تزايد حالات الانتحار لبنانياً.. هرباً من الواقع!

يعاني لبنان من أزمة اقتصادية انفجرت في خريف العام 2019 وتزداد حدتها سنة بعد سنة مترافقة مع أزمات سياسية تعيق انتظام الحياة السياسية في البلد، ما أدى إلى إنهيار أغلب القطاعات وتعطل الخدمات العامة الأساسية وإنهيار قيمة العملة الوطنية وتراجع القدرة الشرائية للبنانيين وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

هذه الوقائع اللبنانية القاسية باتت تشكل عاملاً ضاغطاً على اللبنانيين وتتجلى إحدى أبرز ظواهرها بتسجيل إثنتي عشرة حالة انتحار منذ مطلع العام 2023 لفئات عمرية مختلفة وفي مناطق لبنانية عدة، وثمة قناعة أن العدد قد يكون أكبر اذا أضفنا اليه حالات وفاة لم تسجل على أنها انتحار بطلب من الأهل لأسباب عدة.

ظاهرة الانتحار ليست جديدة على المجتمع اللبناني لا سيما في السنوات الاخيرة، إذ بلغ عدد من أقدم على الانتحار في العام 2021 وفق شركة “الدولية للمعلومات”، 128 حالة، ليرتفع في العام 2022 الى 138 حالة. ومع أن العام 2023 ما زال في بداية فصله الأول، إلا أن حالات الإنتحار المسجلة حتى الآن، تستدعي دق ناقوس الخطر والعمل على تدارك تلك الظاهرة، ويبدو أن المؤسسات التعليمية وهيئات المجتمع المدني كانت السباقة في هذا الاطار.

فقد أجرت الجامعة الأميركية في بيروت دراسة عن الأثر النفسي الذي خلّفه الحجر الصحي والتعليم عن بعد على الطلاب، بيّنت أن 42.3% منهم يعانون من إكتئاب وأرق، فيما يعاني 75.3% منهم من التوتر الحاد. وأظهرت دراسة للجامعة الأميركية اللبنانية في بيروت بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس من العام 2020 أن 16.17 % من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، يعانون من اكتئاب شديد وأن 59.5% من الفئة الأكثر فقراً تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة ومنهم من تضرر بشكل مباشر من انفجار المرفأ.

تعتبر رندة شليطا أن ظاهرة الانتحار “غير مستغربة وتعتبر إهانة لشعب فقد الأمل بفعل الاكاذيب التي تليت على مسامعه لسنوات عديدة”، مضيفة أن أسباب الإنتحار التي تحدث في لبنان حالياً، “لا دخل لها بنقص مادة “السيروتونين” التي تتسبب بالاكتئاب وتدفع للانتحار، بل هي مرتبطة بالشعور بفقدان الأمل وأدنى مقومات الحياة

يتوافق التوصيف الذي خلصت اليه الدراستان عن الوضع النفسي للبنانيين مع نتيجة التقرير الذي اعدته مؤسسة “غالوب العالمية للمشاعر 2020” (Gallup Global Emotions 2020) والذي أظهر “أن اللبنانيين من أكثر 10 شعوب توتراً وحزناً في العالم”، وهو ما يفسر بدوره “ازدياد نسبة استهلاك مضادات الاكتئاب والمهدئات بنسبة 20 % عما كانت عليه” وفق ما كشفته نقابة الصيادلة في لبنان.

وفي تحليل لظاهرة الانتحار، اعتبرت رئيسة قسم الطب النفسي في الجامعة اللبنانية – الأميركية جوسلين عازار أن “أسباب الانتحار متداخلة غير أن معظمها مرتبط بشكل مباشر باضطرابات نفسية مثل الاكتئاب الذي يشعر به معظم اللبنانيين نتيجة الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة”، ذلك أن اغلبهم “لم يستطع التأقلم مع هذه الأوضاع الصعبة لا سيما منهم الأشخاص الذين لديهم أساساً اضطراب نفسي”، لذلك نشهد حالات انتحار. من هنا أهمية التركيز على “نشر التوعية في المجتمع وضرورة الاهتمام بالصحة النفسية”. وهو ما تؤكده أيضاً لين لطيف الاختصاصية في علم النفس والعلاج السلوكي – المعرفي من أن “التحديات التي يواجهها المواطنون في هذه الأيام خلقت حالة من الكآبة واليأس لديهم طالت جميع الفئات العمرية بدون استثناء”، وهذا ما دفع قسماً منهم للجوء إلى عيادات الأطباء النفسيين أو إلى الجمعيات حيث الكلفة المادية اقل، وهو ما تشجعه لين لطيف لأنّ الاهتمام بالصحة النفسية هو مفتاح الصحة العامة.

أما المحللة النفسية والأستاذة الجامعية رندة شليطا فتعتبر أن ظاهرة الانتحار “غير مستغربة وتعتبر إهانة لشعب فقد الأمل بفعل الاكاذيب التي تليت على مسامعه لسنوات عديدة”، مضيفة أن أسباب الإنتحار التي تحدث في لبنان حالياً، “لا دخل لها بنقص مادة “السيروتونين” التي تتسبب بالاكتئاب وتدفع للانتحار، بل هي مرتبطة بالشعور بفقدان الأمل وأدنى مقومات الحياة في ظل الوضع الاقتصادي التعيس والمنهار”.

وتعتبر المعالجة النفسية في جمعية “إمبريس-Embrace” للصحة النفسية ميرا دالي بلطة أن الدراسات العلمية “تظهر أن 75% من حالات الانتحار تحدث في البلدان المنخفضة إلى متوسطة الدخل”. وهو ما يفسر برأيها انتشار ظاهرة الانتحار في لبنان بعد أن صار قسم كبير من اللبنانيين ممن كانوا من متوسطي الدخل تحت خط الفقر، مما سبب صغطاً على صحتهم النفسية وأدى إلى تزايد شعورهم بالعجز. لذلك عمدت الجمعية إلى انشاء خط ساخن لتلقي الاتصالات وتقديم الدعم والاستشارات لمحتاجيها، وكان أغلبهم من الشباب الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و25 سنة، وقد فاقت الاتصالات قدرة الجمعية وامكانياتها، مما يؤشر إلى “ارتفاع كبير في حالات عدم الاستقرار العاطفي والاستعداد العام لليأس والاكتئاب والقلق”، وفق ما أفادت هبة دندشلي مديرة العلاقات العامة والتواصل في الجمعية.

ويلفت الاخصائيون النظر أيضاً إلى أن التعاطي مع ظاهرة الانتحار على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلام باعتبارها أسلوب تعبير أو تسجيل اعتراض على الوضع القائم ومسببيه، يُشكل تشجيعاً لمن لديهم المقاربة نفسها، أي اللجوء إلى الانتحار.

إقرأ على موقع 180  الدولة الدينية عندما تهتز

ما هو المطلوب اذن للحد من تلك الظاهرة؟

المطلوب تأمين حلول لتخطي الأزمة الصعبة التي يعيشها اللبنانيون وذلك من خلال الدعم النفسي الذي تعمل العديد من الجمعيات على تقديمه لتخطي الوضع العام باعتباره مرحلة استثنائية وليست دائمة، اضافة الى تقديم الدعم المادي الذي يؤمن الحاجات الرئيسية بانتظار ايجاد الحلول التي طال انتظارها وعلى الدولة ايجادها بأسرع وقت ممكن.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  هكذا تكلّم اللواء ناصيف.. من إغتال الحريري؟