ضرورات المشرق، محظورات أمريكا ورادارات الميقاتي

غريبٌ عجيبٌ أمرُ لبنان، البلد الصغير مساحة والكبير سياسة. بقدرة قادر ووسط كل هذه الفوضى المحلية والإقليمية والدولية، أبصرت حكومة نجيب ميقاتي الثالثة النور.. وهذا هو الأساس. نعم صار للبنان وللبنانيين حكومةٌ.

تطرح الولادة العجائبية للحكومة الميقاتية أسئلة. فمن ناحية الوقت، تشكلت هذه الحكومة في غضون أربعين يوماً، وهو وقت قياسي جداً، لا سيما إذا راجعنا مدة تشكيل الحكومات اللبنانية في مرحلة ما بعد أيار/مايو 2008 حتى يومنا هذا، وعددها ثماني حكومات، فبإستثناء حكومة فؤاد السنيورة التي ولدت في غضون خمسة وأربعين يوماً، غداة توقيع إتفاق الدوحة (2008)، إحتاجت ولادة كل واحدة من هذه الحكومات إلى أشهر حتى تتألف، ناهيك عن غرق بعضها في آتون الفراغ الرئاسي، كما كان حال حكومة تمام سلام بين العامين 2014 و2016.

ما سر هذه الولادة بعد ثلاثة عشر شهراً من تاريخ استقالة حكومة حسان دياب.. أو بالأحرى لماذا الآن ولماذا لم تكتب فرصة النجاح لكل من مصطفى أديب وسعد الحريري؟

في عالم السياسة هناك فرق بين الوقت والتوقيت. الوقت أو الميقات بما هو قياس زمني يتطلب إدارة بالدرجة الأولى وأما التوقيت فيحتاج الى قرار. آل ميقاتي هم تاريخياً أهل الميقات وحرفة إدارة لعبة الوقت، لكنهم إحتاجوا هذه المرة إلى التوقيت، وهو ما التقطته رادارات نجيب ميقاتي صانع ثروة آل ميقاتي بشراكة كاملة مع شقيقه طه من خلال قطاع الاتصالات. لعب ميقاتي على عامل الوقت متأملاً ومنتظراً. ثم في لحظة دولية وإقليمية ولبنانية، أتى التوقيت فقرر أن يتنطح للمهمة الصعبة.

من يعرف نجيب ميقاتي يدرك أنه أمام رجل يجيد لعبة الشطرنج السياسي. لا بل يجيد اللعب على طاولتي شطرنج في الوقت ذاته. حكومة ميقاتي الثالثة هي انعكاس لذلك اللعب. خطفها من فم الأزمة برغم تعقيداتها، ولذلك هي حكومته بمعزل عن أسماء الوزراء فيها.

أعطى ميقاتي الكل من كيسهم ولا شيء أبداً من كيسه إلى درجة أنه إستطاع تذويب الثلث المعطل أو الضامن، فصار ثلثاً متحركاً أو سائلاً، يتلون أو يتحرك، حسب حملة سندات هذه الأثلاث وتوزع ولاءاتهم في آخر سنة من سنوات عهد ميشال عون

في طاولة الشطرنج الأولى حافظ ميقاتي على التوازن الميثاقي والقانوني المطلوب لتشكيل الحكومة. إنتزع توقيع ميشال عون وهذا أمر ليس بالبسيط. رئيس جمهورية لبنان لطالما كان يردد “يستطيع العالم أن يسحقني ولكن لن يأخذ توقيعي”. ثبّت رئيس الحكومة أعرافاً عمرها من عمر اتفاقي الطائف (1989) والدوحة (2008) من دون إفتعال صدام، تجاوزاً أو تأبيداً لهذا العرف أو ذاك. أخذ رئيس الجمهورية حصته مقابل توقيعه. أخذ نبيه بري حقه الميثاقي بتطويب وزارة المال للطائفة الشيعية. أعاد تثبيت الحقائب السيادية. أعطى الكل من كيسهم ولا شيء أبداً من كيسه إلى درجة أنه إستطاع تذويب الثلث المعطل أو الضامن، فصار ثلثاً متحركاً أو سائلاً، يتلون أو يتحرك، حسب حملة سندات هذه الأثلاث وتوزع ولاءاتهم في آخر سنة من سنوات عهد ميشال عون. معادلة جديدة صاغها ميقاتي على إيقاع التوقيت الإقليمي من جهة وتوقيت بداية العد العكسي لنهاية العهد الحالي من جهة ثانية.

في طاولة الشطرنج الثانية يتداخل العامل الإقليمي مع المهارة الميقاتية. ثمة عوامل إقليمية متعددة شكّلت التوقيت المناسب لولادة الحكومة الميقاتية الثالثة. أول الخيط يبدأ من البعد الروسي ـ الأمريكي الذي انسحب على كامل رقعة المشرق العربي. المفاوضات التي أوكلت الى موسكو أفضت الى رسم خريطة أمنية جديدة بين سوريا وإسرائيل منها الترتيبات الأمنية التي جرت وتجري في مدينتي درعا وإدلب السوريتين. وما تلا هذه الحركة من زخم مستمد من قمة بغداد بحضور معظم الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الإقليم. كل ذلك كان معطوفا على مبادرة الأردن لإستجرار الغاز من مصر إلى سوريا ولبنان عبر أراضيه وإستجرار الكهرباء من شبكته إلى الشبكتين اللبنانية والسورية. إستجرار شكل الذريعة لإعطاء ضوء أخضر أمريكي لتجاوز “قانون قيصر”، وهذه هي كلمة السر التي أعطاها بيت ماكغورك المسؤول الأمريكي عن ملف المنطقة إلى الوفد الروسي في الإجتماعات التي إستضافتها جنيف في الأيام الأخيرة.

إذا عادت بلاد الرافدين رئة يتنفس من خلالها عرب المشرق أولاً.. تسترد الشام مكانتها الحاضنة، ولا يُصبح غريباً أن يتبوأ منصب نائب رئيس الحكومة في لبنان ـ في هذه الحكومة تحديداً ـ وزير ينتمي إلى حزب عقائدي هو الأقرب تاريخياً إلى دمشق، ويُنتظر أن يكون “المايسترو” الأبرز لمفاوضات لبنان مع صندوق النقد

لم يأتِ الضوء الأخضر الأمريكي من الفراغ. فتح الملك الأردني عبد الله الثاني ملف سوريا مع الرئيس الأمريكي جو بايدن في زيارته الأخيرة الى واشنطن. لا يجب أن ننسى علاقة نجيب ميقاتي الوطيدة بعمان وبأسرتها الحاكمة. ذريعة الغاز المصري ذاتها ترسم مساراً تطبيعياً بين الأردن وسوريا وبين سوريا ولبنان. مسار يمكن أن يشكل مقدمة للتطبيع العربي مع سوريا ورجوع دمشق الى مقعدها في جامعة الدول العربية. خريطة سياسية ـ أمنية لم تكن الطاقة بعيدة عنها بل عنصراً محفزاً لإنجازها. أصبح غاز شرق البحر الأبيض المتوسط أكثر تأثيراً على سياسة المشرق من أحداث ومجريات البر المشرقي نفسه. هذه الإندفاعة الأردنية المحتضنة مصرياً وخليجياً بدأت من بغداد. لا بد من إقفال البوابة الشرقية. إعادة العراق إلى الحضن العربي. إذا عادت بلاد الرافدين رئة يتنفس من خلالها عرب المشرق أولاً.. تسترد الشام مكانتها الحاضنة، ولا يُصبح غريباً أن يتبوأ منصب نائب رئيس الحكومة في لبنان ـ في هذه الحكومة تحديداً ـ وزير ينتمي إلى حزب عقائدي هو الأقرب تاريخياً إلى دمشق، ويُنتظر أن يكون “المايسترو” الأبرز لمفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي.

إقرأ على موقع 180  عزل ترامب: فيلم أميركي طويل!

هذه الحركية الإقليمية ـ الدولية تتنافى مع فراغ لا تقتصر نتائجه السلبية على لبنان بل تتعداه إلى الإقليم. الضرورات تبيح المحظورات. هذه هي ركيزة التوقيت. بين اللامعقول واللامقبول وُلدت حكومة نجيب ميقاتي الثالثة. في هذه المساحة الضيقة بين ما هو مقبول دولياً وما هو معقول لبنانياً أفرزت سياسات الضرورة المشرقية حكومة هجينة بعيدا عن سياسات “فك الارتباط” و”ربط النزاع” التي اتسمت بها حقبة ما بعد إنتهاء الوصاية السورية في العام 2005. هذه حكومة تعبّر عن مناخات ترتسم معالمها في المنطقة ولا ينقصها سوى أن يتمكن نجيب ميقاتي بمساعدة صديق من الفوز بجائزة “من سيربح المليون” إذا إستطاع الإجابة على السؤال الآتي: كيف يستطيع لبنان أن يفوز مجدداً بثقة أهل الخليج العربي؟

لقد عُرِفَ عن الرئيس الشهيد رفيق الحريري أنه كان سياسياً لبنانياً عابراً للقارات. يده في باريس وعينه على الشام وروحه في المملكة العربية السعودية. مهمة جاءت على قياس منكبيه العريضين فاحتكر كل الألقاب. زعيماً وطنياً وطائفياً، مُعَمِراً اقتصادياً ومقاوماً للاحتلال. جمع التناقضات في ذاته وأذابها في حكوماته. ذلك لأنه حمل الثلث المعطل بشخصه لا بعدد وزرائه، إلا أن أكثر الألقاب بلاغة في وصفه جاءت على لسان مستشاره الصحافي الراحل مصطفى ناصر بقوله عنه “رفيق الحريري هو رئيس أنطاكيا وسائر المشرق”.

حكومة نجيب ميقاتي الثالثة هي حكومة أنطاكيا وسائر المشرق وليس لبنان فقط. هل نحن أمام بداية مرحلة الميقاتية السياسية؟ الجواب في الأسابيع والأشهر اللبنانية والإقليمية الحبلى بالتحولات الكبيرة.

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "المارونية السياسية": الجمهورية الأولى والفردوس المفقود (1)