بكلّ موضوعيّة: أعتقد أنّ من أخذ قرار اطلاق الصّواريخ والمُسيّرات الانقضاضيّة من لبنان نحو شمال فلسطين المحتلّة.. إنّما أخذ القرار، في مضمون الأمور، بمحاولة قلب الطّاولة على ما يعتبره سلطةً لم يعد من المُمكن التّعايش معها واقعاً، بالنّسبة إليه وبالنّسبة إلى من يؤمنون معه بمفهوم “المقاومة المسلّحة” كحلّ ناجحٍ وحيدٍ في إرساء الحدّ الأدنى من التّوازن والرّدع- ولو النّسبيَّين- تجاه العقليّة العدوانيّة لدى الجانب الاسرائيليّ، ولدى حلفائه من ذوي المَنطق الاستعماريّ.
وقد يقول قائل، مع الغوص أكثر في أعماق الأمور ربّما: إنّ هذا القرار، إنّما يُشكّل مُحاولة للانقلاب على ما يُمكن تسميَته بـ”المفهوم المثاليّ للدّولة”، الذي يُدافع عنه ويُروّج له بعض أركان السّلطة التّنفيذيّة الحاليّة في لبنان.. أي ذلك المفهوم الذي يُصوّر “الدّولة” على أنّها كائن مثاليٌّ، ذو صفاتٍ مثاليّة.. تُعطيه مع ذلك حقوقاً على أرض الواقع العمليّ والتّجريبيّ، من دون أن يُثبت هذا الكائن أنّه يستحقّ ذلك على أرض الواقع عينه، ومن دون أن يقوم بالحدّ الأدنى من واجباته العمليّة.
بكلّ موضوعيّة إذن: ما حصل في تلك اللّيلة من دخولٍ وانخراطٍ في المعركة، أو من “عمليّةٍ استباقيّةٍ” كما سمّتها قيادة “المقاومة الإسلاميّة في لبنان”، أو من “مغامرة غير محسوبة” كما سمّاها بعض خصومها الدّاخليّين.. إنّ ما حصل في تلك اللّيلة يضعنا، ويضع هذا الكيان اللّبنانيّ أبي الأَرزَةِ برمّته ربّما، أمام مُفترقٍ خطيرٍ واقعاً، بمعزل عمّن هو صاحب الحقّ وعمّن هو في موقع المُخطئِ المتسرّع المُبين.
هذا مضمون الموضوع في اعتقادي اليوم، وبإيجاز، أقلّه في بُعده اللّبنانيّ الخاصّ. ومع ذلك فلا بدّ، ضمن الإطار العامّ عينه، من التّوقّف عند بعض النّقاط المهمّة الأخرى:
- في ما يعني “الزّاوية الخارجيّة” إن شئت، من الواضح أنّه قد تمّ ربط المصير السّياسيّ- أقلّه- لجزء من الشّعب اللّبنانيّ بمجريات الحرب الدّائرة في الإقليم. نقول هذا بمعزل عن حُكمنا الشّخصيّ على القضيّة، وعمّا قد يعتبره البعض إمّا جنوناً، أو طريقاً لا مفرّ منه في هذه المرحلة.
ومن الواضح كذلك، أنّ الهَيمَنة الأميركيّة المُفترضة على البلد وعلى الدّولة في لبنان تحديداً.. تتعرّض اليوم لتحدٍّ كبير ضمن سياق ما حصل ويحصل. ومن المرجّح منطقيّاً أن يحمى وطيس المعركة بين الهَيمنة الأمريكيّة وممثّليها من جهة، وبين مناهضيها الأساسيّين من جهة ثانية.. مع ما قد يعنيه ذلك على مستوى الواقع السّياسيّ اللّبنانيّ، وربّما على مستوى الواقع الأمنيّ لا سمح الله.
- في ما يعني الزّاوية الدّاخليّة، من الأكيد، وبرغم التّصريحات النّاريّة المتبادلة، أنّ المقاومة المسلّحة في لبنان قد فاجأت الجميع تقريباً.. إن كان من حيث توقيت وآليّة اتّخاذ القرار، أو من حيث الجهوزيّة العالية وعلى مستويات متعدّدة. لنتذكّر سويّاً، وبهدوء، خطاب البعض في البلد، خلال ١٥ شهراً تقريباً: حول تراجع بل وفشل قدرات هذه المقاومة؛ وربّما حول انتهاء هذه المقاومة كلّيّاً؛ وربّما حول هزيمتها إلى غير رجعة.. وما إلى ذلك.
والواقع حتّى الآن، كما بدأنا بالإشارة، هو أنّ هذه المقاومة قد فاجأت وهي تفاجئ الجميع.. انطلاقاً لا من شمال اللّيطانيّ فقط، وإنّما أيضاً- وبالأخصّ- انطلاقاً من القرى الحدوديّة الأماميّة الأولى: تصدٍّ؛ اطلاقٌ؛ رصدٌ؛ كمائنٌ؛ ضربٌ للمواقع المستحدثة وغير المستحدثة؛ تهديدٌ للمستعمرات؛ قصفٌ للعمق الاسرائيليّ وبكل أريحيّة. قاذفات “آر بي جي” و”كورنيت” ومُسيّرات وصواريخ من عيارات مختلفة، لعل أبرزها الصواريخ الدقيقة التي استخدمت ربما للمرة الأولى وبلغت العمق “الإسرائيلي”.
وهذا ما يطرح أسئلةً خطيرةً ومحوريّةً في هذا التّوقيت، ليس فقط في ما يعني خطاب الذين ادّعوا أمام شعبنا أنّهم “نظّفوا” و”طهّروا” و”أنجزوا” ما لم يُنجز منذ عام كذا وكذا، وبعد عام كذا وكذا.
فعمّا كان هؤلاء السّيّدات والسّادة، الذين نحترم ونقدّر، يتحدّثون واقعاً؟ وإلّا: فَمِن أين “بُعثَ” هؤلاء القوم المذكورون.. من أيّ وِديانٍ وجِبالٍ بُعثوا، بعَدِيدهم وبعِتَادهم، جنوب النّهر وشماله وتحتهما وفوقهما؟
في المحصّلة الموضوعيّة والهادئة للقول وللمقال، من الواضح أنّنا قد دخلنا في مرحلة خطيرة جدّاً، خلال المعركة.. لكن خصوصاً، في ما يعني يَومها التّالي لبنانيّاً، والذي يبدو من بعيد حتّى الآن: وكأنّه ليسَ بأقلّ تفجيراً وتفجّراً، والله أعلم بعاقبة الأمور.
