. لكن، عبثاً يحاولون. رهيبٌ هذا القحط في الأخبار. فظيعٌ هذا التصحّر في الأحداث. حتّى “اختراع” صِيَغ المصادر المجهولة (مصادر مطّلعة ومقرّبة ومسؤولة ورفيعة..)، قد نَضَب نبعه. ومن أين سيأتون بالأخبار؟ لقد حصر حُكّامنا وسياسيّونا الحياة السياسيّة اللبنانيّة، كلّها، في قمقم. فصاروا يكرّرون الأخبار نفسها، وينقلونها عن “المسؤولين” عينهم: اجتمعوا. نفوا. اتّفقوا. تقاربوا. لم يتّفقوا. اختلفوا. اتّهموا. هاجموا. كذّبوا إلخ. هكذا أصبح حالنا. صحافة من دون أخبار وأحداث ومعلومات. صرنا صحافة “استقبل ووّدع” التي كنّا نسخر منها. ونهزأ من تفاهتها. ما العمل؟ ما هذا القنوط؟ أسبوع يقلب أسبوعاً، ولا شيء يتحرّك أو يتغيّر في البلد. بلى. يتغيّر عدّاد ضحايا كورونا ارتفاعاً، ومؤشّر الأسعار تحليقاً، ومستوى الاكتئاب صعوداً. يقول الروائي البرازيلي باولو كويللو: “عندما تكون الأيّام تشبه بعضها بعضاً، فهذا يعني أنّ الناس قد توقّفوا عن ملاحظة الأشياء الطيّبة التي تخطر في حياتهم”. لكن أين أشياؤنا الطيّبة يا كويللو؟

بات لبنان مصنع التفاهة السياسيّة الأوّل في الشرق الأوسط (وربّما سنحقّق أرقاماً عالميّة أيضاً). يستفيق حُكّامه وسياسيّوه صباحاً، لينصرفوا بعد قضاء حاجاتهم إلى لعبة الكباش. لعبة قبضايات الأحياء التافهة. أسخف الألعاب وأغباها، على الإطلاق. كباش في التنافس على التتفيه. تتفيه كلّ شيء

تقطع الساعات والأيّام والشهور الطويلة، لكنّها لا تقطع في أعمارنا. لا تقطع في عمر السياسة، أيضاً. مثلنا مثل المسلسلات التركيّة، تماماً. أي، إذا فاتتنا ثلاث أو أربع حلقات، فلن يفوتنا شيء. سنعود ونستأنف مشاهدة باقي الحلقات. ونفهم بسهولة مجريات الحبكة الدراميّة. كأنّنا لم نبرح الشاشة الصغيرة، ولا للحظةٍ صغيرة. فعندما يسير المرء بين أكوام الردم، لا يميّز تفاصيل الأشياء. كلّها خراب. خرابٌ فوق خراب، هو الخراب في النهاية. “تصنعون من الحمقى قادةً، ثمّ تسألون من أين أتى الخراب؟”، يستنتج ونستون تشرشل أشهرُ رؤساء وزراء بريطانيا.

نعم. ففي ذروة أقسى الأزمنة التي يواجهها البلد، لا تُنتِج السياسة عندنا سوى التفاهة. وأكثر. بات لبنان مصنع التفاهة السياسيّة الأوّل في الشرق الأوسط (وربّما سنحقّق أرقاماً عالميّة أيضاً). يستفيق حُكّامه وسياسيّوه صباحاً، لينصرفوا بعد قضاء حاجاتهم إلى لعبة الكباش. لعبة قبضايات الأحياء التافهة. أسخف الألعاب وأغباها، على الإطلاق. كباش في التنافس على التتفيه. تتفيه كلّ شيء. فلقد مسخ حُكّام لبنان كلّ العمل السياسي، في لعبة الكباش هذه. والأنكى، أنّهم لا يزالون يملكون وقاحة خياليّة في إعطاء قيمةٍ لكباشهم التافه. لتفاهتهم، بعامّة. يتفرّجون على ما جنته أيديهم القاحلة وعقولهم المريضة على اللبنانيّين، ويبدؤون بتبجيل الخراب الذي أوصلونا إليه، على دروب التفاهة. إنّه الخراب إيّاه الذي حكى عنه تشرشل. خراب، أين منه حروب الاحتلالات والاجتياحات التي عرفناها. فالخراب القائم على التفاهة، هو أفتك الخرابات. وبعد؟

لا يستطيع حاكمٌ في الدنيا أن يمعن في التخريب، قبل أن يجعل نظام التفاهة يسود. فالتفاهة تفضي، طبعاً، إلى التقصير، والتعثّر بالمعوّقات، ومن ثمّ الفشل. والفشل عندما يشتدّ، يصبح أكثر قدرةً على الأذيّة. فيفضي عندها، إلى الشرّ المطلق. إلى العنف والخراب. “فأغلب الشرّ في العالم ليس نتيجة النوايا الخبيثة، بقدر ما هو نتيجة انعدام الفكر”، تقول المفكِّرة الألمانيّة حنّة آرنت. والتي، إنْ أكملنا سرديّة منطقها، نجدها تؤكّد، “أنّ كلّ انحطاطٍ يصيب السلطة، إنّما هو دعوة مفتوحة للعنف”. إذن، في البدء كانت التفاهة. والحكاية تُكمِل مع سيادتها. فما هي التفاهة؟

الـmédiocratie هي المصطلح الذي يشير إلى النظام التافه، والذي يتمّ تنصيبه كنموذجٍ للحُكم. عُرِّب المصطلح بـ”نظام التفاهة”. لقد أوجد هذا المفهوم الفيلسوف الكندي آلان دونو، وجعله عنواناً لكتابٍ له عام 2015. ويبدأ تتفيه النظام، عبر ارتقاء التفاهة إلى مكانة المعيار الاجتماعي، في معظم دوائر السلطة. هي استراتيجيّة خبيثة، اعتمدتها العولمة المتوحّشة من خلال أساليبها الناعمة، بهدف ابتذال الواقع الراهن. استراتيجيّة، أعطت الأولويّة لصعود الرداءة والانحطاط، عبر تغييب الأداء الرفيع وتهميش منظومات القيم وإبراز الأذواق المنحطّة. استراتيجيّة، تُقصي الأكفّاء وتُخلي الساحة لشريحة عريضة من الجاهلين وذوي الثقافة الضحلة. استراتيجيّة، تبخِّس الرموز وتدمِّر المؤسّسات وتحطّ من العوامل الذاتيّة للصمود. استراتيجيّة، تشجّع على ثقافة الاستهلاك في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأكاديميا والإعلام والثقافة والفنّ. استراتيجيّة، تمزّق ترابط الأنسجة المجتمعي وتُخصي الأفراد عبر تجريدهم من كلّ شيءٍ يشبه العنفوان وعزّة النفس. استراتيجيّة، تدرِّب الجماهير على كيفيّة عدم استعمال العقل، إلاّ بالحدّ الأدنى من إمكانيّاته.

الأكيد، أنّ هناك خطّة خبيثة غير معلنة لدى قوى هذه الطبقة السياسيّة الحاكمة. خطّة، لها دعائم وتكتيكات. خطّة، تقضي ببناء الكثير من الجدران والقليل من الجسور بين أبناء الوطن

نظامنا الحالي في لبنان، هو نسخة طبق الأصل عن نظام التفاهة هذا. هو نظام تفاهة لبناني قُحّ، ويحمل الجنسيّة اللبنانيّة منذ أكثر من مائة سنة. يرمي نظام تفاهتنا، في أقدس طموحاته، إلى إسباغ الابتذال والبهرجة على كلّ ما يقوم به. أو بالأحرى على ما لا يقوم به. إبتذال وبهرجة مصحوبيْن، وهذا هو الأخطر، بتعظيم التقصير والاستهتار والفشل. تقصير حُكّامنا واستهتارهم وفشلهم. فأركان الطبقة السياسيّة اللبنانيّة، والتي باتت تسميتها بالمافيا تحظى بشبه إجماع، هم عصارة تفاهات تزهو بانهيارها الأخلاقي. وتُظهِر حياله، سذاجةً موصوفة وقصوراً فظيعاً وعجزاً قلّ نظيره. عذراً على هذه النعوت. إنّها ليست هدْراً للكلام. فالنعوت تقتل اللغة، صحيح. لكنّ “القول” فعلٌ يحرّر، ولو قليلاً، من أسْر حالات التفاهة المضنية التي نعيشها في بلادنا. نحن اللبنانيّين، بتنا رهائن حالات التفاهة المضنية في هذه البلاد. تفاهة سمح أصحاب الفكر النقدي (إذا كانوا ما زالوا موجودين في وطننا)، بارتقائها. والأمثلة لا تنضب عن مساهمة التفاهة في فساد هذه المافيا الحاكمة. وعن مساهمة هذه المافيا الحاكمة، في اهتراء المؤسّسات وتخريبها وقتلنا. فإهمال وتقصير وتفاهة سلطة نيترات الأمونيوم، هي التي جعلتنا نتشظّى أشلاءً في سماء بيروت. عصاباتٌ مجرمة تُرِكت، من قِبَل هذا الشعب، على غارب تقصيرها وعجزها وإهمالها. فماذا أنتجت لنا؟

أنتجت نوعاً جديداً من السياسات، اسمه “سياسة الدهشة في الربع ساعة الأخيرة”. وقوام هذه السياسة، قولٌ ممجوج لمسؤولينا: “ظهْرُنا على الحائط. فماذا تريدون منّا أن نفعل أكثر؟”. يعني، كلّ شهور وسنوات الإهمال والتقصير والغفلة والنوم للرؤساء والنوّاب والوزراء، لم تتسبّب بما نتخبّط به من كوارث. بل، الشعب هو أساس المشكلة. كيف لا، وقد خرجنا إلى الشوارع نطالب بإسقاطهم؟ نحن، يا أيّها الناس، أمام سلطةٍ تنتقم من ثورةٍ فشلت في الإطاحة بها. هذا بيت القصيد. مدعوماً بتفاهة وعجز، غير مسبوقيْن في التاريخ الحديث، في إدارة الدولة. مريبٌ أمرهم!

ففي ظلّ الاستعصاء السياسي الذي يواجه تشكيل الحكومة، وانشغال رئيس البلاد بتفسير الدستور الذي بات أشبه بأغنية “قصقص ورق ساويهن ناس”، تلتفت كلّ الأنظار اليوم إلى “بيت الشعب”، سائلةً الربّ “يا إلهي لماذا أقفلتَ الملاهي؟”. طبعاً، كلّكم يا أصدقاء رأيتم نوّاب الأمّة، وهم يُدينون أنفسهم بأنفسهم. إذْ، وبكلّ وقاحة واستغباء لناخبيهم، صاروا يهنّئون بعضهم بعضاً. أوَّهْ منكم، على ماذا؟ على إقرار قانون لاستيراد المستلزمات الطبيّة المتعلّقة بكورونا (اللقاحات).

والسؤال يطرح نفسه هنا: ما هي مهارة التافه؟ هي التعرّف على تافهٍ آخر، ليتبادلا الدعم سويّاً. نعم. لقد تحوّلت، عضويّاً، أدوار هيئات النظام عندنا. فبينما تكمن هذه الأدوار في إدارة الشأن العامّ، من خلال قراراتٍ تنفيذيّة وخلْق منظومةٍ تشريعيّة كاملة متكاملة، نراها تتكرّس لخلْق تعارضاتٍ وتناقضاتٍ جديدة مع النصوص القانونيّة. ما يقف حائلاً وسدّاً منيعاً أمام تطبيق القوانين. فلنمرِّر الكاميرا في “لقطة ماسحة” سريعة على سلوك مسؤولينا العاجز والمدهوش (في الربع الساعة الأخيرة)، أمام مطبّات التشريعات الموجودة:

عدم إقرار الموازنات والصرف بطريقةٍ غير شرعيّة وإبقاء باب الإنفاق متفلِّتاً (كلّنا يذكر حكاية إبريق الزيت عن الـ 11 مليار دولار الضائعة)؛ تأخير سنّ قوانين انتخاب، كي نقترع في نهاية المطاف كيفما تيّسر؛ الكابيتال كونترول؛ التدقيق الجنائي والفضيحة المجلجلة مع شركة الفاريز؛ الدولار الطلاّبي؛ المصير المجهول لمئات الكومبيوترات، والتي بدأت قصتها في مرفأ بيروت سنة 2018؛ أطنان الطحين العراقي العائمة بالمياه في المدينة الرياضيّة؛ المعدّات الطبيّة التي بقيت معلَّبة في الصناديق في المدينة الرياضيّة، أيضاً؛ المستشفى الميداني القطري المخصّص للجنوب و”أهداه” رئيس برلماننا لبيروت، إنهاءً لتنازع “الثنائي” عليه.. هل تكفي كلّ هذه المهازل في لَبْننة الأزمات والفواجع؟ لَبْننة التلقيح.. لَبْننة الفساد.. لَبْننة الإجرام.. بات مفهوم اللَبْننة يا ناس، عنوان الانطلاق نحو التتفيه والفشل والخراب. ماذا بعد؟

الأكيد، أنّ هناك خطّة خبيثة غير معلنة لدى قوى هذه الطبقة السياسيّة الحاكمة. خطّة، لها دعائم وتكتيكات. خطّة، تقضي ببناء الكثير من الجدران والقليل من الجسور بين أبناء الوطن. خطّة، هدفها عدم فعل أيّ شيء. أي، هي خطّة القرار باللّاعمل. لماذا هذه العطالة المطلوبة؟ لأنّها تقضي بأن يدفع اللبنانيّون “الخسائر” بيدهم. نعم، هكذا باختصار. عادةً، ينكشف في الحُكم زيف الأخلاق. ومشكلة الأخلاق في بلادنا، هذه الأيّام، أنّها تموت قبل أصحابها. فحُكّام مثلهم، جلّ ما ينشغلون به هو التفنّن في قتل طموح الناس، فماذا يستحقّون برأيكم؟ بعد هذا البلاء الذي ابتُلينا به (بفضلهم)، ليس هناك أيّ طقوس من الكلمات يمكن أن ترمِّم ذلك الخراب العظيم.

كلمة أخيرة. يقول الفيلسوف وعالم المنطق البريطاني برتراند راسل: “إذا شعرت بأنّ سفينتك تغرق، فقد يكون هذا هو الوقت المناسب للتخلّص من الأشياء غير الضروريّة التي تُثقِلها”. علينا التخلّص ممّن يُغرِق سفينة حياتنا في الجحيم. لا داعي للتذكير بهم وبأسمائهم ومَن يكونون. تعرفونهم حقّ المعرفة. إقتضى، فقط، أن نُسقِطهم من دون رحمة.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course