خبراء روس: لطالبان طموحات في آسيا الوسطى

على عكس الغرب، تتفاعل روسيا بهدوء مع المشهد المتغير في أفغانستان. تبدو موسكو مستعدة للتعاون مع حركة طالبان، لكن بشروط أبرزها ما يتصل بأمن دول آسيا الوسطى.

لم تُبَاغت موسكو بالحدث الأفغاني. أطهر الأداء الروسي إستعداداً مسبقاً للتعامل مع إستيلاء حركة طالبان على السلطة في أفغانستان. في هذا السياق، يقول أندريه كازانتسيف، المتخصص في الشؤون الافغانية، والأستاذ في المدرسة العليا للاقتصاد وكبير الباحثين في معهد العلاقات الدولية، “لقد أعدت روسيا نفسها (للحدث الأفغاني) حقًا بشكل أفضل من غيرها”.

على المستوى العسكري – السياسي، أوضحت موسكو أنها، في ضوء التجربة السوفيتية السابقة، لن ترسل قوات إلى أفغانستان. في الوقت نفسه، تستعد روسيا للدفاع عن حدود دول آسيا الوسطى المتاخمة لحدود افغانستان ولا سيما حدود طاجيكستان، كما يقول كازانتسيف. مناورات وتدريبات وسيناريوهات حول كيفية منع تسلل الجماعات الإرهابية عبر الحدود. الأولوية لحدود طاجيكستان، الدولة التي تقع فيها القاعدة العسكرية الروسية. هذه هي التدريبات العسكرية الروسية الثالثة في المنطقة في الأسابيع الأخيرة. طاجيكستان لديها أطول حدود مع أفغانستان بين دول ما بعد الاتحاد السوفياتي (أكثر من 1300 كلم).

بدورها، تعمل وزارة الخارجية الروسية، بحسب كازانتسيف، على ضمان “عدم وصول الوضع إلى حد استخدام الأسلحة لحماية دول آسيا الوسطى”، كما تنسق مع “لاعبين إقليميين مهمين مثل الصين وإيران وباكستان والهند”. ويحذر من أن خطر اندلاع “حرب أهلية جديدة” في أفغانستان، قد يؤدي إلى تورط دول آسيا الوسطى ومعها روسيا. وسيكون لذلك تداعيات خطيرة في تلك المنطقة.

تحت أي ظروف يمكن لروسيا الاعتراف بطالبان؟

يشير أندريه سيرينكو، رئيس مركز دراسة السياسة الأفغانية، إلى أنه لن يكون من السهل بالنسبة لروسيا التوصل إلى اتفاق مع طالبان. ويعتقد أن آمال الدبلوماسيين الروس في أن تحارب طالبان هياكل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة في أفغانستان مبالغ فيها. وقال سيرينكو: “الخط الفاصل بين طالبان وداعش في أفغانستان غامض”.

الصعوبة الثانية، يضيف سيرينكو، هي أن طالبان منظمة إرهابية محظورة على أراضي الاتحاد الروسي. لذلك، “لن يكون من السهل على موسكو أن تشرح لماذا عندما كانت حركة طالبان تتحرك عبر الجبال، كانت مخيفة، والآن ليس عليهم أن يخافوا منها”. ويقيم سيرينكو التصريحات الإيجابية للدبلوماسيين الروس حول طالبان على أنها “تحضير للاعتراف واتخاذ القرار السياسي”. وهو يفترض أن مثل هذا القرار يمكن أن تتخذه موسكو بالتنسيق مع الصين.

يعتقد غلازونوف أن طالبان تملك خططًا طموحة تتجاوز أفغانستان: إنشاء حزام من الدول الإسلامية في آسيا الوسطى. “ولذلك، لن يتوقفوا. طالبان، تقاتل منذ أكثر من 20 عاما، ومن المفيد لها كسب المزيد من الحلفاء.. وعلى الصين أن تكون حذرة. فـ”منطقة شينجيانغ الأويغورية ذات الحكم الذاتي قد تشتعل أيضا”

 من جهته كتب سيرغي ستروكان، في “كوميرسانت”، حول ولادة أفغانستان جديدة وما تعد به من تغييرات جذرية في منطقة مصالح روسيا الاستراتيجية، حيث اشار الى انه  بعد رفضها التحديث الغربي، تحصل أفغانستان على فرصة لتنفيذ مشروع إسلامي “وطني”، بفعل انتصار طالبان. فالتحول الجذري في البلاد التي غادرتها الولايات المتحدة يطلق سباقا إليها، وفرصا فيها، يمكن أن يستفيد منها المنافسون الرئيسيون للولايات المتحدة، وخاصة الصين، التي تتوسع في آسيا.

يسمي أندريه كازانتسيف الوضع الحالي لطالبان في روسيا بأنه “مفارقة تاريخية”، ويذكر أنه تم قبولها بالفعل في موسكو، ويقول إنه “حان الوقت لإلغاء هذا القرار من الناحية الفنية، لاستبعاد طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية”. في الوقت نفسه، يعتقد الخبير أن هذا ممكن فقط بالتزامن مع الاعتراف بحكومة طالبان. ويعتقد كازانتسيف أن بإمكان روسيا طرح شروط لذلك: “ضمانات رسمية بأن طالبان لن تهاجم دول آسيا الوسطى، وربما لن تدعم أي هياكل إرهابية مرتبطة بروسيا”.

ويقول كازانتسيف إن انتصار طالبان، الذي تصفه وسائل الإعلام الغربية بأنه هزيمة تاريخية للغرب، أثار ردود فعل متباينة في موسكو. واختلط بالشعور بأن هذه “فيتنام ثانية” بالنسبة للغرب، كما قال، “قلق، لأنه يمكن أن يصبح نموذجًا ملهمًا للجماعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم ويطلق موجة جديدة من الهجرة”.

وفي الصدد ذاته، يقول الأستاذ المساعد في قسم العلوم السياسية وعلم الاجتماع في جامعة بليخانوف، أوليغ غلازونوف، إن خطوات طالبان في أفغانستان تعرّض بنية الأمن العالمي للخطر. وأضاف أن هذه الحركة لديها خلايا نائمة في جميع جمهوريات آسيا الوسطى، بما في ذلك طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان. يعتقد غلازونوف أن طالبان تملك خططًا طموحة تتجاوز أفغانستان: إنشاء حزام من الدول الإسلامية في آسيا الوسطى. “ولذلك، لن يتوقفوا. طالبان، تقاتل منذ أكثر من 20 عاما، ومن المفيد لها كسب المزيد من الحلفاء.. وعلى الصين أن تكون حذرة. فـ”منطقة شينجيانغ الأويغورية ذات الحكم الذاتي قد تشتعل أيضا”. الأميركيون فشلوا، وطاروا بعيدا: أمريكا بعيدة، وبالنسبة لهم سواء. أما نحن، وإيران والصين، وحتى باكستان، وجميع الدول الأخرى، فسيكون علينا التهام طبختهم”.

إقرأ على موقع 180  فتوحات ابن متى

من جهة ثانية، يشير الخبير الالماني في مؤسسة برلين للعلوم والسياسة، وولفغانغ ريختر، إلى أن موسكو، وبرغم إستعدادها المسبق للحدث الأفغاني، “لا تستطيع الاسترخاء”. ثمة حاجة إلى “إستراتيجية مزدوجة” في مقاربة ملف أفغانستان. من جهة، محاولة التفاوض مع طالبان للحيلولة دون دعم تنظيم “القاعدة” الإرهابي في آسيا الوسطى، ومن جهة ثانية تقديم الدعم الروسي لطاجيكستان وغيرها من جمهوريات المنطقة. ويقول ريختر إن السؤال الرئيسي بالنسبة لروسيا سيكون ما إذا كانت طالبان ستقتصر على إنشاء “مشروع وطني لخلافة إسلامية” أم ستتعاون مع “القوات الإسلامية الجهادية التي تسعى لتحقيق أهداف خارج المنطقة، كما فعلوا قبل 20 عامًا”.

يبقى الهاجس الاساس عند روسيا هو عدم ظهور طالبان “طاجيكي” او اي نموذج طالباني في الجمهوريات المحاذية لافغانستان ما يرتب على روسيا اعباء داخلية كبيرة غير منتظرة. في هذه الحالة، هل يمكن أن تلجأ روسيا الى حل عسكري لمنع التمدد الافغاني الى داخل “الجمهوريات الاسلامية”؟ لننتظر ونرَ.

Print Friendly, PDF & Email
فؤاد خشيش

صحافي متخصص في الشؤون الدولية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  إحياء الإتفاق النووي.. بين واقعيّة رئيسي وجاهزيّة بايدن