أسترا زينيكا سقط.. لم يسقط

أسترا زينيكا، "لقاح واعد"، "رخيص"، "سهل التحضير"، "فعّال"، "يعتمد تقنية قديمة ومعروفة في عالم اللقاحات قائمة على نقل المعلومات عبر فيروس معدّل". ماذا جرى حتى تغيرت "الموجة"؟

هل هي حرب قذرة تشارك وسائل الإعلام فيها عبر الترويج لمعلومات خاطئة أو اعتماد الـzoom in على مشكلات صغيرة وتكبيرها بشكل مبالغ به لتحطيم فكرة أو أمر ما، أم أن ما يحدث هو خطأ فعلي في عملية التصنيع لم يُكشف عنه إلّا في عمليات التلقيح التي حصلت على مستوى كبير؟

أسئلة لم تحسم الإجابات عنها في المجامع العلمية، وكلّ الدول الأوروبية التي صرخت بأنّ هناك مشكلة لم توقف استعمال اللقاح، بل علّقت لفترة وجيزة عملية التلقيح إلى حين اتضاح التحقيقات الطبية للإجابة على السّؤال الأهم: هل هناك من صلة بين التجلطات التي حصلت لدى حوالي الـ 30 شخصًا حول العالم وأخذ لقاح أسترا زينيكا؟

ما هي مميّزات أوكسفورد-أسترا زينيكا الأساسية؟

هذا اللقاح لا ينتمي إلى الجيل الأحدث من اللقاحات (الجيل الثالث)، وبالتالي، فإن طريقة عمله واضحة جدًا للعاملين في الحقل الطبي، فهو قائم على فيروس غير مؤذٍ للبشر زُرعت فيه المعلومات الجينية الوراثية الخاصة ببروتينات فيروس كورونا المستجد ليقوم بدورٍ مهم ألا وهو إيصال هذه المعلومات للخلايا البشرية التي تقوم بدورها بتصنيع هذه البروتينات وعرضها على الخلايا المناعية فتتعرّف هذه الأخيرة عليها وتحصل ردّة الفعل المناعية المطلوبة، وتسجّل في الذاكرة الخاصة بالجهاز المناعي.

وهذا اللقاح سهل التصنيع، ولا يحتاج لعمليات كيميائية معقّدة تزيد من سعره ما جعله رخيصًا جدًا مقارنة بزملائه، فثمنه لا يتعدّى الـ4 دولارات، وهذه ليست “منقصة”، كما سمعنا من بعض اللبنانيين الذين قالوا إنّ الدولة اللبنانية تستورد اللقاح الأرخص بل على العكس تمامًا، ولا يحتاج إلى درجات تبريد فائقة البرودة، بل يمكن حفظه في ثلاجات عادية متواجدة بوفرة في كلّ المراكز الطبيّة.

نحن اليوم لا نعمل وفق الحاجات الإنسانية أبدًا بل وفق قانون السّوق، وفي السّوق كلّ شيء مباح، فحتى الآن لم تجد وكالة الدواء الأوروبية أي رابط بين حالات تجلط الدماء التي حصلت واللقاح

كلّ ما سبق جعل من هذا اللقاح الخيار الأول لدى الدول الفقيرة لاعتماده في عمليات التحصين المجتمعي على نطاق واسع، فعملياته اللوجستية لا تقارن بلقاح فايزر-بيونتك على سبيل المثال الذي يحتاج لـ(-20) درجة مئوية لحفظه، ما جعل لقاح أوكسفورد-أسترا زينيكا هدفًا لبقية الشركات المنافسة، نعم المنافسة فنحن اليوم لا نعمل وفق الحاجات الإنسانية أبدًا بل وفق قانون السّوق، وفي السّوق كلّ شيء مباح، فحتى الآن لم تجد وكالة الدواء الأوروبية أي رابط بين حالات تجلط الدماء التي حصلت واللقاح، حتى لناحية الأرقام فالمقارنة لا يجري التركيز عليها إعلاميًا أبدًا:

  1. لقاح أكسفورد-أسترا زينيكا تمّ تلقيح 17 مليون شخص به على مستوى الإتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.
  2. عدد الأشخاص الذين أظهروا عوارض تجلطات لم يصل إلى الـ 30 شخصًا، أي 30/ 17.000.000 وهو رقم لا يمكن أن يعتبر مؤشراً على شيء حاسم، فالناس في الأوضاع العادية هم عرضة لهذه المضاعفات الصحية مع اللقاح ومن دونه.
  3. لقاح فايرز-بيونتك، للمقارنة، سجّل أيضًا عددًا أكبر لحالات الوفاة بعد أخذ الجرعة الثانية بالإضافة إلى التسبب بأعراض الحساسية ولكن لم يجرِ التركيز عليها إعلاميًا كما يحدث اليوم مع اللقاح موضوع هذه المقالة.
  4. كم كانت ستكون نسبة الضحايا لو أصيب الـ 17 مليون شخص بفيروس كورونا، فلو كانت نسبة القتل لديه 0.1% سيصل عدد الضحايا إلى 170 ألف شخص وهذا رقم مرعب.

وهنا أوضحت الشركة في بيان صادر عنها يوم 14 آذار/مارس 2021 كلّ الأرقام الواردة أعلاه، ولكن يبدو أنّ ما يحصل الآن يجري تحت ضغط إعلامي دون مبانٍ علميّة واضحة أقلّه حتى لحظة كتابة هذه السّطور.

الجدير ذكره أن فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وسلوفينيا قررت تعليق هذا اللقاح، لفترة مؤقتة، وسبقتها إلى ذلك الدانمارك، والنرويج والنمسا وإيسلندا وبلغاريا وهولندا وإيرلندا والكونغو وأندونيسيا، بينما رفضت سويسرا الترخيص لهذا اللقاح الذي تنتجه شركة أسترا زينيكا السويدية ـ البريطانية، وسلكت فنزويلا أيضًا المسلك ذاته (حظر اللقاح).

ماذا عن لبنان؟

تسبّب الضغط الإعلامي أيضًا في لبنان بالتريث في عمليّة التلقيح، قبل أن تبدأ، بواسطة لقاح أوكسفورد-أسترا زينيكا، كما صرّح رئيس اللجنة الوطنية للقاح كورونا الدكتور عبد الرحمن البزري بانتظار وضوح الصورة خلال الساعات المقبلة في أوروبا وبالتالي العالم ولبنان.

أمّا عمليات التلقيح، وبحسب مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت، فقد ارتفعت أعداد المسجلين على المنصة بانتظار دورهم لتلقي اللقاحات إلى 931 ألفًا دون أن تلامس المليون ولكن دون أن تكون نسب المسجلين متوازية بين المناطق والمحافظات اللبنانية، فحظيت بيروت وجبل لبنان بالنسب الأعلى مع 39% و22% بينما النسبة في عكار كانت 5% وهذا إن دلّ على شيء فهو التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين المناطق اللبنانية، فاعتماد هذه الطريقة حصرًا لتوزيع اللقاحات يدلّ على قصر نظر غريب ومستهجن وكأنّ كلّ الشعب اللبناني انتقل لمرحلة الحكومة الالكترونية كليًا والناس جميعها لديها بصمة الكترونية وتجيد استعمال هذه الأجهزة.

إقرأ على موقع 180  إنسحاب إسرائيل من لبنان.. صور فيتنام و"ذيل بين الأرجل"؟

بالإضافة لما سبق، فهذا دليل واضح على مناطق تركيز الفقراء، أي عكار وبعلبك الهرمل، أمّا في ما يتعلّق بنسب تسجيل النازحين سواء من السّوريين أو الفلسطينيين فما زالت قليلة جدًا ولم تتجاوز الـ 3%.

أخيرًا وبعد أن بدأت الدولة بتخفيف الإجراءات التي لم تكن موجودة أصلًا وعاد الناس للخروج بشكل أكبر إلى الطرقات، عادت الأطقم الطبية إلى الصراخ من أنّ حجم الإصابات عاد للتزايد وعاد مشهد الازدحام في أروقة الطوارئ، وهنا لا بدّ من التأكيد أنّ من يأخذ اللقاح لا يكون بمأمن مباشرة من عوارض الفيروس الشديدة، ولا يجب أن يخلع الكمامة عند خروجه من مركز التلقيح بل عليه الانتظار لأخذ الجرعة الثانية، ومن بعد مرور حوالي الـ 15 يومًا على هذه الجرعة يمكن الكلام عندها عن أمان نسبي ولكن ليس كليًا، لأنّ تركيز الفيروس لا زال عاليًا في المجتمع.

المسؤولية المجتمعية هي كلّ شيء، وفيها يمكن التفوق على أعتى الأمراض وبغيابها سيكون الثمن باهظًا جدًا.

Print Friendly, PDF & Email
فؤاد إبراهيم بزي

كاتب متخصص في المواضيع العلمية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  بديل "التدقيق": "الحساب 36" أم حسابات الدولة اللبنانية؟