وحدة “الكرز” الإسرائيلية تواجه الإنتفاضة بزي تلفزيوني أميركي (60)

في الحلقة 59 من كتاب "انهض واقتل اولا، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية"، روى الكاتب رونين بيرغمان تفاصيل جريمة إغتيال القيادي الثاني في حركة "فتح" خليل الوزير (أبو جهاد) في منزله في تونس أمام أفراد عائلته.

يروي الكاتب رونين بيرغمان تداعيات اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير (أبو جهاد) على الانتفاضة الفلسطينية والشارع “الإسرائيلي” قائلاً إن أعضاء كل الفريق “الإسرائيلي” الذي نفذ العملية غادر تونس من دون ان يتعرض أي منهم للأذى. اكثر من ذلك، كانت الشرطة التونسية مشغولة بتلبية نداءات كاذبة بثها عملاء وحدة “قيساريا” عن وجود قوافل من السيارات التي تجري سباقاً على الطريق الممتد من منزل أبو جهاد الى وسط العاصمة التونسية – وهو الاتجاه المعاكس تماماً للطريق التي كان يسلكها فريق عملية الاغتيال ـ لذلك فقد اقامت الشرطة حواجز على هذه الطريق وفتشت عشرات السيارات. وبعد ثلاث ساعات من العملية، عثرت الشرطة التونسية على سيارتي البيجو والفولكسفاكن المستأجرتين وهما مهجورتان قرب الشاطئ التونسي.

بعد ظهر اليوم التالي للعملية، سأل صحافيون “إسرائيليون” رئيس الحكومة إسحاق شامير عما اذا كانت “إسرائيل” متورطة في عملية القتل المتعمد التي حصلت في تونس، فأجاب بخبث “سمعت بالعملية عبر الراديو”. اما أبو جهاد فقد جرت له مراسم تشييع رسمية مع التحية العسكرية ومشى خلف نعشه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات مع زوجة الراحل انتصار الوزير وابنها الأكبر جهاد.

في ذلك الوقت، يقول بيرغمان، اعتبر “الإسرائيليون” ان عملية اغتيال أبو جهاد “حقّقت نجاحاً باهراً”، وينقل عن الوزير موشيه نيسيم قوله “لقد شكرني (وزير الدفاع حينها اسحق) رابين لأنني اقنعته بتنفيذ العملية، وقال لي لا يمكن ان أتصور كم كنتَ محقاً، فالناس تُحيّيني أينما حللت وتصافح يدي وترفع لي ابهامها، يا له من فرح ادخلته إلى قلب أمتنا ويا له من شعور عال بالمعنويات، كم كان مصيباً هذا العمل الردعي بالقوة”.

أضعف اغتيال أبو جهاد منظمة التحرير كثيراً لكنه شكّل حافزاً قوياً للجان الشعبية (القادة الفعليون للإنتفاضة) فيما بقيت “إسرائيل” عاجزة عن إيجاد طريقة لمواجهة أمواج المحتجين التي كانت تزداد يوماً بعد يوم مع مد دولي عارم ومتعاظم في ادانة “إسرائيل”

ويتابع بيرغمان، في الحقيقة شكل اغتيال أبو جهاد صفعة قوية لمنظمة التحرير الفلسطينية لأنه كان قائداً ذكياً ومن دونه كانت قدرات حركة فتح محدودة في شن هجمات قاتلة وناجحة ضد “إسرائيل”. ولكن التبرير “الإسرائيلي” بالرهان على أن يؤدي قرار اغتياله إلى إجهاض الانتفاضة المشتعلة في الأراضي المحتلة كان في غير محله. وفق هذا المقياس، فإن اغتيال أبو جهاد فشل في تحقيق هذا الهدف، فقد أضعف اغتيال أبو جهاد منظمة التحرير الفلسطينية كثيراً لكنه شكّل حافزاً قوياً للجان الشعبية (القادة الفعليون للإنتفاضة) فيما بقيت “إسرائيل” عاجزة عن إيجاد طريقة لمواجهة أمواج المحتجين التي كانت تزداد يوماً بعد يوم مع مد دولي عارم ومتعاظم في ادانة “إسرائيل”.

ويواصل بيرغمان تقييمه لاغتيال أبو جهاد قائلاً: بمعزل عن الفائدة المحققة منه فان العديد من “الإسرائيليين” الذين شاركوا في العملية باتوا نادمين عليها الآن. فالبعض منهم يعتقد ان أبو جهاد كان له الحضور القوي والرادع والرصين على عرفات وان صوته كان سيكون أكثر فائدة بعد إقامة السلطة الفلسطينية في العام 1994، ولو كان أبو جهاد المحبوب وصاحب الكاريزما حياً لما كانت حركة حماس تمكنت من تعزيز قوتها وسيطرتها على أجزاء كبيرة من الرأي العام الفلسطيني”.

وينقل بيرغمان عن امنون ليبكين شاحاك الذي كان يرأس جهاز “امان” عند اغتيال أبو جهاد وأصبح لاحقاً رئيس هيئة الأركان العامة للجيش “الإسرائيلي” قوله “لو كنا نعلم انه بعد تصفية أبو جهاد بوقت قصير ستنحو منظمة التحرير الفلسطينية الطريق الدبلوماسية، كنا ربما نفذنا إغارة على منزله وتحدثنا معه أولاً بشأن التسوية مع إسرائيل، وفقط عندها كنا سنقرر ان كان ينبغي ان نقتله او لا، ولدى مراجعة ما حصل، فانه من الجلي ان أبو جهاد كان يمكن ان يساهم بصورة مهمة جداً في عملية السلام”.

بعد هذا التقييم لعملية اغتيال أبو جهاد، ينتقل بيرغمان الى سياسة القتل المتعمد والاغتيال التي مارستها الأجهزة الاستخبارية “الإسرائيلية” ضد القادة الشباب للانتفاضة في الأراضي المحتلة والتي يظهر فيها انها لم تتورع عن استخدام اقذر الأساليب بلا رادع. يروي بيرغمان انه في 23 يونيو/حزيران 1988 وصل فريق تابع لمحطة تلفزيون “أيه بي سي” الأمريكية الى بلدة سلفيت المحتلة عند سفوح تلال الضفة الغربية (الصورة أعلاه)، وكانت الأراضي المحتلة عندها في ذروة الانتفاضة واستخدام الحجارة وقنابل المولوتوف البدائية وكان يسقط يومياً العديد من القتلى لدى الطرفين (لا يذكر الكاتب اية ارقام كي لا يفضح الخلل الواضح في ميزان القوى المستند الى الفارق الكبير في الأسلحة المستخدمة لدى كل طرف). وكانت الانتفاضة تشكل عامل جذب كبير لوسائل الاعلام العالمية.

يتابع بيرغمان أنه في قرية سلفيت الصغيرة كانت تعيش عائلة دقدوق التي أدرِجَ ابنها نزار على لائحة المطلوبين لدى جهاز “الشين بيت”، علماً انه كان فقط في الثامنة عشر من عمره، وكانت المعلومات الاستخبارية عنه انه يقود مجموعة من الشبان الذين يتولون رمي قنابل البنزين (المولوتوف) على الحافلات “الإسرائيلية”. وكان الرد “الإسرائيلي” المعتمد في ذلك الحين على تلك الاعمال هو تدمير منازل المتورطين، وهكذا فقد قام الجيش “الإسرائيلي” بتدمير منزل آل دقدوق في 16 يونيو/حزيران، وفي اليوم التالي بثّ التلفزيون “الإسرائيلي” مقابلة مع نزار ووالدته، وهما يقفان قرب ركام منزلهما. خلال المقابلة نفى نزار والابتسامة واضحة على وجهه اي علاقة له بالاتهامات الموجهة اليه، ولكن عندما سأله الصحافي عما إذا كان مجتمعه ينظر اليه كبطل كان واضحاً انه لا ينفي ذلك وانه منجذب لاهتمام الاعلام به. وعندما جاء فريق آخر من تلفزيون “أيه بي سي” بعد أسبوع وسأل العائلة عما إذا كان بالإمكان اجراء مقابلة مع نزار فقد ظهر نزار خلال دقائق، وشرح مراسل التلفزيون للعائلة ولنزار كيف انه تأثر كثيراً بمقابلة الأخير مع التلفزيون “الإسرائيلي” وقرر ان يجري تحقيقاً مصوراً عنه. واقترح فريق التلفزيون على نزار إجراء المقابلة على رأس التلة القريبة المطلة على قريته سلفيت، فوافق نزار وطلب منهم الانتظار كي يغير الـ”تي شيرت” التي يلبسها، فقال له الصحافي بأكثر ما يستطيع من الود “لا حاجة لذلك فلدينا في الحافلة عدداً كبيراً من الـ”تي شيرتات” النظيفة.. أي مقاس تلبس”؟ بدا نزار مسروراً جداً بهذا الاهتمام من وسيلة إعلامية مهمة وصعد على الفور الى واحدة من الحافلتين التابعتين للفريق التلفزيوني، وهما تحملان شعار محطة “ايه بي سي” التلفزيونية. وقد سلكت الحافلتان الطريق صعوداً نحو التلة القريبة.

لم يكن فريق محطة “أيه بي سي” الذي خطف نزار دقدوق سوى مجموعة من وحدة “الكرز”. الرجال الذين تم اختيارهم لتنفيذ العملية – أحدهم وُلدَ وعاش في كندا وآخر من الولايات المتحدة – أخضِعوا لدورة تدريبية لعدة أيام في مقر التلفزيون “الإسرائيلي” الرسمي

بعد ساعات قليلة على مغادرته المنزل في احدى الحافلتين لم يرجع نزار وبدأت العائلة تقلق عليه، وفي اليوم التالي اتصلت بمكتب محطة “ايه بي سي” في تل ابيب لتسأل عنه. فوجىء مكتب التحرير في المحطة بان نزار قد اختفى، وفي الحقيقة كانت مفاجأتهم أكبر بأن سمعوا ان فريقاً من محطتهم كان في سلفيت في ذلك اليوم، وبتحقيق سريع داخل المحطة تبين ان المحطة ليست هي التي أخذت نزار. عندها، رجح القيمون على المحطة أن تكون الاستخبارات “الإسرائيلية” هي من فعل ذلك. اتصل رون ايرليدج، رئيس قسم الاخبار في محطة “أيه بي سي” برئيس الوزراء اسحق شامير وكانت تجمعهما صداقة عميقة وتحدث معه بغضب شديد قائلاً “ان عمل الشين بيت هذا يشكل خطراً شديداً على حياة الصحافيين الشرعيين”، وطالبه بأن يجري تحقيقاً فورياً لمعرفة “من أعطى الأمر بتنفيذ هذه العملية”، وطلب أن تصدر السلطات “الإسرائيلية” تصريحاً واضحاً انه ليس من ضمن سياستها تعريض الصحافيين للخطر “لأي سبب كان”. لم يكن شامير على علم بعملية سلفيت ولكنه كان يعرف ان هذه القضية سرعان ما ستتحول الى فضيحة كبيرة وذات تداعيات خطيرة، لذلك فقد دعا الى اجتماع امني عاجل لقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية.

إقرأ على موقع 180  الموساد يجنّد وحشاً نازياً.. والهدف برنامج مصر الصاروخي (13)

يقول بيرغمان ان الانتفاضة الفلسطينية تميزت بنوعين من النشاطات داخل الأراضي المحتلة: الاحتجاجات الشعبية العارمة والهجمات الدموية على الجنود والمستوطنين الإسرائيليين. وفي عودة للعام 1986 (قبل عامين من الانتفاضة)، كان اللواء ايهود باراك رئيسا للقيادة المركزية في الجيش “الإسرائيلي”، وقد قام مع اللواء مائير داغان الذي كان حينها رئيس قسم العمليات في هيئة الأركان بإنشاء وحدة سرية للغاية اسميت “دوفديفان”، وهو التعبير العبري لكلمة “الكرز” ومهمة هذه الوحدة مواجهة “الإرهابيين” في الضفة الغربية، مع تصاعد اعمال الانتفاضة. لذلك، تقرر تفعيل عمل وحدة “الكرز”.

يتابع بيرغمان ان مقاتلي وحدة “الكرز” كانوا من “المستعربين” الذين باستطاعتهم العمل بسرية بصفتهم من العرب في عمق المناطق الفلسطينية وينفذون عمليات التصفية للمطلوبين. نواة وحدة “الكرز” تتشكل من وحدات النخبة في الجيش “الإسرائيلي” وبصورة أساسية من الكوماندوس البحري. وقد نفذت عمليات استثنائية وبقدرات هائلة والفضل في ذلك يعود الى التدريب المضني والطويل الذي خضعت له، والذي كان يتضمن تعليمات دقيقة ليصبحوا على بينة من حياة العرب بتفاصيلها الدقيقة واللباس وغيرها من تقنيات التنكر، وكان بمقدورهم بطريقة فريدة من نوعها ان يختلطوا بالجموع وسط بيئة فلسطينية معادية وحتى في القرى الصغيرة حيث يمكن لأي غريب ان يجذب الانتباه.

لم يكن فريق محطة “أيه بي سي” الذي خطف نزار دقدوق سوى مجموعة من وحدة “الكرز”. الرجال الذين تم اختيارهم لتنفيذ العملية – أحدهم وُلدَ وعاش في كندا وآخر من الولايات المتحدة – أخضِعوا لدورة تدريبية لعدة أيام في مقر التلفزيون “الإسرائيلي” الرسمي، تعلموا خلالها كيف يعمل الفريق التلفزيوني وكيف يتم اجراء المقابلات وكيف يتم استخدام الكاميرا وكيف يحمل مهندس الصوت الميكروفون، كما استعاروا من التلفزيون الرسمي كل المعدات التي استخدموها في تنفيذ عمليتهم. كان جهاز “الشين بيت” مسؤولاً بالكامل عن تزوير شعار محطة “ايه بي سي” الامريكية وتزوير بطاقات الاعتماد الصحافية لفريق وحدة “الكرز”.

وبعد ان نجح الفريق التلفزيوني في أخذ نزار دقدوق من بلدته سلفيت وتوجهه  به الى اعلى التلة المجاورة، إعترض طريقهم ما بدا أنه حاجز روتيني للجيش “الإسرائيلي” لكن هؤلاء هم من فريق “الكرز”. قاموا بتكبيل يدي الشاب المطلوب وعصبوا عينيه واقتادوه الى مركز تحقيق تابع لـ”الشين بيت” حيث سلموه لهم. غضب شامير بشدة لأنه لم يتم اعلامه بعملية سلفيت بصورة مسبقة وامر على الفور بمنع استخدام الغطاء الإعلامي المزور وبالتحديد “استخدام مزور لوسائل اعلام أمريكية”، فقام الرائد يوري بارليف الضابط الذي كان مسؤولاً عن البدء بإنشاء فرقة “الكرز” عام 1986 بمحاولة تهدئة شامير وبدأ يشرح له لماذا جرى استخدام اسم محطة “أيه بي سي” تحديداً، وقال له: “سيدي رئيس الوزراء لقد فهمنا ان الفتى كان يبحث عن فرصة ليتكلم وعرفنا ان هذه الطريقة هي الاسهل لإخراجه من البلدة من دون التسبب بإثارة اي ردة فعل”. وكان بارليف قد احضر معه الى الاجتماع فيديو مصوراً للفتى دقدوق ليثبت مدى فعالية الخطة فتغيرت معالم وجه شامير تدريجياً وابتسم وقال للحضور “خلال مرحلة العمل السري كنا أيضا نلجأ أحياناً الى التنكر”، ولكنه سرعان ما استعاد جديته من النوستالجيا التي عاشها للحظات، وقال “ما حصل قد حصل ولكن من الآن فصاعداً ممنوع استخدام الاعلام كغطاء لاي عمل امني”. لكن بارليف اجابه على الفور “سيدي رئيس الوزراء نحن الآن في منتصف عملية أخرى مستخدمين الغطاء نفسه لذلك اطلب منك ان لا تمنع طريقة العمل بصورة قاطعة”. بعد صمت دام للحظات، قال شامير “حسناً، موافق، ولكن امنعكم من استخدام غطاء الصحافيين الأمريكيين”.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  تاريخ مصر الحديث.. "ثورة الأفندية" وولادة قوى إجتماعية جديدة