“النهضة” في السلطة.. تجربة تغذي الخوف من الإسلام السياسي!

Avatar18020/03/2021
مر عقد على فوزها الانتخابي الأول. حركة النهضة التونسية بزعامة راشد الغنوشي تواجه صعوبات في المحافظة على مكانتها في الساحة السياسية التونسية. المؤلف والكاتب حاتم نفطي يسلط الضوء على إحدى أبرز تجارب الإسلام السياسي في العالم العربي، في تقرير نشره موقع "أوريان 21" بالفرنسية وترجمته الزميلة سارة قريرة، من أسرة الموقع نفسه، إلى اللغة العربية.

في 30 يناير/كانون الثاني 2011، وطئت قدما راشد الغنوشي أرض تونس بعد أن كان قد قضى 20 سنة في المنفى. استقبله آلاف الأشخاص في مطار تونس-قرطاج بنشيد “طلع البدر علينا”. وقد كانت هذه العودة بعد أسبوعين فقط من سقوط الرئيس بن علي رمزا للانبعاث الجديد للحزب الإسلاموي الذي سعى النظام السلطوي لاستئصاله.

برغم سجن ونفي عدد مهم من قياداته، كان بوسع حزب حركة النهضة -الذي تم تشريعه في مارس/آذار 2011- الاعتماد على شبكة من النشطاء المتواجدة في كامل تراب الجمهورية كما في أهم البلدان التي تسكنها جالية تونسية. وبما أن القانون الانتخابي الجديد منع مسؤولي النظام السابق من الترشح، فقد أصبحت النهضة أهم قوة سياسية في البلاد. أمام هذه الشعبية، اختار جزء ليس بالقليل من النخبة السياسية الجديدة التي كانت معارضة لزين العابدين بن علي أن تجعل من اصطفافها ضد النهضة خطة انتخابية، بل لم تتوان في استعمال خطاب مشابه لخطاب النظام القديم لشيطنة حركة الغنوشي، حتى وضعتها في قلب اللعبة السياسية.

من جهتها، تفادت النهضة إلى حين انعقاد انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر/تشرين الثاني 2011 الدخول في مواجهة مع السلطة. وقد فضلت قياداتها التذكير بمعاناتهم زمن الديكتاتورية، ما رسّخ انتماءهم في ذهن جزء من الرأي العام إلى معسكر الثورة، كما ساهم الخطاب الإعلامي المهيمن والمناهض لهم في تعزيز صورتهم كضحية. وهكذا فازت الحركة بالانتخابات من خلال الحصول على نسبة 37% من الأصوات و42% من مقاعد المجلس التأسيسي.

الرقص على الحبال

لكن كيف السبيل إلى حكم بلاد دون حد أدنى من التعاون من طرف نخبتها السياسية والثقافية والإعلامية والإدارية؟ وجدت النهضة نفسها في مأزق بين ضغط قواعدها والعداء الذي تكنه لها أطراف مؤثرة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. كما أن وصول الإسلاميين إلى السلطة يغذي خوف جزء من التونسيين الذين علق ببالهم سيناريو إيران وخاصة الجزائر.

بات الموقف من الإسلاميين بيت القصيد في كل موعد انتخابي. وإن لم يمنع ذلك حزب الغنوشي من الفوز في كل مرة – ولو بأغلبية ما فتئت تتراجع

سعت الحركة إلى طمأنة هؤلاء وتنسيب صورة الهيمنة الإسلاموية على جميع المؤسسات، وذلك من خلال التحالف مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية برئاسة المنصف المرزوقي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات بقيادة مصطفى بن جعفر. وتولت النهضة رئاسة الحكومة بينما حظي حزب المؤتمر برئاسة الجمهورية والتكتل برئاسة المجلس التأسيسي. في الواقع، كانت رئاسة الحكومة هي التي تحظى بأهم صلاحيات السلطة التشريعية وكان الحزب الإسلامي يتحكم في أهم الوزارات واللجان.

منذ ذلك الحين، بات الموقف من الإسلاميين بيت القصيد في كل موعد انتخابي. وإن لم يمنع ذلك حزب الغنوشي من الفوز في كل مرة -ولو بأغلبية ما فتئت تتراجع-، فقد فهم الأخير أن على حركته ألا تنفرد أبدا بالحكم حتى لا تستقطب الغضب الشعبي.

وفعلا، وبعد أقل من سنة أي في يونيو/حزيران 2012، اغتنم الباجي قايد السبسي -الذي شغل منصب الوزير الأول خلال الفترة الانتقالية (فبراير/شباط-أكتوبر/تشرين الأول 2011)- تفكك المعارضة “الديمقراطية” لإنشاء حزب نداء تونس، وجمع حوله معارضين تاريخيين ونقابيين وشخصيات من النظام السابق يتميزون بقاسم مشترك وحيد وهو معارضتهم للإسلاميين. لكن هذه المفارقة لن تصمد طويلا أمام ممارسة السلطة.

السيناريو المصري

تسلّح أنصار حركة النهضة بالشرعية التي منحتها لهم انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2011، ودخلوا في حرب ضروس مع من يخالفهم الرأي والانتماء، إذ رأوا في ذلك رفضا لحكم الصندوق. وهكذا بات معارضون تاريخيون لحكم بن علي محسوبين على الثورة المضادة -لا سيما المحامون الذين كانوا يدافعون عن الإسلاميين أيام الديكتاتورية-، وذلك لمجرد عدم مساندتهم لسياسة الحكومة. وشهد شتاء 2012 اعتصاما أمام مقر مؤسسة التلفزة التونسية بتهمة أن الأخيرة لا تعكس إرادة الشعب. وقد أنشأ رواد هذا الاعتصام فيما بعد ما يُعرف بروابط حماية الثورة، وهي ميليشيات تتهجم على المعارضين وتعتدي عليهم، كما فعلت مع حزب نداء تونس بعد صعوده في سبر الآراء، إذ بات المنافس الأساسي لحركة النهضة.

لم تقم الحكومة بالرد على أعمال العنف هذه، بل تساهلت مع التعبيرات الأكثر تطرفا للإسلاموية باسم حرية المعتقد. وفرشت قيادات من النهضة البساط في استقبال دعاة متطرفين مثل المصري وجدي غنيم أو الكويتي نبيل العوضي، وأصبح لحزب التحرير السلفي -الذي يدعو إلى إقامة دولة الخلافة- وجود قانوني، وباتت مجموعة أنصار الشريعة التابعة لتنظيم القاعدة حاضرة على الساحة العمومية. يحدث كل هذا في سياق من الهجمات الإرهابية التي كانت تستهدف القوات المسلحة. وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول 2012، انتهت مظاهرة من تنظيم روابط حماية الثورة في مدينة تطاوين جنوب البلاد بسحل مسؤول محلي لحزب نداء تونس حتى الموت.

تواصلت أعمال العنف مع اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي من الجبهة الشعبية (ائتلاف متكون من أحزاب اليسار وأقصى اليسار) في 2013. موفى يوليو/تموز، أي بعد أسابيع من انقلاب عبد الفتاح السيسي على محمد مرسي في مصر والذي سانده -أو قَبِل به- أغلب شركاء تونس، اجتمع محتجون أمام مقر المجلس التأسيسي في باردو للمطالبة بحل جميع المؤسسات الناتجة عن انتخابات 2011.

كان المؤتمر العاشر للنهضة سنة 2016 فرصة لتوسيع صلاحيات الغنوشي فصار بإمكانه تسمية أعضاء المكتب التنفيذي قبل مصادقة مجلس الشورى عليهم

الطفرة هي الحل

بات واضحا بالنسبة لقيادات النهضة أن الشرعية الانتخابية لن تنأى بهم عن خطر الانقلاب، فقرروا التقرب من أعداء الأمس -أي الدساترة- وآثروا طريق التوافق. بيد أن هذا المنعرج ليس الأول من نوعه. صحيح أن النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية خاضا -رسميا- معركة ضد بقايا النظام السابق في 2011، لكنهما لم يترددا في تسمية شخصيات كانت قريبة من الحكم زمن بن علي على رأس مؤسسات عمومية وإدارية مقابل ولائها.

لا شك أن النهضة استفادت كثيرا -ولكنها كذلك تغيرت بشكل ملحوظ- خلال عهدة الباجي قايد السبسي، إذ كانت طرفا في الحكم دون أن تكون في الواجهة، كما تمكنت من توسيع دائرة تأثيرها مع تفكك الحزب الرئاسي تحت وطأ النزاعات الباطنية. ولم يتردد الإسلاميون آنذاك في مساندة مشاريع قانونية مثيرة للجدل مثل قانون “المصالحة” الذي يهدف إلى العفو على الموظفين المطلوبين لدى العدالة لإسهامهم في الفساد خلال فترة حكم بن علي.

إقرأ على موقع 180  الفيروس عندما يصبح أداة للقمع

على الصعيد الداخلي، أعاد الحزب النظر في هيكلته وتنظيمه. فعلاوة على الإشادة بالفصل بين الجانب السياسي والدعوي، كان المؤتمر العاشر للحزب الذي انعقد سنة 2016 فرصة للتوسيع من صلاحيات راشد الغنوشي الذي بات بإمكانه تسمية أعضاء المكتب التنفيذي قبل المصادقة عليهم من قبل مجلس الشورى. وقد يبدو هذا التغيير غريبا بالنسبة لحزب ما فتئ يدعو إلى إرساء نظام برلماني بحجة الحد من خطر الانفراد بالسلطة. وقد دفع بعض المرشحين لانتخابات 2019 التشريعية ثمن هذا التغيير باهظا، إذ لم يتردد “الشيخ راشد” بتنقيح اللوائح الانتخابية رغم أنها كانت نتيجة لانتخابات أوّلية أقيمت على الصعيد المحلي.

وخلافا لما يؤكده البعض، فإن التحالف بين النهضة ونداء تونس ليس فعلا بالهجين، إذ يلتقي الحزبان في أكثر من نقطة، أهمها الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، إذ تساند النهضة “الإصلاحات” التي يطالب بها الدائنون كما لا تعارض المثال الاقتصادي الذي تنتهجه تونس منذ الثمانينيات والذي يقضي بتراجع دور الدولة والانفتاح على اتفاقيات تبادل حر غير متكافئة.

وجدت حركة النهضة نفسها بين مطرقة جناح يميني امتهن المزايدة في القضايا المجتمعية -تلك التي تنازلت عنها النهضة- وبين سندان الكابوس القديم -أي موقع الأقلية وخطر السيناريو المصري

إنسداد أفق التسوية

في الموعد الانتخابي تظهر تداعيات المراوغة والمراوحة بين الخطاب الثوري وممارسة متناقضة للسلطة تظهر. صحيح أن حركة النهضة فازت -مرة أخرى- في انتخابات 2019 التشريعية، لكنها بالكاد تتحكم في ربع البرلمان، كما أن قاعدتها الانتخابية تتقلص من سنة لأخرى، إذ انخفض عدد منتخبيها من مليون ونصف المليون ناخب في 2011 إلى 560 ألفاً في 2019.

مرة أخرى، لعب الحزب ورقة الخطاب الثوري، لكن ظهور كتلتين رجعيتين -وهما الحزب الدستوري الحر لعبير موسي وائتلاف الكرامة- جعلا اللجوء إلى سياسة التسوية أكثر هشاشة. فحزب عبير موسي يرفض قطعا كل ما أتت به الثورة ويحن علانية إلى زمن بن علي، بينما وجد ائتلاف الكرامة لنفسه مكانا علي يمين حركة النهضة -رغم كونه حليفا وفيا للغنوشي- واستقطب عددا من عناصر روابط حماية الثورة.

هكذا وجدت الحركة نفسها بين مطرقة جناح يميني امتهن المزايدة في القضايا المجتمعية -تلك التي تنازلت عنها النهضة- وبين سندان الكابوس القديم -أي موقع الأقلية وخطر السيناريو المصري. فما كان منها إلا أن تحالفت مع حزب قلب تونس لرجل الأعمال نبيل القروي، الذي اشتهر زمن بن علي وكان من مؤسسي حزب نداء تونس -وهو حاليا موقوف بتهمة تبييض أموال. وكانت النتيجة أن صار راشد الغنوشي رئيسا لمجلس نواب الشعب، وهو أقصى ما يمكن أن يحصل عليه إذ أن العدوانية التي يكنها له الكثيرون لن تسمح له أبدا بالترشح لمنصب رئاسة الجمهورية.

في هذا السياق، يجب الإشارة إلى أن انتخاب قيس سعيّد رئيسا للجمهورية والشعبية التي يحظى بها جعلت الوضع أصعب بالنسبة للنهضة. فسعيّد -على خلاف السبسي- ليس من أهل الوفاق ولا يضيّع فرصة للتنويه إلى التناقضات والتنازلات التي يقوم بها خصومه. ما يفسر نسب الثقة التي لا يزال يتمتع بها رغم ضعف مردوده.

موقف سعيّد هو مصدر الأزمة السياسية التي تعيشها تونس حاليا. إذ بعد تحوير وزاري جزئي قام به رئيس الحكومة هشام المشيشي في 16 يناير/كانون الثاني 2021 -وقد أملاه عليه كل من قلب تونس والنهضة- رفض سعيّد تنظيم حفل أداء اليمين للوزراء الجدد، وهو شرط لازم لممارسة نشاطهم. وبينما كانت بعض الأحزاب والمؤسسات تسعى إلى لعب دور الوسيط بين رئيس الجمهورية ورئاسة الحكومة، آثرت النهضة خطاب المواجهة. وفي 27 فبراير/شباط 2021، دعا الحزب أنصاره إلى التظاهر دفاعا عن “المؤسسات والشرعية”. وهكذا نزل آلاف المتظاهرين رِجالاً وقد أتوا من كلّ فجّ عميق إلى شارع محمد الخامس في العاصمة، غير مكترثين بالتباعد الجسدي أو بتدابير جائحة كورونا مثل منع التنقل بين المدن. استعراض كهذا من شأنه أن يحشد الصفوف حول راشد الغنوشي الذي قد يفقد منصبه كرئيس للبرلمان.

برغم اندماج النهضة في جميع مظاهر الحياة العامة، لا يزال جزء من المجتمع يرفضها – وهو أمر لا ينحصر على “الاستئصاليين” إن كانوا من اليسار أو من أنصار النظام السابق

صحيح أن قدرتها الدائمة على التأقلم تسمح للنهضة بالمكوث في الحكم على المدى المتوسط. لكن هذا الخط قد يهدد وجودها على المدى الطويل. أولا، لأن عدد ناخبيها أصبح لا يتجاوز قاعدة ضيقة متكونة من نشطاء قدامى يجمعهم ماض نضالي مؤلم، حتى أن عددا ممن كانوا يُعتبرون مقربين من راشد الغنوشي غادروا الحزب. ثانيا، لأن هالة الشيخ راشد الذي يتزعم الحزب منذ 30 سنة بلا هوادة باتت تهدد بالفتور. فآثار المؤتمر العاشر لم تُمح بعد بينما يُنتظر انعقاد المؤتمر الحادي عشر -الذي تأجل أكثر من مرة بسبب جائحة كورونا-، والذي يُنتظر أن يحسم في مسألة بقاء الغنوشي على رأس الحزب -وهو ما لا يسمح به القانون الداخلي الحالي- أو تعيين خليفته. وقد أمضى 100 قيادي في النهضة في سبتمبر/أيلول 2020 رسالة مفتوحة إلى رئيس الحركة يطلبون فيها منه عدم الترشح مجددا لهذا المنصب، وهو حدث استثنائي في هذا الحزب الذي اشتُهر بانضباطه الداخلي.

أخيرا وليس آخرا، ورغم اندماج النهضة في جميع مظاهر الحياة العامة، لا يزال جزء من المجتمع يرفضها -وهو أمر لا ينحصر على “الاستئصاليين” إن كانوا من اليسار أو من أنصار النظام السابق. فبعض الممارسات التي تذكّر بأيام النضال السري لا تزال موجودة، ما يثير توجس المواطنين، من ذلك مثلا تقديم عدد من المسؤولين الإداريين أو السياسيين المقرّبين من الحزب على أنهم مستقلون. ممارسات كهذه تغذي الشكوك حول وجود هياكل موازية، وهو أمر ليس بالنادر بالنسبة للحركات المرتبطة بالإخوان المسلمين.

مؤخرا، وجدت هذه الشكوك صدى بسبب صراع شبّ حول الفرع التونسي للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين. فمنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020، يقود حزب عبير موسي اعتصاما أمام مقر الاتحاد، وقد قررت الأخيرة في 9 مارس/آذار 2021 دخول المقر والاستيلاء على جزء من أدواته التعليمية. ردا على ذلك، قامت شخصيات محسوبة على الإسلام السياسي بتنظيم اعتصام مضاد، من بينها نواب ائتلاف الكرامة، وجزء من قيادات النهضة، وكذلك مسؤولون سابقون في الحزب كانت استقالتهم قد أحدثت ضجة كبيرة. هذا الدفاع اللا مشروط على الحركة يعزّز شكوك البعض بوجود ولاء لحركة فوق وطنية تريد مهاجمة الدولة التونسية. وكما برّر هذا الخطاب قمع نظام بورقيبة وبن علي للإسلاميين، فقد يخدم مصلحة عبير موسي التي تسعى إلى قلب صفحة الثورة.

(*) بالتزامن مع موقع “أوريان 21

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  "هآرتس": إسرائيل تبحث عن صورة إنتصار ما!