بن سلمان أقوى من بايدن سعودياً.. ولا عزاء لخاشقجي!
WASHINGTON, DC - MAY 13: Deputy Crown Prince Mohammed bin Salman of Saudi Arabia (L) and Saudi Minister of Foreign Affairs Adel Al-Jubeir arrive at the White House May 13, 2015 in Washington, DC. The princes are scheduled to meet with U.S. President Barack Obama and Vice President Joe Biden as part of this week's meetings with delegations from the Gulf Cooperation Council. (Photo by Chip Somodevilla/Getty Images)

يخرج ولي العهد السعودي من المراهقة السياسية، عله يبلغ النضوج بثمن باهظ  قادر على دفعه للولايات المتحدة. واذا كان خائفاً فهو لا يرتعد معولاً على قوته الداخلية شبه المطلقة، وعلى براغماتية أميركية وغربية تغلب المصالح على القيم.

بخلاف الاعتقاد السائد، فان تقرير الاستخبارات الاميركية الخاص بجريمة اغتيال الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي لم يصدر كاملاً، وما نشر منه جاء بـ”دوزنة” عالية الدقة، وبعبارات مدروسة بعناية فائقة عن مسؤولية محمد بن سلمان النسبية عن الجريمة، لأن الادارة الأميركية نفسها ليست أقل حرجاً من الملك سلمان بن عبد العزيز وإبنه ولي عهده في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ العلاقات الاميركية السعودية غير منفصمة العرى منذ العام 1945 برغم مرورها بأزمات أصعب من مقتل خاشقجي، أبرزها تقاذف المسؤولية عن خلق تنظيم “القاعدة” الارهابي التكفيري وأحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

وكما وعد جو بايدن خلال حملته الانتخابية التي أرادها شبه مضادة لحملة وسياسة سلفه دونالد ترامب، فقد سمح بكشف مستور أجزاء من التقرير تصيب بن سلمان في نقطة ضعف مؤلمة جداً.. ولا تقتله. هي ورقة تفاوض وضعت على الطاولة تحد من قدرة الآخر على المناورة والعرقلة. ثمة تركيز واضح من جانب ادارة بايدن بعد نشر التقرير وقبله على ملف حقوق الإنسان وحماية الصحافيين والمعارضين في السعودية، في ما يشبه الثمن الممكن الحصول عليه بالحد المقنع للرأي العام الأميركي الذي صمت عن الجريمة نسبياً أيام ترامب ولم لا يصمت مع بايدن بفعل اجراءات تجميلية من نوع خاص حفاظاً على “القيم” التي يتحدث عنها النواب الديموقراطيون، علماً أن تلك القيم أشبه بشتاء وصيف تحت سقف واحد حسب، المصلحة الأميركية العليا دائماً وأبداً، وما دعم اسرائيل المطلق الا ابلغ دليل ساطع متجدد مع كل طالع شمس منذ 73 سنة الى اليوم. وما الحفاظ على الملكية السعودية وأمن المملكة تحت أي ظرف الا في السياق المصلحي نفسه.

لن يتوانى بن سلمان عن التلويح، ولو من بعيد، بالورقة النفطية، من قبيل المناورة الهادفة فقط للتفاوض، مستعيناً بحليفه الروسي اللدود في هذا الملف، وهو الضامن لالتزام الدول الخليجية النفطية بمؤازرته على هذا الصعيد

وفي انتظار الاسبوع المقبل، كما وعد بايدن لاجراء تغيير تجميلي في قواعد العلاقات السعودية الاميركية، تطرح الأسئلة عن الأدوات التي قد يستخدمها بن سلمان لصد التداعيات المهددة لحكم والده وهو من بعده، وماذا عن السياق الأميركي المقابل؟

بداية، سيستمر بن سلمان في احكام قبضته المطلقة على كل مفاصل المملكة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، لقطع اي طريق ممكن على جدية طرح بديل عنه كما يحلو للبعض التكهن على سبيل الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تريد بديلاً مثل محمد بن نايف بن عبدالعزيز أو أحمد بن عبدالعزيز على سبيل المثال.

 بيد ان دون طرح البديل مخاطر في اقدام بن سلمان على السيناريو الاقصى القاطع.. القامع لكل من تسول له نفسه مجرد التفكير بامكان تغيير الوضع الجديد القائم. واذا بالغت جهات قرار أميركية مقررة في طرح سيناريو البديل فان بن سلمان مستعد لأسوأ الاحتمالات مهما  كلفه الأمر انسجاماً مع سيكولوجية شخصه الانفعالي وسلوكه الأمني منذ ظهوره على مسرح النفوذ في 2015 الى اليوم، إلا إذا قررت الاستخبارات الاميركية تغيير قواعد اللعبة في التعامل معه، وهذا الأمر مستبعد لأنه ليس اسامة بن لادن ولا ابو بكر البغدادي!

جل ما يمكن ان يسلم به بن سلمان هو العقوبات الاميركية على 76 شخصاً متهماً بالتخطيط للجريمة وتنفيذها فضلاً عن التوقف عن توجيه تهديدات إلى معارضين سعوديين في الخارج. ولا مشكلة لديه في مناورة القبول بفتح ملف حقوق الانسان والمعارضين وفق ضوابط معينة لا تهدد عرش والده وعرشه هو عملياً، كما فعل استباقياً مع لجين الهذلول باطلاق سراحها والابقاء على قضيتها في المحاكم بانتظار الثمن.

واي محاولة اميركية لقطع الطريق على تبوء بن سلمان العرش بعد والده ستكون مغامرة غير محسومة النتائج، خصوصاً اذا قرر طرف ما (معروف سلفاً المستفيد الأول منها في هذه المعمعة) تحريك ملف التطرف الاسلامي الجاهز غب الطلب لاشعال فتن واطلاق موجة عنف (في السعودية نفسها هذه المرة). موجة كانت بدأت وتم تجريبها في افغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، واستمرت في اطلالاتها العنفية والتكفيرية المدمرة لاحقاً وعند الضرورة كما حصل في الجزائر ومصر والعراق وسوريا واليمن ونيجيريا ومالي.. والحبل على الجرار إلى يومنا هذا!

في الموازاة، ستتوسع الاتصالات السعودية الاسرائيلية (قالت تل أبيب إن الحوار الأمني قائم) لتوظيف اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة في مصلحة بن سلمان لعبور مدة 4 سنوات صعبة، على أمل عودة ترامب او من يشبهه في العام 2024. والتعويل على عدد وازن من الوزراء في الحكومة الأميركية الجديدة يدينون لاسرائيل بولاء مطلق، ومستعدون لخدمتها بلا قيد أو شرط، وليذهب خاشقجي الى الجحيم ومن دون أي عزاء ولو مؤجل. غير ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو المتطوع بشغف لهذا العمل ليس بكامل قواه حالياً بانتظار الانتخابات المقبلة الشهر القادم. ولا شيء يمنع أي رئيس وزراء اسرائيلي مقبل اكمال المهمة طالما قطار التطبيع الهادر من الدار البيضاء الى ابو ظبي، وما بينهما من عواصم عربية هشة، ينتج اسرائيل جديدة أقوى وأكثر هيمنة في المنطقة، عينها في هذه الأيام على ملفي الصواريخ الدقيقة والنووي الإيراني ولا شيء يتقدم عليهما.

ما قيل عن الغاء صفقات سلاح لا يضير بن سلمان بشيء، طالما هناك قواعد أميركية في المنطقة على رأس أولويات مهماتها الحفاظ على أمن المملكة واسرائيل ومجابهة ايران وحلفائها ووكلائها الاقليميين. واتضح في حرب اليمن لدى بن سلمان قبل غيره ان للسلاح حدود فعالية، و”ما الأمان الا من الله وواشنطن”!

الى ذلك، بيد بن سلمان جملة أوراق “رابحة” نسبياً يستطيع تحريكها لتلعب في جانبه مثل بعض الأوراق العربية لا سيما الخليجية منها واليمنية والعراقية واللبنانية وربما السورية والليبية ايضاً. وما الحديث عن وقف حرب اليمن الا بادرة أميركية ينتظر أن تجد صداها سعودياً بأثمان متقابلة في ملفات ملتهبة أخرى ليست أقل أهمية.

إقرأ على موقع 180  ميكافيلي من إختار دياب وضحّى بالحريري.. أين واشنطن وطهران؟

ولن يتوانى بن سلمان عن التلويح، ولو من بعيد، بالورقة النفطية، من قبيل المناورة الهادفة فقط للتفاوض، مستعيناً بحليفه الروسي اللدود في هذا الملف، وهو الضامن لالتزام الدول الخليجية النفطية بمؤازرته على هذا الصعيد. وما يمكن فعله، او افتعاله، سلوك سياسة امدادات مضبوطة في موازاة عودة الاقتصاد العالمي الى الانتعاش، والتفاؤل بالتلقيح الساري لفيروس كورونا حول العالم حالياً.. والهدف رفع اسعار النفط الى درجة تؤذي المستهلك الأميركي في جيبه ومستوى معيشته ليضغط على حكومته بشكل أو بآخر.

على الصعيد الإيراني، لا يد طولى لبن سلمان يمكن أن يمدها، من دون اغفال التظاهر بلعب دور المسهل لاتفاق نووي جديد (بشراكته التي تبدو مستحيلة إيرانياً)، وقد يلجأ الى الأوروبيين والروس والصينيين لمحاولة مقايضة ما لن يكون الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بعيدا منها، لأنه المتطوع البراغماتي الأول الحريص بإنتهازية سياسية مفرطة على صفقات مع السعودية وعلى دور ما لفرنسا في الاقليم (ومنها لبنان) عموماً بمواجهة عدو مشترك هو تركيا رجب طيب اردوغان.

أميركياً، وكما قال وزير الخارجية انتوني بلينكن، فان الولايات المتحدة لا تريد قطيعة في العلاقات مع السعودية، بل اعادة ترتيبها لتصبح اكثر انسجاما مع مصالح الولايات المتحدة وقيمها. واتت كلمة “المصالح” في تصريحه قبل كلمة “القيم”. لذا أكدت صحيفة “نيويورك تايمز” ان بايدن “لم يقرر معاقبة بن سلمان شخصياً. فثمن خطوة كهذه عال للغاية وستضع واشنطن في موقف عدائي مع الرياض”.

وما قيل عن الغاء صفقات سلاح لا يضير بن سلمان بشيء، طالما هناك قواعد أميركية في المنطقة على رأس أولويات مهماتها الحفاظ على أمن المملكة واسرائيل ومجابهة ايران وحلفائها ووكلائها الاقليميين. واتضح في حرب اليمن لدى بن سلمان قبل غيره ان للسلاح حدود فعالية، و”ما الأمان الا من الله وواشنطن”!

أما وجع رأس بايدن وصداع دماغ بن سلمان فقد يأتيان من نواب ديموقراطيين وصحافيين مثل الذين في “واشنطن بوست” يريدون الذهاب بعيداً في معاقبة بن سلمان. لتبقى الضمانة في النظام الرئاسي الأميركي القادر على ضبط مفاعيل تلك المطالبات الطوباوية والالتفاف عليها باجراءات وقوانين مثل القاعدة الجديدة التي حكي عنها أمس واطلقتها الخارجية الاميركية تحت اسم “حظر خاشقجي” الرامية الى منع دخول أي شخص يتهم بالتعرض باسم بلاده لمعارضين او صحافيين في الخارج.

الإستفادة من عبر التاريخ والجغرافيا، قد تبدو مفيدة لمحمد بن سلمان المتمترس في قصر اليمامة بساعات عمل واتصالات طويلة ومعقدة ونوم قصير متقطع بهواجس وكوابيس العرش المقبل.

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  بايدن وإيران.. من ينزل عن الشجرة أولاً؟