ملاحظات جوهرية على اتفاق الترسيم.. يجب تصحيحها

مع هكذا منظومة سياسية حاكمة في لبنان منذ اكثر من ثلاثة عقود، فان تفاهم تعيين الحدود الجنوبية المرتبط بما هو تحت الماء، هو افضل الممكن استنادا الى الظرف الدولي في ظل القرار الاميركي القاضي بالاستفادة القصوى من غاز المتوسط للتعويض نسبيا عن الغاز الروسي لأوروبا.

في 13 أكتوبر/تشرين الاول 2022، أعلن الرئيس اللبناني ميشال عون وبعد التشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ومع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي موافقة لبنان على الصيغة النهائية بشأن ترسيم الحدود البحرية. ووصف هذه “الإتفاقية”، في رسالة وجهها إلى اللبنانيين، بأنها “إنجاز تاريخي” لأننا تمكنا من استعادة مساحة 860 كيلومتراً مربعاً كانت موضع نزاع (منذ 2010) ولم يتنازل لبنان عن أي كيلومتر واحد لإسرائيل، واستحصلنا على كامل حقل قانا من دون أي تعويض يدفع من قبلنا برغم عدم وجود كامل الحقل في مياهنا، ولم تُمس حدودنا البرية، ولم يعترف لبنان بخط الطفافات الذي استحدثته إسرائيل عام 2000، ولم يقم لبنان بأي تطبيع مع إسرائيل، ولم تعقد أي محادثات أو اتفاقيات مباشرة معها، والتعويضات التي طالبت بها إسرائيل عن قسم من حقل قانا الواقع في المياه المحتلة ستنالها من شركة “توتال” من دون أن يؤثر ذلك على العقد الموقع بين لبنان والشركة الفرنسية. وأكد أنه بعدما كانت حقول النفط 8 و9 و10 مهددة، استطعنا بفضل “الاتفاق” أن نحافظ عليها ونحميها وسنستثمرها بالكامل. وذكر أن الاتفاق نصّ على كيفية حل أي خلافات قد تحصل في المستقبل مع العدو الإسرائيلي.

الاغلب الاعم من الشعب اللبناني كان ينتظر الإعلان عن هذا الإتفاق لتبدأ شركة “توتال” عمليات الحفر لاستكشاف واستخراج الثروة النفطية من المياه البحرية ولا سيما في حقل قانا المحتمل. وبالفعل ستبدأ عمليات الحفر في القريب العاجل، إلا أن السؤال المهم: هل ستستطيع هذه الشركة تطوير الحقل في حال تم اكتشاف كميات تجارية لبدء الاستخراج منه بعد بضع سنوات من دون عراقيل اسرائيلية؟.

سنحاول الإجابة على هذا السؤال المهم، وإجراء نقد بناء وموضوعي لهذا ا”لاتفاق” قبل التوقيع عليه لتفادي أي عراقيل مستقبلية خاصة في حال فوز بنيامين نتنياهو في الإنتخابات الإسرائيلية، لا سيما بعد أن اعلن أنه ضد هكذا اتفاق. مما يوجب على لبنان أن يكون حذرا وأن يتخذ الحيطة من عدو يغدر كلما سنحت له الفرصة. لهذا السبب، فإن الضمانة الوحيدة هي النص الواضح والمكتوب الذي سوف تعتمد عليه الدولة وخلفها المقاومة مستقبلاً في حال عدم التقيد به والاخلال به من قبل العدو الاسرائيلي.

أبقى هذا “الاتفاق” نقطة رأس الناقورة ونقطة الـB1 والنفق السياحي تحت الإحتلال الإسرائيلي، وتم تأجيل البحث بها الى أجل غير مسمى، حيث لن تأتي فرصة سانحة أخرى لحل هذه القضية السيادية كما هي الفرصة الآن (الا اذا كان المقصود والنية ابقائها كذلك برضى الجانب اللبناني لغايات استراتيجية كأن تكون هناك مزارع شبعا بحرية)

بعد قراءة نص الاتفاقية بتمعن وجدنا العديد من الثغرات التي يستطيع أن ينفذ منها العدو الإسرائيلي ليماطل لعدم حصول لبنان على كامل حقوقه السيادية والإقتصادية عند حدوده البحرية الجنوبية. وسنكتفي بالإشارة الى ثلاثة أمور جوهرية وهي:

أولاً؛ نصّ ا”لاتفاق” في القسم الأول الفقرة “ب” على ما يلي: “يتفق الطرفان على إبقاء الوضع الراهن بالقرب من الشاطئ على ما هو عليه، بما في ذلك على طول خط العوامات البحرية الحالي وعلى النحو المحدَّد بواسطته”. وهذا يعني بكل صراحة وباعتراف لبناني الموافقة على إبقاء هذه المنطقة (منطقة الطفافات التي تمتد الى حوالي 5 كلم من الشاطئ) تحت الإحتلال الإسرائيلي وإعطائه حرية الملاحة فيها ودخول مراكبه العسكرية إليها متى يشاء كما هو الحال الآن. أضف الى ذلك، أبقى هذا “الاتفاق” نقطة رأس الناقورة ونقطة الـB1 والنفق السياحي تحت الإحتلال الإسرائيلي، وتم تأجيل البحث بها الى أجل غير مسمى، حيث لن تأتي فرصة سانحة أخرى لحل هذه القضية السيادية كما هي الفرصة الآن (الا اذا كان المقصود والنية ابقائها كذلك برضى الجانب اللبناني لغايات استراتيجية كأن تكون هناك مزارع شبعا بحرية)، ولن ترضى إسرائيل أن تأتي مستقبلاً الى المفاوضات للتنازل عنها، وهذا أمر طبيعي كون كامل هذه المنطقة تقع تحت سيطرتها، ولماذا تأتي؟ ولهذا السبب نقول أن العدو هو حالياً تحت ضغط منعه من استخراج النفط والغاز من حقل كاريش، وبالتالي اليوم هو التوقيت المناسب والصحيح لاستعادة هذه الحقوق، وتأجيلها هو حكماً لمصلحة العدو.

ثانياً؛ نصّ القسم الثاني الفقرة “هـ” على ما يلي: “رهنا ببدء تنفيذ الاتفاقية المالية (بين توتال والعدو)، سيقوم مشغل البلوك رقم 9 المعتمد من لبنان بتطوير كامل المكمن المحتمل حصريا لصالح لبنان”. كما نصت الفقرة “و” في هذا القسم على ما يلي: “رهناً بالاتفاق مع مشغل البلوك رقم 9، لن تقوم إسرائيل بممارسة أي حقوق لجهة تطوير المخزونات الهيدروكربونية الواقعة في المكمن المحتمل”.

من يدقق بتمعّن في مضمون الفقرة “هـ” أعلاه يتبين له بوضوح ومن الناحية القانونية البحتة أن شركة “توتال” يمكنها حفر أول بئر في حقل قانا والذي ستعرف نتائجه تقريبا في نهاية العام 2023، إلا أن هذه الشركة ممنوع عليها بعد ذلك القيام بتطوير الحقل تمهيداً لبدء الاستخراج إلا بعد أن يتم الاتفاق المالي بين الشركة واسرائيل. وهذا واضح بالنص بما لا يقبل التأويل والتحليل، فكيف يرضى لبنان أن يرهن عملية التطوير والاستخراج من حقل قانا بموافقة اسرائيلية ربما لن تأتي إلا بشروط يضعها هذا العدو في حينه ووفقا للوضع الذي لا أحد يضمن كيف سيكون عند اكتشاف كميات تجارية من الغاز والنفط وتحديد حجمها ومحاولة البدء بتطوير الحقل لاستخراجها.

لقد تم تسريب بعض المعلومات إعلاميا بأن العدو وشركة “توتال” قد اتفقا على نسبة 17% من أرباح حقل قانا، فمن يعلم تفاصيل هذا الاتفاق؟، وهل هو اتفاق إطار مبدئي يتبعه اتفاق آخر عند بدء التطوير حيث تكمن الشياطين في تفاصيله؟

للأسف، رهن لبنان حق تطوير حقل قانا واستخراج النفط والغاز منه بموافقة اسرائيلية على اتفاق يعقد بين تل أبيب وشركة “توتال” دون أن يكون له أي دور سواء في مضمون أو توقيت الاتفاق. أما من يدقق في مضمون الفقرة “و” أعلاه وبتمعّن ايضا، يجد أن منع إسرائيل من العمل في الجزء الجنوبي من حقل قانا الواقع جنوب الخط 23 مرهون أيضاً بالاتفاق بين إسرائيل وشركة “توتال”. فعدم الاتفاق بينهما يعطي للعدو حق قانوني للتملص من الالتزام وبالتالي إمكانية العمل في هذه المنطقة كما يشاء وتلزيمها لشركات أخرى من ضمن البلوك 72.

إقرأ على موقع 180  إسرائيل تمشي بين نقاط الحرب الأوكرانية.. سورياً

ثالثاً؛ نص القسم الاول ـ الفقرة “ج” على ألا تكون الشركات التي سوف تعمل في البلوك 9 اللبناني (مشغل البلوك رقم 9) شركات اسرائيلية أو لبنانية، وهذا يعني ان العدو فرض شروطاً مستقبلية ليس فقط على حقل قانا الذي يعتبر جزءاً صغيراً من البلوك 9، إنما على كامل البلوك 9 والذي تصل حدوده لغاية صيدا، وبالتالي استطاع هذا العدو أن يضع شروطاً على لبنان في منطقة بحرية كانت خارج النزاع وفرض عليه التنازل عن قيمة العشرين بالمئة (20%) التي استعادها من شركة “نوفاتيك” الروسية والتي كانت فرصة ذهبية للبنان لمشاركة شركة “توتال” والحصول على حق التوصل الى كامل المعلومات التي تتعلق بالاستكشاف والانتاج بصفته شريكا فاعلا تماما كما هي الحال مع شركة “ايني” الايطالية، من هنا نرى الدور المبطن الذي لعبته “توتال” لفرض هذا الشرط، فكيف نأمن لها بأن تتفق مع اسرائيل على تعويض ما لم يكن على حساب لبنان؟، وهل يرضى العدو الاسرائيلي ان يضع لبنان شروطا على هوية الشركات التي سوف تعمل في البلوك 72 الاسرائيلي المزعوم كما وضعها على الشركات التي سوف تعمل في كامل البلوك 9، فإن كان هذا خطأ غير مقصود فليصحح قبل التوقيع.

أما القول إن هذا الاتفاق هو “إنجاز تاريخي” وتمكّن لبنان من استعادة مساحة 860 كيلومتراً مربعاً كانت موضع نزاع، ولم يتنازل عن أي كيلومتر واحد لإسرائيل، واستحصل على كامل حقل قانا من دون دفع أي تعويض من قبلنا رغم عدم وجود كامل الحقل في المياه اللبنانية. هنا لا بد أن ندقق ونسأل: لماذا قبِل هذا العدو بإعطاء لبنان كامل النسبة التي يُطالب بها من النفط والغاز في الجزء الجنوبي من حقل قانا الذي يقع جنوب الخط 23؟. هل هناك جواب آخر غير أن هذا العدو يعلم علم اليقين أن للبنان حقوقا سيادية تقع جنوب الخط 23 وتمتد الى الخط 29 اكتشفها البعض في لبنان برغم محاولات التعمية والطمس من قبل مسؤولين بالدلائل والوقائع لا يسمح الظرف لتبيانها الآن؟ بناء عليه؛ وعلى هذا الأساس؛ اعتبرت المقاومة حقل كاريش متنازعاً عليه وقامت بارسال المسيرات لتمنع الاستخراج منه قبل التوصل الى حل يسمح للبنان ببدء استخراج النفط والغاز من مياهه البحرية.

لا نريد أن نسخّف ما توصل إليه لبنان من خلال هذا “الاتفاق” بشرط معالجة الملاحظات المبينة أعلاه قبل التوقيع وهي أمور بسيطة تكشف إذا كان العدو ينوي العرقلة مستقبلا وذلك من خلال عدم القبول بالتعديل الذي يجب أن يتضمن ما يلي:

1-شطب عبارة “رهنا بالاتفاق المالي بين اسرائيل ومشغل البلوك 9” أينما وردت في “الاتفاق”.

2- شطب الفقرة التي تمنع الشركات اللبنانية من العمل في البلوك 9 اللبناني.

3- حل موضوع الطفافات بأي وسيلة قانونية او غيرها متاحة وكذلك نقطة رأس الناقورة وذلك ضمن مهلة محددة.

4- شطب عبارة منع لبنان من تعديل حدوده البحرية مستقبلاً، وربط ذلك بحل موضوع منطقة الطفافات وعدم عرقلة اسرائيل لعملية تطوير واستخراج النفط والغاز من حقل قانا مستقبلاً.

يبقى الخط 29 هو أساس الحق الذي اكتشفه أحد الضباط في العام 2011 ولولا تبيان قانونية هذا الخط من قبل أحد أهم الخبراء القانونيين اللبنانيين الذي يشهد له بكفاءته، وجميع المخلصين والجنود والقادة المجهولين وخمس جولات من المفاوضات في الناقورة، لما تحقق هذا الإنجاز الذي يبقى منقوصا في حال عدم معالجة الملاحظات المذكورة أعلا

لأهمية النقاط الاربع المذكورة أعلاه،  يجب مناقشة الاتفاقية والموافقة عليها في مجلس النواب قبل التوقيع عليها عملا بالمادة 52 من الدستور اللبناني الواضحة والصريحة والتي تنص على ما يلي: “يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن ابرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب”. ولمن يقول بأن هذا “الاتفاق” هو من جانب واحد ولن يكون هناك توقيع اسرائيلي عليه، وبالتالي لا داعي لموافقة مجلس النواب ومجلس الوزراء عليه، نقول له إن ما سيودعه لبنان لدى الدوائر الرسمية في الامم المتحدة هو ملزم للبنان وشعبه فيما يتعلق بسيادته وامواله، فكيف لا يشارك من يمثل هذا الشعب في مناقشة هذا الاتفاق ويقوم بالتعديل اللازم أو يعطي الموافقة على موضوع بغاية الاهمية، وهل هناك موضوع اهم من ذلك؟، فلا أحد يخدعنا بالقول إن موافقة مجلس النواب على نص الاتفاقية هو نوع من التطبيع مع العدو، فمضمون “الاتفاق” ونصه هو الذي يدل على التطبيع من عدمه، ولهذا السبب يجب مشاركة نواب الامة في التدقيق في نص “الاتفاق” وتحمل مسؤولياتهم، فلماذا التهرب من تحمل المسؤولية ورميها على بعض العسكريين والتقنيين الذين لم يكن لهم أي دور في صياغة هذا النص الذي يبقى ملغوماً في حال عدم تعديله؟. فعندما يتم إيداع نص “الاتفاق” لدى الدوائر الرسمية في الامم المتحدة يصبح اتفاقاً ملزماً للبنان وفقا للقانون الدولي، فهل يصح ان نلزم لبنان تجاه المجتمع الدولي بأمور تتعلق بسيادته وأمواله التي تخص الاجيال القادمة دون إطلاع وموافقة مجلس النواب الذي يمثل الشعب اللبناني؟.

صحيح أنه لولا تدخل المقاومة ومنع العدو من استخراج النفط والغاز من حقل كاريش لما رضخ هذا العدو وأعاد للبنان مساحة الـ 860 كلم مربع مع حقل قانا. إلا أنه وللحقيقة، يبقى الخط 29 هو أساس الحق الذي اكتشفه أحد الضباط في العام 2011 ولولا تبيان قانونية هذا الخط من قبل أحد أهم الخبراء القانونيين اللبنانيين الذي يشهد لهم العالم بكفاءتهم، وجميع المخلصين والجنود والقادة المجهولين وخمس جولات من المفاوضات في الناقورة، لما تحقق هذا الإنجاز الذي يبقى منقوصا في حال عدم معالجة الملاحظات المذكورة أعلاه.

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  لودريان يؤسس لمرحلة ما بعد سعد الحريري