“عاش يا رفيق”..

تبدأ الحكاية قبل نحو تسعة أعوام. تحديداً في كانون الأول/ديسمبر من العام 2012. كنتُ قد تسللت إلى عالم الصحافة من باب واسع وعريق، إذ قادتني مصادفة إلى صفحات جريدة "السفير". 

“السفير” دفعة واحدة؟ أكاد إلى اليوم لا أصدق أن ذلك حصل.

قبل شهرين من ذلك التاريخ، وبفضل الصديق محمود الحاج محمد، كان مقالٌ لي قد وجد طريقه إلى صفحة «صوت وصورة»، أي إلى يدي الزميلة سناء الخوري التي قالت بعد نشر المقال بأيام قليلة، وببساطة: “أهلاً وسهلاً بك في الصفحة”.

ستكفي أسابيع قليلة لأشعر أن لي مكاناً في ذلك المبنى حتى قبل أن أعبر الحدود لأول مرة في حياتي خارج سوريا قاصداً بيروت. وسأسأل سناء بعد شهرين: كيف يمكنني أن أنشر في قسم «العربي والدولي»؟ وتجيبني ببساطة: “أرسل لي ما لديك، وسأفعل”.

سأشرب القهوة في مكتب «صوت وصورة» بعدها بأيام قليلة، في زيارة باتت حدثاً اعتيادياً بالغ الود في زمن قصير، أسأل سناء: «يا ترى صار شي بمقال عربي دولي»؟ فتقول: لحظة. ترفع سماعة الهاتف، وتتحدث مع زميل لها، ثم تقول لي: “هذا زميلنا وسام”، وستقول كلاماً لم أنتبه إليه في حينها عن لطفه، ومهنيته، وأكتشف بعد سنوات أن ما قالته هو أشبه بلازمة تكاد تُقال كلما قيل اسمُه.

«يعطيك العافية حبيت المقال»، يقول شاب ثلاثيني تُزيّن الابتسامة وجهه وسأكتشف لاحقاً أنها جزءٌ من تكوينه، وليست سلوكاً يتقصده. (يولد كل الناس ولهم أفواه، ويولد بعضهم بأفواه باسمة، ووسام واحد من هؤلاء). منذ ذلك الوقت، صار لي مكتبان متجاوران في الطبقة الثالثة من مبنى “السفير”، أنا الغرّ الذي لم تمرّ على نشر مقاله الأول ثلاثة أشهر.

«يعطيك العافية حبيت المقال»، يقول شاب ثلاثيني تُزيّن الابتسامة وجهه وسأكتشف لاحقاً أنها جزءٌ من تكوينه، وليست سلوكاً يتقصده. (يولد كل الناس ولهم أفواه، ويولد بعضهم بأفواه باسمة، ووسام واحد من هؤلاء)

حسناً، سأبوح اليوم لك بسر صغير يا وسام. مرة قلت لي: «بركي بتعمل لنا فيتشر عن.. إلخ». مَنعَني حياءٌ أحمقٌ من أن أسألك: «شو يعني فيتشر»؟ فهذا الغرّ الذي كانت علاقته بالصحافة حتى وقت قريب علاقة قارئ لا أكثر، كان يسمي كل ما فيها: مقالات. لم أسألك، بل قلت لك: «أكيد بعمل»، وانطلقت من فوري لأبحث وأقرأ وأعرف «شو يعني فيتشر»، فتكون لي مُعلماً حتى من دون أن تقصد. ستمضي سنون بعدها، وأنا أتذكرك كلما قلتُ كلمة «فيتشر»، بعد أن صارت كتابته من أحب الأشياء إليّ.

بالأمس صباحاً، توفيت جدتي في حلب يا وسام. كانت حكاياتها رفيقة طفولتي، كما دأب معظم الجدات، وها أنا منذ ساعات أقول لنفسي: لقد تيتمت الحكاية كما تيتّم «الفيتشر”.

أعيد الآن قراءة ما كتبت، ثم أقول لنفسي: لم يكن هناك لزوم لكل هذه التفاصيل، كان على هذا الكلام أن يحتفي بك وحدك يا وسام. أفكر قليلاً، ثم أبتسم إذ أعي أن كل احتفاء بقلب أبيض هو احتفاء بك، وكل امتنان ليد ممدودة هو امتنان لك.

ألقي نظرة على سجل المحادثات بيننا، آخر الرسائل كانت جملة منك: «عاش يا رفيق”!

فلتعش أبداً يا رفيق، فلتعش أبداً.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  هنا بغداد.. دفاعاً عن وزارة الدفاع
صهيب عنجريني

كاتب سوري

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  لبنانيون يعترفون بمرارة: نستحق هذا البؤس!