“الجدار الطيب”.. التسلل من الإنقسام الأهلي إلى التطبيع!
An Israeli officer locks the military border gate number 93 after dozens of armoured vehicles and hundreds of jubilant soldiers had poured back into the Jewish state from southern Lebanon overnight 24 May 2000. Israel has completed its pullout from south Lebanon ending 22 years of occupation. (ELECTRONIC IMAGE) (Photo credit should read MENAHEM KAHANA/AFP via Getty Images)

لم يبدأ تاريخ العلاقات اللبنانية ـ الإسرائيلية من "الجدار الطيب". كان هذا الجدار تتويجاً لعقود من العلاقات السرية وأحياناً العلنية بين عائلات وأحزاب وشخصيات لبنانية من جهة وإسرائيل ممثلة بالوكالة اليهودية وحكومتها وعناوين مختلفة من جهة ثانية.

اللبنات الأولى لـ”الجدار الطيب”، كما تعرّفه الأدبيات الإسرائيلية، وضعها وزير الدفاع الإسرائيلي السابق شيمون بيريس في 26 كانون الثاني/ يناير 1976، خلال إعلانه “عن استعداد إسرائيل لاستقبال اللاجئين المسيحيين الناجين بأرواحهم، من جحيم الحرب الأهلية التي تدور رحاها في بيروت الشرقية”.

الدعوة الإنسانية هذه كانت مقدمة لمشروع سياسي يؤسّس لإقامة علاقات مدنية بين سكان المنطقة الحدودية اللبنانية وبين الدولة العبرية، تمهيدا لخلق وضع جديد على الحدود الفاصلة بين لبنان وإسرائيل التي عبّرت بلسان بيريس عن هذا الأمر بالقول إن الأسلوب السليم “هو عدم السيطرة على مناطق بل إقامة شبكة علاقات أهلية مع أطراف في المجتمع الحدودي”.

أرادت إٍسرائيل لـ”الجدار” أن يكون “جسر  سلام”  مع “جيرانها اللبنانيين”، وفقا لتصوراتها، تعبر من خلاله الى قلوب الجنوبيين وعقولهم عبر مدهم بالمساعدات الإنسانية، مستفيدة من انسحاب الدولة اللبنانية وغياب المرجعية الأمنية (فوضى السلاح والمسلحين في المنطقة الحدودية) وعجز المؤسسات الرسمية والإدارات المحلية عن إدارة وتدبير شؤون أبناء القرى الحدودية نتيجة استفحال الإنقسامات الأهلية والأزمات المعيشية والاجتماعية (تكفي قضية شراء التبغ من المزارعين وحدها لإستجلاب أي عنصر خارجي وقتذاك) والإفتقاد الى مرافق عامة وبنى تحتية أساسية، إضافة الى تداخل العناصر المحلية والإقليمية مع تحول هذه المنطقة الى خط تماس بين الحركات اليسارية والفلسطينية من جهة والقوى المسيحية اليمينية المناوئة لها مثل حزب الكتائب وحزب الأحرار وحراس الأرز وحزب التنظيم من جهة ثانية.

في النصف الأول من العام 1976، زرع الجيش الإسرائيلي 21 موقعا عسكريا على طول حدوده الشمالية مع لبنان، ما بين بلدتي الناقورة والقليعة، عمل على تحصينها وتدشيمها وتزويدها بوسائل المراقبة، غير أن ميزتها الأساس أنها كانت ستشرف على ما حددته إسرائيل من بوابات عبور، كانت “بوابة دوفيف” الأولى من بينها مع تدشينها في 7 آب/ أغسطس 1976، وكانت تصل ما بين مستعمرة دوفيف وبلدة رميش الجنوبية في قضاء بنت جبيل (القطاع الأوسط).

البوابة الثانية كانت بين مستعمرة المطلة وبلدة كفركلا في قضاء مرجعيون (القطاع الشرقي). الثالثة بين مستعمرة حانيتا وبلدة علما الشعب في قضاء صور (القطاع الغربي). الرابعة أسميت “بوابة الماري” وتقع في مواجهة بلدة العباسية، وقد افتتحت في آذار/ مارس العام 1977 وأقفلت في 18 حزيران/ يونيو 1978.

وبعد عملية الليطاني في 14 آذار/ مارس العام 1978، انشأ الاحتلال عددا من البوابات الإضافية وجهزها بالبنى التحتية اللازمة لخدمة مشروع التطبيع مع لبنان، فعمل على تأهيل “بوابة افيفيم” قبالة بلدة مارون الراس والتي تعود الى العام 1948. لكن ما لبث ان اقفلها لأسباب إدارية في كانون الثاني/ يناير 1983.

وفي منتصف العام 1979 افتتح الإحتلال “بوابة الناقورة” التي باتت في عهدة قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) وهي أصلاً بوابة حدودية تاريخية بين لبنان وفلسطين المحتلة. وفي أوائل العام 1980 افتتحت “بوابة ترمس” التي تصل ما بين مستعمرة المالكية ومنطقة الكيلو 9 الواقعة ما بين خراج بلدتي عيترون وبليدا، لكن الإحتلال قرر إقفالها في العام 1987 ثم أعيد  افتتاحها مجددا في احتفال رسمي في 5 تموز/ يوليو 1989، وقد خصصت لنقل العمال اللبنانيين الى أماكن عملهم في المصانع الإسرائيلية في الجليل الأعلى.

وبعد اجتياح إسرائيل للبنان في العام 1982، افتتحت بوابة “ميتسي بابير” وهي تصل ما بين مستعمرة المنارة وبلدة ميس الجبل. وقد شكلت مسلكا للعمال العابرين إلى فلسطين المحتلة.

ومع مطلع العام 1985 ثبّت الاحتلال في الشريط المحتل ثلاث بوابات هي: “بيرانيت” التي أقيمت على أنقاض بوابة “دوفيف” (بين رميش ودوفيف)، “المطلة” (بين كفركلا والمطلة) والناقورة (بين الناقورة وآخر نقطة حدودية ساحلية شمال فلسطين المحتلة)، وعمل على تكريسها “بوابات دولية” مع تسلم حرس الحدود الإسرائيلي مهمات الأمن فيها. كما انشأ العدو داخلها عدداً من الفروع للإدارات والوزارات كالجمارك وفرع لمصرف “ليئومي” ومكاتب للعلاقات المدنية كان مؤهلا لمنح تأشيرات الدخول.

واللافت للانتباه ان بوابة كفركلا ـ المطلة كانت الأكثر شهرة وكان يجري إقفالها ثم تدشينها تبعاً لإعتبارات أمنية وإدارية، لكنها أصبحت منذ مطلع العام 1989 البوابة الرسمية الأساسية وخصصت لعبور المدنيين في الاتجاهين. وقد أقام الاحتلال، سنتذاك، احتفالا بالمناسبة حضره حشد من الضباط الإسرائيليين واللحديين. وأطلق عليها اسم “بوابة فاطمة” تيمناً باسم أول امرأة لبنانية عبرتها للولادة في إحدى المستشفيات الإسرائيلية.

صوّرت إسرائيل بداية تقديماتها لسكان المنطقة الحدودية اللبنانية على أنها “مبادرات محلية” من “جيرانهم” من أبناء بعض الطوائف الإسلامية والمسيحية و”الهيئات الشعبية” في قرى عربية (مناطق الـ 48)، بهدف تزويد “إخوانهم” في القرى والبلدات الجنوبية بالمواد الغذائية والطبية جراء النقص الذي كانت تعانيه، لكن هذا الغطاء الذي استخدمته إسرائيل ما لبث أن اختفى وتولي جيشها مباشرة التقديمات من خلال الحاكم العسكري. وثمة واقعة عندما تولى هذا الحاكم توزيع شحنة كبيرة من المواد الغذائية الأساسية  والبطانيات في قرية العيشية، حيث نادى الضابط الإسرائيلي على العائلات بالاسم لأخذ حصصها!

إقرأ على موقع 180  البؤس اللبناني.. وسذاجة المشروع الفيدرالي

وجد الكثير من اللبنانيين ضالتهم  في إسرائيل التي شرّعت  الأبواب للعمل في مهن محددة سلفا، خصوصا بعد ترسيخ احتلالها لمنطقة الشريط والذي أدى الى شلل اقتصادي وفقدان فرص العمل. فكان لا بد للبعض من البحث عن فرص تقيه الحاجة والجوع والتشرد، مثلما كان دافع فئة صغيرة الربح من دون أن يرمش له جفن.

تجدر الإشارة إلى أن العبور الأول الى إسرائيل كان تجاريا، وكان عبارة عن شحنة تبغ عبرت من بلدة رميش في 29 تموز/ يوليو العام 1976، وتولت شراءها الحكومة الإسرائيلية، بعدما قررت إدارة حصر التبغ والتنباك عدم شراء مواسم بعض القرى. بالمقابل كانت دفعة العمال اللبنانيين الأولى هي التي تم توظيفها (مياومين يوميين) في معامل التبغ في صفد في الأول من آب/ أغسطس العام 1976. وتلا ذلك في السنة نفسها عبور أول دفعة من السياح اللبنانيين إلى الجليل الأعلى لزيارة أقاربهم هناك!

سعت إسرائيل لتأمين عمالة لبنانية رخيصة في القطاع الزراعي من جهة، وإلى تأمين رفد “جيش لبنان الجنوبي” بالعنصر البشري من جهة أخرى. للعمل داخل إسرائيل شروط يجب توافرها. أولها أن يكون لطالب العمل قريب يخدم في “الجنوبي” وفي حال عدم وجوده يلتزم باستئجار بطاقة من احد مجندي “الجنوبي” مقابل بدل شهري قدره بين 50 و75 دولارا. أما بالنسبة للنساء، فإنهن يُمنعن من العمل إذ لم يكن لهن قريب في “الجنوبي”. ومن الشروط أيضا أن يكون العامل تجاوز الـ 35 من عمره ويُعفى من هذا الأمر إذا كان لديه أشقاء في “الجنوبي”.

21 عاماً على التحرير. صارت البوابات ولا سيما “بوابة فاطمة” من معالم الإرادة.. الجدار الطيب صار جداراً من الإسمنت. إسرائيل تزنّر حدودها الشمالية بجدار فاصل وبأسلاك تلو الأسلاك وبأبراج مراقبة ومنظومات رصد وإنذار ومراقبة بينما يقبع جنودها في مواقعهم المحصنة، ضمن معادلة الردع التي جعلت الإسرائيلي ينتقل من موقع الهجوم إلى الدفاع.. ولعل تجربة حرب غزة الأخيرة خير دليل على مآلات جيش الإحتلال من الألفين إلى 2021.

 

Print Friendly, PDF & Email
علي دربج

باحث ومحاضر جامعي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "يوم الغفران" 2021.. الجيش المصري "أكبر بكثير من الجيش الإسرائيلي"