ويسو الجميل.. “الشلال انجرح”

"أروح لنين".. هكذا كان يحوّر وسام متّى أغنية أم كلثوم "أروح لمين" وهو يتسكع في شوارع موسكو عام 2019. وسام الذي يحب روسيا حباً جمّاً كان يحقّق الإنجاز تلو الآخر وكأنه يعلم أن لا وقت!

كان وسام يطوي الأيام بسرعة تفوق أقرانه من الصحافيين، فبين عمله في وكالة “سبوتنيك” الروسية، وقبلها في “السفير” اللبنانية، وتأسيسه منصة “المسكوبية”، التي تعنى بالشأن الروسي والتي حوّلها في ما بعد إلى إذاعة في آخر أيامه، وإلى جانب ذلك، كان موقع “بوسطجي” يزخر بالمواد التحليلية القيمة، وصولاً إلى تجربته المهمة مع موقع ومجلة 180 بوست.

ومن يتابع وسام من بعيد وهو يتسكع في أي مكان سيرى أن تلك العينين الزرقاوين الجميلتين إنما تحمل كنزاً نادراً، كروحه النقية، فلقطاته الفوتوغرافية وصوره البديعة جعلته يمسك تفاصيل المهنة بيديه المكتنزتين والدافئتين بإحكام.

صحيح أنه رحل عن عمر 44 عاماً لكنه يمثّل نموذجاً حقيقياً للصحافيين. ليس للصحافيين المبتدئين فقط، بل لأقرانه الذين كانوا يرونه يحصد الزمان ويحقق الإنجاز تلو الآخر ويسبقهم، وكأن الحياة همست له ذات مرة خلسة، بأنك لن تطيل المقام طويلاً هنا “يا ويسو الجميل”.

ومن يتابع محبة وسام لروسيا ولغتها وكل تفاصيلها يعتقد أنه يحبها بمنطق العقائد والتوابع، لكن وسام الصحافي والكاتب والمثقف والإنسان، الذي قارب صفحات السياسة اللبنانية والعربية والدولية بلغة نقدية حقيقية، إنما يتابع بفطرته النقية وصدق مشاعره وأفق معارفه الواسعة ما يعتقد أنه لصالح بلده ووطنه العربي، وفي لحظة ما، كنا نرى عينيه الضيقتين تلمعان وبسمة خبيثة تطل من شفتيه، وينحني على كومبيوتره.. وينسى العالم ويبدأ الكتابة بإنسيابية جميلة جداً.

إن من يريد أن يفهم ما يجري في روسيا وعلاقته مع دولنا العربية لا يُشفي غليله إلا منطق وسام الوطني والأممي الأصيل. يبسط الإشكاليات بمقالاته السلسة والهادئة كروحه تماماً، ذلك أن الناس في النهاية يكتبون ما تمليه الروح حتى عندما يكتبون سياسة وفكراً.

وكانت قِبْلةُ وسام الحقيقية مهنته التي أحب، فحتى محبته للطعام والأكلات ترجمها إلى محاولة فهم لثقافة الشعوب عبر مطابخهم، وكل الأمل أن يكون قد كتب مقالات أخرى بالإضافة إلى مقالته الجميلة عن الأكلات في مدريد.

لكن برغم ما سبق، كان وسام كذاّباً كبيراً. لقد أوهم الجميع أنه يهزأ بكل شيء وبالهموم، لكن أيامه الأخيرة أثبتت أن هذا الطيب، الكريم، المُحب، الحنون إنما يكذب على من يحيطون به بضحكاته ونكاته “المهضومة” حتى يناموا ليلهم طويلاً، لكنه يكدّس الهموم في رأسه، حتى سلبته الهموم من بين أحبته وأهله وأصحابه.

برغم أن الصدق رفيقه في كل تفاصيل يومه، كان وسام لا يلتقي إلا من يُحب ولا يذهب إلا إلى الأماكن التي يحبها، لكنه أجاز لنفسه أن يخفي حزنه وتكفلت عيناه الجميلتان بفضح حزن نقي لا يملكه إلا إنسان لم تكن حياته ملكاً له، بل إنها ملك لأحبابه وأهله وجمهوريته التي لا حدود لها.

إن كاتبة هذه السطور تحاول أن ترتدي العبارات الرسمية وهي تتحدث عن صديقها الغالي، لكنها تستميح اللغة وأصول المهنة عذراً لتنزع حاجز المكان والزمان الذي بات يفصلهما وأن تركض في ردهات ذلك المستشفى الذي ضم وسام، وتقبض على كفه الدافئة للمرة الأخيرة وتهمس له:

إنك يا صديقي الغالي تعلم طبع بيروت الجميلة، ستعود يا صديقي جميلة بهية.. كم مرة تدمرت بيروت وعادت أجمل؟ فاهنأ يا صديقي في نومك الطويل وانتظرنا، وأعدّ لنا معك – عندما يحين الوقت – جلسة هناء..

أنا يا وسام لا أعلم إن كنت أضحك من قلبي مع سواك يا صديقي، وإن كنتُ أهنأ بتناول الطعام مع سواك. لا أعلم إن كنت أستمتع مع غيرك بالسفر إلى موسكو، مدينتنا التي نحبها بطريقتنا والتي بسطتَ شوارعها أمامي تاريخاً عذباً وكأنني أقرأ كتاباً سلساً جميلاً.. أتذكر تلك الليلة ونحن نسير من شارع “الأربات” نحو الساحة الحمراء وتحدثني عن كل حقبة تفيض بها شوارع موسكو؟

أتذكر كيف توجهت فيروز (الملكة شاكيلة) في مسرحية بترا إلى الملك حين عاد؟ “يا ملك المملكة تمسك بالفرح وتصيد السعادة.. الشلال انجرح”.

وسام، لقد انجرح شلال الضحكات في حياتي يا صديقي، انجرح.

“وتاري الأحبة ع غفلة بروحوا وما بيعطوا خبر!”

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  «طريق حرير» غربية مقابل طريق الحرير الصينية
عمان ـ رانية الجعبري

صحافية وقاصة من الأردن

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  تل أبيب تحتفي بهوكستاين: الوقت ليس لصالح لبنان!