ميشال شيحا.. وضرورة المقاومة

لن تنتهي الحربُ الأميركيةُ – الإسرائيليةُ – العربيةُ على المقاومة. ولن تنتهي المقاومةُ ضدَّ الاحتلالِ سواءٌ أكانت بحزب الله أو بغيره. المسألةُ أكبرُ من ذلك وأبعدُ.

إنها سلطةُ فيدراليةِ الطوائفِ في لبنانَ؛ سلطةٌ تُعيقُ منذ مئة عامٍ قيامَ دولةٍ. لا تريدُ على اختلافِ نزَعاتها أنْ تخرجَ من مغارةِ السلطةِ إلى رحابِ الدولةِ. ما زالت تبْنِي نفسَها على معادلةِ الانتداباتِ: من الفرنسي إلى الأميركي إلى الإسرائيلي معَ التواطؤِ الانتدابي العربي من مصر وسوريا والسعوديةِ إلى الإماراتِ إلى قطر، ولا نعلمُ منذ الآنَ من همُ الجدُدُ الذين سيَصعَدُونَ إلى القِطار. إنهم لا يأبهونَ طبعاً بِصَلَفِ العدوانِ الإسرائيلي على لبنانَ وغزّة والضفة وسوريا واليمن، ولا يتأثرونَ بمشروع “إسرائيلَ الكبرى” الذي يوزِّعُ “بنيامين نتنياهو” خرائطَهُ في الأمم المتحدة، ويتحدَّثُ عنه متواصلاً منذ العام 1996 بعد عدوانِه على لبنانَ، وارتكابِه مجزرةً إباديّة مصغَّرة عن غزَّةَ اليومَ في بلدةِ “قانا” الجنوبية آنذاك.

أمام ما سبقَ، يبدو مؤسِفاً جدّاً أنَّ السلطةَ اللبنانيّةَ لا تريدُ أنْ ترى ذلك، ولا نقولُ إنَّها “لا ترى” بل إنَّ إرادةَ الرؤيةِ منعدمة. وهكذا تسقطُ في الوحلِ الارتهانيِّ كلُّ معاني السيادةِ والاستقلالِ، وتتحوَّلُ إلى نوعٍ من خطابٍ شَعبويّ لفظويّ يُدركُ المواطنونَ أنْ لا قيمةَ له، ولا سيَّما عندما يَرَوْنَ أنَّ المبعوثَ الأميركيَّ “توم برّاك” يتصرَّفُ في ضوءِ قناعةٍ لديهِ بأنَّه هو الحاكمُ السامي الأميركي ـ الإسرائيلي، وأنَّ على لبنانَ تنفيذَ ما يطلبُهُ، مثلما تفعلُ بلادُهُ التي تقعُ هي نفسُها تحت الاحتلالِ الصهيوني على حدِّ تعبيرِعددٍ لا يُسْتَهانُ به منَ النُخَبِ الأميركية.

مجلسُ الوزراءِ اللبنانيّ مجتمِعاً بحسَبِ اتفاقِ الطائفِ، أقرَّ ورقةَ “برّاك” بلا تردُّدٍ. وَظَلَمَ الجيشَ اللبنانيَّ عندما رمى الكرةَ في ملعبهِ، طالباً إليهِ أنْ يضعَ خطةً لتسلُّمِ سلاح ِالمقاومة، وهو يعلمُ تماماً أنَّ الجيشَ لا يستطيعُ ذلك من دونِ تداعياتٍ تنعكسُ على لبنانَ كلِّه، مثلما تنعكسُ على الجيش نفسه، إضافةً إلى احتمالِ أنْ تكونَ التداعياتُ مدخلاً إلى فِتنةٍ إذا وقعتْ قد لا تُبْقي ولا تَذَرُ. والمصيبة ُالشنيعة ُأنَّ مجلسَ الوزراءِ تصرَّفَ بإزاءِ موضوعِ سلاحِ المقاومةِ كأنَّهُ قرارٌ أمنيٌ غيرُ سياسيٌ، واستعجلَ الاستجابةَ للشروط الأميركية ـ الإسرائيليـة تحـت تلاعُبـاتِ القـرار 1701، فيما الاحتلالُ يواصلُ عدوانَهُ، وفيما الضغطُ السعودي يتزايدُ، و”برّاك” لم يَعُدْ من “إسرائيل” بأيِّ خطوةٍ نوعيّة.

يعني هذا كلُّهُ أنَّ الأزْمةَ تزدادُ تعقيداً، خصوصاً أنَّ الحكومةَ تحصُرُ حديثَها عنِ السلاحِ بالمقاومةِ وحدَها، بينما لا تشيرُ إلى أطرافٍ آخرينَ في لبنانَ مدججينَ بالسلاح غيرَ أنَّهم لا يُعادونَ “إسرائيل”، ولم يَعْنِ لهم تحريرُ الأرضِ شيئاً على مرِّ تاريخِهِم، بل كانوا من أسبابِ الحروبِ الداخليّةِ السابقةِ بالتعاونِ مع العدوِّ الإسرائيلي، وبعضُ هذا التعاونِ يعودُ إلى الخمسينيّات كما كتب موشي شاريت في مذكراتِه، وكما قال لي مباشرةً المرحوم جوزيف أبو خليل رئيس تحرير جريدة “العمل” الكتائبية في أحدِ اللقاءاتِ الحوارية في بيروت. أمَّا السلاحُ الفلسطيني الذي يُريدونَهُ تمريناً فلن يُؤدِّي هذا الدورَ، وكلامُ “أبو مازن” هَباءٌ كونُهُ لا يُمثِّلُ كلَّ مجتمع ِالمخيّماتِ.

إذاً المسألةُ في كلِّ قِوامِها سياسيّةٌ ـ وطنيّةٌ، لا أمنية ـ إدارية، وهذا ما لا تجرؤُ السلطةُ اللبنانيةُ على الاعترافِ به، كما لا تجرؤُ على الاعترافِ بأنَّ الولاياتِ المتحدةَ ترفضُ إجراءَ أيِّ حوارٍ بين اللبنانيين حولَ مسألةِ السلاح، وتدعمُ السُعوديةُ هذا الموقف.

ما زالتِ الفرصةُ متاحةً للحوارِ بالرغمِ من الوصولِ إلى نهايةِ آبَ/أغسطس موعدِ تسليمِ الجيشِ خُطتَه؛ فهل تتصرَّفُ السلطة ُاللبنانية ُخارجَ إطارِ الخوفِ والانبطاح ِأمامَ الأميركيينَ؟ هلْ تدعو إلى مؤتمرٍ وطنيّ يُشاركُ فيه كلُّ الأطرافِ لوضع إستراتيجيةٍ وطنيّة موحَّدةٍ لمعالجةِ موضوعِ السلاح أم تبقى رهينةَ ما يقولُهُ المبعوثونَ الأميركيونَ من “توم برّاك” إلى غيرِه؟ الأمرُ ليس سهلاً والشكوكُ كثيرةٌ، والخطرُ كبيرٌ على لبنان.

المقاومةُ لن تُسلِّمَ سلاحَها. وهذا ما نعرفُه من مصادرِها الداخليةِ لا من التصريحاتِ العلنيّةِ وحدَها، لكنَّها في الوقتِ نفسِهِ منفتِحةٌ على حوار وطني يقوده رئيس الجمهورية، فلماذا لا تُلاقيها السلطةُ في منتصفِ الطريقِ ولو بشيءٍ منَ الجرأةِ إذا لمِ تتمكَّنْ من الجرأةٍ الكاملة؟

الأنظارُ تتركَّزُ بشأنِ هذه النقطةِ على رئيسِ الجمهوريةِ جوزاف عون ورئيسِ الحكومة نوّاف سلام كي لا تضيعَ الفرصةُ منهما ويضيعَ البلد. لا بدَّ من تغيير الذهنيَّةِ؛ وهنا لا بأسَ في أنْ نذكِّرَهُما بما كتبَه المفكِّرُ الدستوريُّ اللبنانيُّ ميشال شيحا. ومتى؟

كتبَ ميشال شيحا عام 1948 ما يأتي:

“الدولةُ الجديدةُ على حدودِ لبنان ليست دولةً عاديَّةً بل هي قوةٌ دوليةٌ ستجلُبُ لنا المتاعب. وهذا ما يجبُ قولُهُ للشعبِ اللبناني لأنَّهُ هو الحقيقةُ. إسرائيلُ هي مشروعٌ حقَّقتْهُ الصهيونيَّةُ بروحِ دولةٍ إمبراطوريةٍ سوبّر عنصريّة وتوسُّعيّة. لا تقتصرُ ثروةُ العربِ على الحربِ الدفاعيةِ، بل هناك ثروة المقاومة التي لا حدود لها والتي ستبدو أكثرَ إلحاحاً وستشتدُّ مع الزمن”.

تُرى هل تقرأُ السلطة اللبنانية كلام ميشال شيحا عن ضرورة المقاومة؟ أم تبقى تكابرُ إرضاءً لواشنطن وحلفائها؟

إقرأ على موقع 180  قراءة جديدة في الحروب الصليبية: إمبراطورية أم دينية؟

 

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  ما بعد الوباء.. من رحم الأزمة تولد الفرص