قرض فقراء لبنان.. أول غيث شروط الدعم الدولي

عقد لبنان إتفاقاً مع البنك الدولي للحصول على قرض يخصص لإعانة لفقراء. من ثناياه، تطل بعض الشروط الدولية الصارمة، وأبرزها الإقلاع عن الزبائنية السياسية وتوحيد أسعار صرف الليرة اللبنانية وإعداد قاعدة بيانات وإحصاءات شفافة ودقيقة عن الواقع الإجتماعي المتردي.

أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية منصة الكترونية تسمح بتقديم طلبات للراغبين بالاستفادة من قرض البنك الدولي المخصص للرازحين تحت خط الفقر المدقع، والبالغة قيمته 246 مليون دولار. يرمي المشروع الى تقديم إعانات لنحو 200 الف أسرة لبنانية، من ضمنها 50 ألفاً تستفيد من برنامج الغذاء العالمي الممول بمنحة من الاتحاد الأوروبي والحكومة الألمانية.

يخصص المشروع تمويلاً لتغطية احتياجات أساسية، غذائية وغير غذائية، بقيمة 204 ملايين دولار، بالاضافة إلى تحويلات نقدية بقيمة 23 مليون دولار للطلاب ابناء الفقراء المستفيدين لتغطية رسوم التسجيل (المدرسي والمهني والجامعي) والكتب والزي ومعدات الحاسوب ومعدات التعليم المهني. الى ذلك، يوجه جزء من القرض (10 ملايين دولار) لتعزيز قدرات وانظمة وزارة الشؤون ومراكزها في المناطق، ووضع استراتيجية للوصول الى المجتمعات المهمشة، وانشاء آلية  لمعالجة المظالم، وتصميم نظم للمتابعة والرصد. وهناك 9 ملايين لدعم تنفيذ برنامج شبكة الأمان الإجتماعي بكامل احصاءاته، وانشاء سجل اجتماعي متكامل خاضع لاعمال التدقيق الفني والمالي الداخلي والخارجي. كما لحظت اتفاقية القرض بنداً للاستجابة الفورية لأزمة محتملة او حالات طوارئ صحية، على ان تعد الوزارة دليلاً خاصاً بتلك الحالات وتقديمه الى البنك الدولي للموافقة عليه.

وردت في اتفاقية القرض جملة شروط للحؤول دون الإخلال بمبدأ حصول الأكثر فقراً على المساعدات المطلوبة. ومن تلك الشروط اعداد دليل عمليات يوافق عليه البنك الدولي، واشراك فريق خبراء استشاريين من اكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني وذوي الخبرة في مجال مكافحة الفقر، وانشاء نظام للشكاوى ومراجعة تظلمات المواطنين.

وعلى وحدة المشاريع في البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً التابعة لوزارة الشؤون التحقق من المستفيدين عبر زيارات للأسر، وإجراء المسح الاستقصائي اللازم وإحالته الى الادارة المركزية في رئاسة الحكومة التي تقوم بتأكيد الأهلية.. وعلى وزارة التربية متابعة التحاق الطلاب بالمدارس الحكومية.

في تجارب سابقة، واجهت وزارة الشؤون سيلاً من الطلبات المفخخة بعشرات آلاف أسماء الأسر غير المصنفة ضمن الأكثر فقراً. وهي تواجه يومياً تدفق آلاف الطلبات على منصتها والمتوقع تجاوزها 3 اضعاف المقدر اعانته بقرض البنك الدولي

نظرياً، هناك عدة حلقات لجعل الاستفادة من القرض حصراً من نصيب الأكثر فقراً، لكن ماذا لو دخلت عوامل “توزيع” زبائنية بفعل زعماء وسياسيين لافادة من هم في  دوائرهم الانتخابية او ضمن دوائر مناصريهم او محازبيهم بغض النظر عن درجة فقرهم؟ وماذا لو طبقت قاعدة 6 و6 مكرر الطائفية حرصاً على التوازن المزعوم بغض النظر عن أكثرية الفقراء في هذه الطائفة او ذلك المذهب؟  إذا حصل ذلك، وكان مكشوفاً للبنك الدولي، أو تسنى من يبلغ عنه او يفضح أدلته على الملأ، او ظهر في سجلات التظلمات التي هي من شروط القرض، فان السلطة اللبنانية ستجد نفسها مرة أخرى عارية أمام مجتمع دولي لم يعد يتورع كثيراً عن التلميح الى سياسيين فاسدين في لبنان تحول ممارساتهم دون تدفق القروض والمساعدات الى البلد المنهار اقتصادياً وماليا. وفضيحة كهذه ستؤثر حتماً على قروض ومساعدات أخرى يعول عليها لبنان للخروج من الهوة السحيقة التي وقع فيها. وفي تجارب سابقة، واجهت وزارة الشؤون سيلاً من الطلبات المفخخة بعشرات آلاف أسماء الأسر غير المصنفة ضمن الأكثر فقراً. وهي تواجه يومياً تدفق آلاف الطلبات على منصتها والمتوقع تجاوزها 3 اضعاف المقدر اعانته بقرض البنك الدولي.

على صعيد متصل، يشكل القرض فرصة ذهبية للبنان اذا طبقت شروطه بحذافيرها، خصوصاً اعداد قائمة بيانات حقيقية عن الفقر في لبنان. فالاحصاءات المتداولة عن نسب الفقر عموماً تراوح بين 55 و75 في المائة مع شبه غياب للتقدير الدقيق لنسبة الأكثر فقراً المتزايدة مع تسارع تداعيات الأزمة وأثرها السلبي المتدحرج على شرائح جديدة من السكان يوماً بعد يوم. لذا، فان تخصيص مبلغ 10 ملايين دولار من القرض لتعزيز قدرات وزارة الشؤون عموماً، ووضع استراتيجية للوصول الى الفئات المهمشة خصوصاً، مع تصميم نظم متابعة ورصد، يعد فرصة للوزارة لتتحول الى مرجع لاحصاءات الفقراء ومناطقهم وأوضاع أسرهم، وتلك القاعدة قابلة للتحديث تباعاً وفقاً لتطور الاوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد.

قرض البنك الدولي هو بالون الاختبار الاول الذي سيراقب المجتمع الدولي انطلاقته لمعرفة ما يستطيع اللبنانيون تحمله من تضحيات للنهوض بوطنهم، و لجس نبض السلطات السياسية والمالية والنقدية المترددة حتى الآن في قبول الاصلاحات المفروضة عليها

واذا احسنت وزارة الشؤون ادارة المشروع، وعملت فرقها جيداً بعلمية وحيادية بعيداً عن أي ضغط سياسي، كما يشترط البنك الدولي، من خلال الزيارات الميدانية والاستقصاءات المطلوبة ، فانها ستجمع معلومات “سوسيوـاقتصادية” هائلة تحتاجها الدولة اليوم وغداً لاسباب كثيرة ليس أقلها ترشيد الدعم وجعله يصل إلى مستحقيه فقط بما يخفف كلفته الاجمالية النازفة بمليارات الدولارات من مصرف لبنان.

إقرأ على موقع 180  ماذا فعلتَ يا سماح؟

ماليا، ستصرف المساعدات بالليرة اللبنانية، بعد اتفاق بين البنك الدولي ومصرف لبنان على سعر صرف المنصة (3900 ليرة) مضافاً اليه 60 في المائة (حالياً)، اي 6240 ليرة للدولار وفق دراسات قدمها البنك المركزي تراعي معدلات التضخم. تلك القاعدة، التي اكد مصرف لبنان انها قابلة للتغيير بموازاة التضخم، ستفرض نفسها من الآن فصاعداً مع اي قرض دولي مقبل، ما يعني ان مصرف لبنان قبل رسمياً بسعر جديد للدولار هو أقرب الى اسعار السوق السوداء منه الى سعر المنصة ويساوي اكثر من 4 اضعاف السعر الرسمي البائد الذي صمد 23 سنة عند 1500 ليرة للدولار. وسينسحب ذلك على المفاوضات المقبلة مع صندوق النقد الدولي الداعي الى توحيد اسعار الصرف وترك هامش للتعويم ريثما تستقر الاوضاع النقدية والمالية تدريجياً بعد بدء تطبيق الاصلاحات وحصد نتائجها. ويذكر ان صندوق النقد، ولاصدار تقديره الأخير لتراجع حجم الناتج اللبناني، وتحديد قيمته الجديدة عند نحو 19 ملياردولار هبوطاً من 54 ملياراً، اعتمد سعر 6 آلاف ليرة للدولار. فهل سنشهد تثبيت ذلك السعر في المرحلة المقبلة لتنتظم حسابات الدولة والقطاع الخاص والمواطنين بدلاً من الرقص المضاربي الفوضوي على عدة اسعار حالياً؟

مما سبق، يبدو ان قرض البنك الدولي هو بالون الاختبار الاول الذي سيراقب المجتمع الدولي انطلاقته لمعرفة ما يستطيع اللبنانيون تحمله من تضحيات للنهوض بوطنهم، و لجس نبض السلطات السياسية والمالية والنقدية المترددة حتى الآن في قبول الاصلاحات المفروضة عليها. أجل، دقت ساعت الحقيقة بعدما جنت على نفسها براقش!

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ماذا عن الجُرعة الثالثة.. ماذا عن الأنفلونزا الموسمية؟