عندما يُعلن الفلسطيني عداءه لشرعة الوقت
Palestinian women hold Palestinian flags during clashes with Israeli forces near the border between the Gaza strip and Israel, east of Gaza City on May 14, 2018, following the the controversial move to Jerusalem of the United States embassy. At least 58 Palestinian protesters were killed and more than 2,000 others were injured at the Gaza-Israeli border during clashes against the US embassy move to Jerusalem as well as marking the Nakba Day. Palestinians are marking the Nakba Day, or the day of the disaster, when more than 700 thousand Palestinians were forcefully expelled from their villages during the war that led to the creation of the state of Israel on 15 May 1948. Protesters call for the right of Palestinians to return to their homeland. (Photo by Momen Faiz/NurPhoto via Getty Images)

"هاذا الي بيعملوا المستوطنين مش رد فعل، هذا نهج من 1948. إحنا بدنا ندافع عن حالنا ضد الدولة" (ابنة حيفا صباح 13 أيار/ مايو 2021).

ما يحدث في الضفة والداخل عظيم وتاريخي. لا يقتصر على واقعة الإلتحام الميداني، بل في إنتصار فعل الرفض على إيقاع اليومي الذي استوطن سيرة الحياة المقرونة بتطور الدولة القومية الصهيونية. هو إنتصار لثقافة الرفض، على فسحة النجاة اليومية التي تغرسها نماذج دول الإستعمار “الحديثة”. أجساد أصحاب الفعل الملحمي هذا، هي إنتصار لثقافة بدأتها الإنتفاضات العربية وانكسرت رغمًا عنها في تمرحلية عفوية أُحبطت فيها الجماهير. تلك العفوية التي يقدّسها الأكاديميون وتهندسها الأنظمة ويرعاها إفلاس الواقع اليساري التنظيمي، فتبقى مطلبية من دون أفق ثوري.

إبن فلسطين – إبن النكبات المعاصرة لآنية عالمنا المأزوم، وإبن السردية المُقصاة برغم ذيع صيتها، وإبن الشك الذي يصيب اللاجئ عندما يقرأ تلك السردية مرتين، مرة بعيون الأسلاف ومرة بعيون حاضره الملتبس. وصل إبن التناقضات إلى عتبة الانفكاك الأولى، تلك التي تضعه في موقع العداء مع منطق المؤسسات التمثيلية وشرعة الزمن التمرحلي اللذين تفرضهما بنية الإستعمار الجديد والإستعمار المعاصر، على حد سواء. منطق يُتَرجم على  شاكلة حركيات سلعية ورأسمالية وقانونية حيناً، ووجدانية هوياتية إنعزالية أحيانًا أُخرى. عند تلك العتبة، ينكشف غموض اليومي عارياً عن لغته المستعمَرة، بيّنًا بحقيقته المأزومة كما خلقتها قوى الإستعمار الرأسمالي الأولى، فيتذكر إبن المواجهة ـ وهو يتأمل ذاك الغموض ـ أزمة السردية في مهدها وفداحة خطاب الميثاق الوطني الفلسطيني. يصبح ذاك المنفي في أرضه المستعمرة الشاهد الأخير على أزمة المآل الجماعي المزعوم – أزمة حركة التحرر الوطني في بادئها المرتبك.

أمام ذاك التأزم، يعلن الفلسطيني عداءه لشرعة الوقت، فينغمس بذاته الجماعية ويستمر برفضه المجرد العفوي الجامح ليسرق في زخم الانتفاض من هذه الدنيا فسحة تفكًّر في تلك الأزمة – أزمة المآل التحرري. فكيف له أن يتفكّر في التحرُّر (لا التحرير) ولا رفيق له ولا عصبة تحميه، لاصرخة يعزي بوضوحها وحدته عند حدود الجوار القومي المأمول – لا شيء في فضاء فعله إلا جملة أقلام  لم تقدّم أجساد حامليها على التضحية لأجل المضطهدين المنتفضين ضمن حدود دولة “استقلالهم” القومية حينما أعلنوا رفضهم لبناءات الدولة القومية وللفعل الاستعماري، على حد سواء.

الدول لا تهزم ولا تزول إلا بفعل نقيض منتظم، فتراها لا تمانع حربا صاروخية، لكنها لا تتحمل صلاة فجر في غير وقتها ولا تنظيما قاعديا لا دولتيا، فذاك لن يعرف طاولة تفاوض ولا امتدادات منظوماتية تستحكم بآليات صنع القرار لديه

ولكن وبرغم ازدحام المشهدية والعجز الذي يحكم غدها المجهول، ها هو إبن التناقضات حينما تتبلور – إبن الضفة والداخل – ينزل رغمًا عن تكالب الزمن مع غموض المآل التحرري المنكسر، عساه يثأر لكل من انتفض في الجوار القومي وحيداً دون مجيب، من عمّال عكار وعرسال وطرابلس الى أرياف المغرب مروراً بأهازيج حمص. ثورة الفلسطيني هذا – لا غيره من الفلسطينيين – “تحثنا على” إستيعاب المعركة بتشابكها – إنها معركة ضد فكرة الدولة التابعة، ضد فكرة تلك الكيانية الراعية لإرهاب المؤسسة المدنية والمواطنية والعسكرية  – ضد إرهاب الدولة ووجودها الكياني التابع بحد ذاته، غستيطانية إحلالية كانت أم لم تكن. الرعب الذي يمزق الدولة الصهيونية يذكرنا بأن النضال المعسكر ليس نفسه نمط الاشتباك العنفي القاعدي، فالدول الرأسمالية الاستعمارية لا تزول بفعل عدو يحاكي بتكوينه المؤسسي وبأشكال علاقاته المجتمعية وأنماط عنفه الرمزي الديني تكوينه الحديثة. الدول لا تهزم ولا تزول إلا بفعل نقيض منتظم، فتراها لا تمانع حربا صاروخية، لكنها لا تتحمل صلاة فجر في غير وقتها ولا تنظيما قاعديا لا دولتيا، فذاك لن يعرف طاولة تفاوض ولا امتدادات منظوماتية تستحكم بآليات صنع القرار لديه.

بالعنف والثأر المنظمين وحدهما يستعاد الأمل في إيجاد إجابة لتأزم سؤال وجودنا الجمعي – سؤال المشروع النقيض. لكن، وإلى حين أن تجد أقلام الاستعراض التضامني طريقها إلى الانتظام نحو فهم التحديات وتفكيك أنماط الاشتباك، لا يبقى لنا إلا أن نقول إن سواعد أهل الضفة والداخل أعلنوا الانفكاك الأول، الذي فيه قامت المواجهة وبه تتحدد المسؤوليات التاريخية – من كل حسب موقعه لكل حسب استعداده – لتحدي الرأسمالية وآنيتها الاستعمارية.

لسنا مستعدين لفهم ثقل المواجهة، لكنه حراك قاعدي يفتح احتمالات لا يخلو أي منها من سؤال الفعل الجماهيري في دول الجوار. سؤال الخطاب. سؤال اللغة وسؤال الانتظام حيث موقعنا الطبيعي النقيض ضد بناءات التاريخ بأسره – ضد أنظمتنا العربية. فإما أن نرفض واقعنا على اختلافاته ونثور مع أهلنا في الضفة والداخل، وإما أن نرضخ إلى خطاب التضامن المترهل فنحكم على مآثر أهلنا بتمرحلية أخرى تزيد تأزم واقعنا تأزمًا ومرارة التضحيات انكسارًا.

هنا يأتي سؤال المخيم الفلسطيني في لبنان، هل سيفوّت المخيم وامتداداته المنغرسة في بناءات منطق المجتمع المدني اللبناني وتشكيلاته الزبائنية فرصة إعادة بناء علاقاته الداخلية نحو التحرر من فكرة المخيم بحد ذاته

هذه ليست نقطة تحول لا رجعة عنها وحسب، لا.. هذه الثورة الفلسطينية، ثورة ضدّ الدولة الصهيونية تأتي في سياق تراكمي من هبات الشعوب العربية وشعوب المنطقة على نحو أعم. هذا يجعل من الفعل في الضفة والداخل الفعل التحولي المنتظر الذي سيوضح معنى شعارات انتفاضاتنا هنا حيث اللسان العربي وهناك في كل أصقاع الأرض المعذبة.

إقرأ على موقع 180  مركز هرتسليا: تحركات إقليمية خارج المعسكرات والتحالفات

ولكن هذه الثورة المنتظرة تأتي أيضا في ظل انكسارات فكرية وتشظيات هوياتية وانعدام تنظيمي على الأرض. هنا يأتي سؤال المخيم الفلسطيني في لبنان، هل سيفوّت المخيم وامتداداته المنغرسة في بناءات منطق المجتمع المدني اللبناني وتشكيلاته الزبائنية فرصة إعادة بناء علاقاته الداخلية نحو التحرر من فكرة المخيم بحد ذاته. هل سنكتفي نحن اللاجئون بتسطيح ثورة فلسطين عبر تقنينها بلغة فئوية تترفع عن حقيقة منتظمات القمع التي تحاصرنا على هذه الارض – أرض لبنان؟ هل سنفوت فرصة أخرى لزعزعة سكينة الأنظمة التي تستحوذ على قضيتنا في بعدها المجرد – يعني تلك القوى المسلحة التي تحاصر المخيم وتغني لفلسطين ليل نهار؟ هل سنكتفي بالتبجح بمآثر “فلسطينيتنا” متغاضين عن ذل واقعنا دون أن نتأمل بماهية مواقعنا ومواقع اشتباكنا نحن هنا؟

بين هذا التساؤل وذاك يبقى الثابت الوحيد أن نهج الرفض هو ذاك الذي يحدد وجهة البندقية، فها هي المواجهة قائمة ومسؤولية بلورة قواعد اشتباكها تاريخية.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتبة فلسطينية، بيروت، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  تيار ثالث بين الفكر الحديث.. والتحرير