ليفرج نادي رؤساء الحكومات عن الطائف
Sitting between Lebanese Parliament speaker Hussain al-Hussaini (R) and deputy Abdelallah Rassi (L), the Arab League envoy, Algerian Lakhdar Ibrahimi puts his hand on his forehead 29 September 1989 in Taif after the members of Lebanese National Assembly started to discuss the charter of national reconciliation. The session was attended by 31 Christian and 31 Muslim MP's. At a further meeting 22 October 1989, the charter of national reconciliation (the Taif Agreement) was endorsed by 58 of the 62 deputies attending the session. The Taif agreement provided for the transfer of executive power from the presidency to a cabinet, with portfolios divided equally among Christian and Muslim ministers. (Photo credit should read NABIL ISMAIL/AFP via Getty Images)

"يشهد لبنان منذ عام  ٢٠٠٥ سباقاً محموماً بين لبنان الحلم ولبنان التردي، لبنان الازدهار والاستقرار والديمقراطية ولبنان التخلف والفوضى والاستبداد، لبنان الثقافة ولبنان الظلام، لبنان السيادة الوطنية ولبنان التبعية والانهزام. كلا المصيرين طَرقَ أبوابنا ولا يزال". فلأي مصير تسير بنا الازمات المتراكمة؟

يواجه لبنان اليوم أزمات عديدة، سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية، تسير فعلاً باللبنانيين إلى الجحيم. تشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن حوالي نصف سكان لبنان هم دون خط الفقر، ومن سوء حظ اللبنانيين أن المسؤولين لم يبادروا إلى معالجة أي من الازمات التي يواجهونها. إنهم مشغولون بتأزيم الوضع السياسي وتجاهل الأوضاع الإقتصادية والمالية وكل ذلك يسير بلبنان من السيء إلى الاسوأ الذي لا قعر له!

ما هذا النظام الذي يسمح أن يصل لبنان واللبنانيين الى الحضيض؟ هل اتفق نواب لبنان في مدينة الطائف على هذا النظام الذي لم يجلب سوى الازمات والانهيارات والويلات على لبنان واللبنانيين منذ ان استعادوا “سيادتهم” في ربيع ٢٠٠٥؟

كانت الحكومات قبل الطائف وخلال فترة الوصاية السورية تشكل خلال مدة لا تتجاوز الاسبوعين. طالت مدة التشكيل منذ ان استعاد لبنان “سيادته” وتراوحت بين الشهرين لحكومتي الرئيس فؤاد السنيورة وأحد عشر شهرا لحكومة الرئيس تمام سلام، ومعظم الحكومات كانت تشكل بعد اعطاء الخارج المعني مباشرة بلبنان الضوء الاخضر للتشكيل. احتاج الذين كلفوا بتشكيل الحكومات منذ الانتخابات النيابية في عام ٢٠٠٥ لغاية اليوم حوالي الاربعين شهرا. بكلام اخر، كان لبنان من دون حكومة لمدة ثلاث سنوات واربعة اشهر خلال الخمس عشرة سنة الماضية.

هل هذا هو الطائف؟

إذا كان هذا هو إتفاق الطائف فهو مرفوض بالمطلق.

لقد لفت إنتباهي أن اعضاء نادي رؤساء الحكومات، يستمرون بالدفاع عن  النظام الحالي ويتجاهلون ان ما طبق من وثيقة الوفاق الوطني هو القليل القليل. ماذا يتطلب لاقناع كل القيادات اللبنانية، وبالاخص نادي رؤساء الحكومات، ان اتفاق الطائف كما يطبق هو مصدر ازمات متواصلة ومستمرة، ولبنان بحاجة الى تطبيق كل توصيات الطائف لينعم بالاستقرار والازدهار والطمأنينة؟

ان دفاع نادي رؤساء الحكومات المستمر والمستميت احيانا عن هذا النظام يعطي الانطباع وكأن الطائف صُنع لاجلهم. ان ذلك يضعف الطائف ومرفوض بقوة. ان لم يكن الطائف لكل المكونات اللبنانية، فلن يكون لأحد منهم.

كان الطائف بمثابة مؤتمر تأسيسي حدث بعد حوالي عقد ونصف من حروب خارجية وداخلية على ارض لبنان. ان تنفيذه بالكامل يعفي لبنان من الحاجة إلى عقد مؤتمر تأسيسي آخر؛ مؤتمر حتما آتٍ إذا لم يصلح النظام الحالي

ان نظام الطائف كما يُطبق، واياً كان رئيس الجمهورية، سيبقى عاجزاً عن اعطاء لبنان واللبنانيين الاستقرار والازدهار والامان والطمأنينة والديموقراطية. هذا النظام لن يعيد للبنان دوره المميز في المنطقة والميادين الاقتصادية والمالية والاجتماعية الريادية التي اشتهر بها خلال العقود الاولى بعد الاستقلال.

بالاضافة الى كل ذلك، يشهد لبنان، منذ ان استعاد “السيادة”، هجرة الأدمغة من كل الطوائف والمذاهب، وقد تضاعف ذلك منذ بداية الانهيار الاقتصادي وتفشي وباء الكورونا، بإلاضافة الى هجرة شركات الخدمات والاعمال الاقليمية والدولية المعنية بالمنطقة والتي تفضل لبنان مقرا وتتوق للعودة الى بيروت الآمنة لتنعم بالحرية الاجتماعية وتوفر الكفاءات والعمالة الماهرة والمناخ ووسائل الترفيه وغيرها وغيرها.

بالرغم من تلك السلبيات القاتلة، ما زال البعض يتمسك بهذا النظام ويخوّن من يطالب بتطويره. هذا النظام المُطبّق في لبنان ليس وثيقة الوفاق الوطني او اتفاق الطائف. هذا النظام  يشكل بندا واحدا لا غير من الوثيقة ويتضمن انتقال معظم صلاحيات رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا وليس إلى رئيسه. النظام الحالي سبب الفوضى والانهيار في كل المجالات. لو طُبقت توصيات الطائف بالكامل كما توقع النواب المشاركون في المؤتمر عام ١٩٨٩ لما وصلنا الى هذا القعر السياسي والمالي والاقتصادي والاجتماعي أبداً.

اتفاق الطائف او وثيقة الوفاق الوطني هو وفاق بين نواب لبنان، انتخبوا عام ١٩٧٢ واجتمعوا في بلدة الطائف السعودية في تشرين الاول/اكتوبر ١٩٨٩ واصدروا الوثيقة الشهيرة. تضمنت الوثيقة توصيات عديدة لتجديد النظام وتطويره والمبدأ الاول (فقرة أ) نصّ على ان “لبنان وطن سيد حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات، في حدوده المنصوص عليها في الدستور اللبناني والمعترف بها دولياً”. اما المبدأ العاشر (فقرة ي) فنصّ على ان “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”. انه نظام طائفي بامتياز ويسري مفعوله على كل الاراضي اللبنانية.

تضمنت الوثيقة بنودا اصلاحية عديدة، اما البنود الرئيسية التي من شأنها تطوير النظام فهي باختصار: (أ) انتقال معظم صلاحيات رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعًا؛ (ب) الغاء الطائفية السياسية؛ (ج) انتخاب مجلس نواب على اساس غير طائفي ومجلس شيوخ يمثل الطوائف؛ (د) اعتماد اللامركزية الادارية الموسعة من ضمن دولة مركزية قوية.

كان الطائف بمثابة مؤتمر تأسيسي حدث بعد حوالي عقد ونصف من حروب خارجية وداخلية على ارض لبنان. ان تنفيذه بالكامل يعفي لبنان من الحاجة إلى عقد مؤتمر تأسيسي آخر؛ مؤتمر حتما آتٍ إذا لم يصلح النظام الحالي ويتطور ليسمح للبنانيين جميعا ان يبقوا في وطنهم ويلتحقوا بركب القرن الحالي. ومن دون ذلك، ستستمر الادمغة اللبنانية بالهجرة ويصبح لبنان بلد الفوضى والتخلف والاستبداد.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  كورونا وصحتنا النفسية: خلط المخاوف بالأوهام!
عبد الله بو حبيب

سفير لبنان الأسبق في واشنطن

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  المقارنة بين ”طالبان” وفيتنام.. ”حرام شرعاً”!