جثة الكاظمي.. لمصلحة من؟

أي انكشاف أمني سواء في بيروت بعنوان "أحداث الطيونة" او في بغداد بعنوان "محاولة إغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي"، يفتح الباب عريضاً أمام لائحة طويلة من المشتبه بهم ومن المستفيدين كما من المتصيدين في المياه العكرة في العاصمتين العربيتين اللتين تم اقتيادهما عنوة خلال العقدين الماضيين، الى سلسلة لا نهائية من اختبارات الدم والموت، العشوائية والمستهدفة على السواء.

ولقد كان من الواضح ان بغداد تُقتاد ـ تماماً كما بيروت ـ الى مذبح الصراع على “تموضعها” الاقليمي، وان الانتخابات البرلمانية التي شهدها العراق في العاشر من تشرين الاول/أكتوبر الماضي، ربما شكّلت “فرصة وفسحة ديموقراطية” لفئة وازنة من العراقيين، لكنها شكّلت للكثيرين في الخارج، “فرصة” انقضاض، وشرارة يمكن اشعالها تحت عناوين التصدي للخصوم اقليميا، من مأرب جنوبا، الى سنجار شمالا.

من أراد اغتيال مصطفى الكاظمي، ولمصلحة من يمكن ان تستخدم جثته؟

هما السؤالان الاكثر اهمية الان بغض النظر عما سيفضي اليه تحقيق الخبراء العسكريين في “هوية” الطائرات المسيرة الثلاث التي استخدمت في الهجوم على مقر رئيس الحكومة في المنطقة الخضراء في بغداد، وبغض النظر ايضا، وهذا الادق، عما اذا كانت هذه المحاولة “الجوية” توحي ضمناً بأن “الموالين لايران” الذين استخدموا الطائرات بدون طيار في العديد من هجماتهم في الشهور الماضية خاصة ضد مواقع اميركية، هم الجهة المتهمة بديهياً.

وليس سراً ان تقنيات تصنيع مثل هذه الطائرات البدائية الطابع والقادرة على حمل صواريخ صغيرة، ليست حكرا لا على جهات حكومية ولا حتى فصائلية موالية لايران، ولا بالتأكيد بعيدة عن متناول قوى متنوعة الاشكال، من تنظيم داعش الذي استخدمها بكثافة في السنوات الماضية، ولا عن خلايا الاستخبارات “المتعددة الجنسيات” الناشطة في نواحي العراق.

تشير المعلومات الى ان قآاني حمل معه الى بيروت في زيارة غير معلنة جرت مؤخرا، ملف الانتخابات العراقية ووضع امام قيادة حزب الله الوقائع العراقية الجديدة التي تتضمن اعترافا ايرانيا صريحا بالنتائج وضرورة “ان يبنى على الشيء مقتضاه”

تتعارض “الشبهة الايرانية” مع المعلومات المتوفرة التي تشير الى أن الايرانيين يعملون منذ لحظة ظهور النتائج الاولية للانتخابات العراقية، على سكة ضمان الانتقال السلس حتى وان كان من باب “تقليص الخسائر” لبعض حلفائها، ويسلّمون بوضوح بان صناديق الاقتراع “قالت كلمتها”، وان افضل ما يمكن لطهران القيام به، هو منع شرذمة صفوف “البيت الشيعي” في العراق، على الاقل.

كما تتعارض هذه الحركة الايرانية مع كل التقديرات الغربية التي فضّلت ان تقتصر قراءتها لنتائج الانتخابات على انها “هزيمة ايرانية” من خلال تراجع حصة أبرز حلفائها، خاصة فصائل الحشد الشعبي، متجاهلة حقيقة ان خيوط وتشبيكات المشهد العراقي وعلاقات طهران العراقية، ليست بالتبسيط الذي جرى تصويره من باب التمنيات.

وكان جرى الاعلان عن زيارة قائد قوة القدس في الحرس الثوري الجنرال اسماعيل قآاني الى بغداد، غداة صدور النتائج، ثم اعلان النفي عبر السفارة الايرانية في بغداد. وتشير المعلومات الى ان الجنرال قآاني حمل معه الى بيروت في زيارة غير معلنة جرت مؤخرا، ملف الانتخابات العراقية ووضع امام قيادة حزب الله الوقائع العراقية الجديدة التي تتضمن اعترافا ايرانيا صريحا بالنتائج وضرورة “ان يبنى على الشيء مقتضاه”.

وفي السياق نفسه، لم تفلح زيارة وفد من كتائب حزب الله العراقي الى طهران في اقناع وزارة الاستخبارات والأمن الوطني (اطلاعات)، بالشكوك والشبهات التي حملتها “الكتائب” حول نتائج عملية التصويت العراقية تلمساً لتأييد ايراني لحركة الاعتراض الحزبية التي انتقلت الى الشارع في الايام الماضية.

عُلم أن حزب الله كان من أول المتصلين بالكاظمي بشخص مسؤول ملف العراق الشيخ محمد كوثراني الذي نقل إلى رئيس الوزراء العراقي تحيات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بالسلامة

ولهذا، وبخلاف القراءات التبسيطية السائدة بان لايران مصلحة مباشرة في الانقلاب على نتائج الانتخابات العراقية، واحتكار المشهد السياسي لصالحها بالكامل، لا تبدو طهران ميالة الى التصعيد عراقياً، بل لعلها تسير في الاتجاه المعاكس، بترك الحرية لـ”حلفائها” للتشويش فقط على مسار التحالفات المحتملة بين القوى البرلمانية، بغرض وحيد يتمثل بتحسين حصصهم وتمثليهم السياسي والبرلماني، علماً أن طهران لم تغب عن معظم مكونات البيت العراقي، بدليل أنها قالت كلمتها سابقاً في ما يخص موقعي رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان وليس رئاسة الحكومة وحسب.

وعين طهران بالتأكيد على آمالها العريضة المرهونة بالمفاوضات النووية التي حددت لها 29 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي موعداً لجولتها السابعة في فيينا، وبالتالي من البديهي القول ان حمل جثة الكاظمي في هذه اللحظة الى فيينا، لا يبدو خيارا ايرانيا مقنعا لعاقل، فيما تتوارد أنباء يراها الايرانيون “مشجعة” من جبال مأرب اليمنية.

ولهذا، من البديهي القول ان ايران ليست بوارد حرق ما لديها من “أوراق عراقية” بالايعاز باغتيال الكاظمي، فيما هي قادرة على ترتيب صياغة معادلة عراقية مرضية لها ـ ولحلفائها – وتتيح في الوقت نفسه للعملية الديموقراطية العراقية بأن تأخذ مجراها الطبيعي، بتصدر التيار الصدري برئاسة السيد مقتدى الصدر جهود تأمين التحالفات مع الرابحين الاساسيين (مقاعد محمد الحلبوسي ومقاعد مسعود بارزاني)، وربما “تطعيم” هذا الائتلاف بمقاعد من تلك التي حصل عليها بعض المقربين منها، وتتحقق فكرة “الكل سعداء”!

إقرأ على موقع 180  مبادرة ماكرون اللبنانية.. أممية بإدارة فرنسية

لكن لا بد من الاشارة الى ان حركة مقتدى الصدر في الايام القليلة الماضية، ربما تكون أعطت مؤشرات سلبية اكثر مما يمكن احتماله، عندما جال في بغداد بعد تسريبات مكثفة لتياره بان الوجهة الجديدة للصدريين، تتمثل في العمل من اجل قيام “تحالف المنتصرين الكبار”، واحالة الخاسرين عموما، الى مقاعد المعارضة.

أشبعت فكرة ان القبضة الايرانية صارت رخوة على الفصائل العراقية الموالية لها منذ اغتيال الجنرال قاسم سليماني قبل نحو عامين، تحليلا وتكهنات. وذهب كثيرون الى القول ان بعض هذه الفصائل تنفذ هجمات عسكرية وتتخذ مواقف سياسية حادة بعيدا أحيانا عن الاولويات الايرانية. كما تم الترويج لفكرة ان الايرانيين، انتهجوا خيارا جديدا في المرحلة الماضية، بتشكيل مجموعات عراقية خاصة، اكثر سرية وتدريبا وولاء لها، تكون بديلا عن فصائل الحشد الشعبي التي اظهر بعضها تململا ونزعة نحو “الاستقلالية” عن القرار الايراني.

لم تفلح زيارة وفد من كتائب حزب الله العراقي الى طهران في اقناع وزارة الاستخبارات والأمن الوطني (اطلاعات)، بالشكوك والشبهات التي حملتها “الكتائب” حول نتائج عملية التصويت العراقية تلمسا لتأييد ايراني

يبقى من المهم القول ان ما يسمى “الهيئة التنسيقية لفصائل المقاومة العراقية” اصدرت بيانا حول محاولة اغتيال الكاظمي اعتبرت فيه صراحة ان “صناعة حادثة كهذه لن تمنعنا من اصرارنا على معاقبة الجناة ولاسيما المتورطين الكبار في اراقة دماء الأبرياء من المتظاهرين السلميين” الذي سقطوا يوم الجمعة، وهي حادثة وضعت الكاظمي وحكومته في موقف دفاعي ومحرج، وأتاحت مثلا لزعيم “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي اثناء تشييع احد قتلى الحادثة، الى المبادرة لتصعيد الضغط السياسي بتحميل الكاظمي المسؤولية المباشرة عن قمع المتظاهرين متعهدا بالثأر لدمائهم.

وإذا كان بعض حلفاء إيران في “الكتائب” و”الهيئة التنسيقية” قد عمموا على بعض المنصات الإعلامية عدم تضخيم “حادثة الكاظمي”، كان لافتاً للإنتباه البيان الصادر عن حزب الله في لبنان، وتضمن إدانة “بأشدّ العبارات” لما أسماه “الهجوم الغادر الذي استهدف منزل رئيس الحكومة العراقية”، وهنّأ البيان الكاظمي ” بسلامته وسلامة من معه”، ودعا “إلى تحقيقٍ دقيق وحاسم لكشف ملابسات ‏هذا الإعتداء ومن يقف خلفه وأهدافه المشؤومة”. كما دعا حزب الله “إلى بذل كل الجهود الصادقة والمخلصة لمنع الفتنة وللحفاظ على الأمن ‏والاستقرار ومعالجة الخلافات السياسية بالحكمة والحوار والصبر والتواصل والعزم الراسخ على ‏إيجاد الحلول السلمية وقطع الطريق على كل من يُريد إسقاط العراق من الداخل خدمةً لمشاريع ‏الأعداء”.

وعُلم أن حزب الله كان من أول المتصلين بالكاظمي بشخص مسؤول ملف العراق الشيخ محمد كوثراني الذي نقل إلى رئيس الوزراء العراقي تحيات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بالسلامة.‏

أخيراً، يبقى التساؤل مشروعا، ما اذا كانت “جثة الكاظمي” هي المطلوبة، ام ان العين فعليا منصبة على الغنائم الانتخابية المرتجاة. كما لا بد من متابعة ما اذا كان هناك من يلعب لعبة خلط الاوراق والمغامرات الامنية، على طاولة قمار الخسائر، من النبذ الديبلوماسي في قمة المناخ في غلاسكو، الى جبال مأرب، وضياع ثلاثة عقود من المراهنات اللبنانية العبثية.

Print Friendly, PDF & Email
خليل حرب

صحافي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  ترامب اسقط كبير صقوره بتغريدة