“الموساد” يُجنّد المسؤول عن “رفاهية” قادة منظمة التحرير (61)

في الحلقة 60 من كتابه "انهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية"، روى الكاتب رونين بيرغمان كيف اختطف جنود من وحدة "الكرز" الناشط الفلسطيني في الإنتفاضة نزار دقدوق، متنكرين بهوية مراسلي محطة "أي بي سي" التلفزيونية الامريكية.

أخضع “الإسرائيليون” نزار دقدوق للتحقيق، بعد إعتقاله، وأحيل للمحاكمة حيث حكم عليه لفترة طويلة في السجن، ولكنه بالنتيجة بقي حياً، ولكن في العديد من الحالات المشابهة إنتهت الأمور بأهداف “وحدة الكرز” إلى الموت، علماً أن الجيش “الإسرائيلي”، وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على الإنتفاضة الفلسطينية، يرفض كشف عدد الذين قتلتهم هذه الوحدة في عملياتها السرية، لان “جوهر عمل وحدة الكرز هو قتل النشطاء الإرهابيين بتوقيع غامض الى حد ما”، بحسب أحد ضباط جهاز “أمان” الاستخباري المدعو يوني كورين، والذي كان أيضاً أحد مساعدي إيهود باراك في قيادة الجيش “الإسرائيلي”.

وينقل بيرغمان عن الرائد يوري بارليف الضابط الذي كان مسؤولاً عن البدء بإنشاء “وحدة الكرز” عام 1986 قوله “كانت أوامر الاشتباك واضحة تماماً، ان شوهد الشخص المطلوب يحمل سلاحاً في يديه، فإن ذلك يعتبر مصدر خطر على جنودنا وبالتالي يجب قتله على الفور”.

ويضيف بيرغمان أن عدداً من جنود “وحدة الكرز” كشفوا له أنه في الكثير من الحالات، كان المشتبه به يحمل سلاحاً وبالتالي فهو بحكم الأمر الواقع هدفاً للقتل المتعمد وغالباً كان لزاماً عليهم أن يمارسوا سياسة “التأكد من الموت” عبر إطلاق المزيد من الطلقات على جسد الهدف حتى بعد قتله، وكل ذلك من دون إعطائه حتى فرصة الإستسلام. وكان الجيش “الإسرائيلي” ينفي ممارسة سياسة “التأكد من الموت” إلى أن جاء البرهان على ممارسة هذه السياسة عبر مقتل أحد جنود “وحدة الكرز”، الرقيب الياهو ازيشا، بـ”نيران صديقة” بعد أن ظُنّ خطآً أنه أحد المطلوبين الفلسطينيين، وقد وجدت وحدة تحقيق في الجرائم في الجيش “الإسرائيلي” أن ازيشا تلقى عدداً من الطلقات في جسده بعد سقوطه للتأكد من موته.

ويتابع بيرغمان أن “وحدة الكرز” ووحدات عسكرية شبيهة بها نفذت مئات المهمات خلال الإنتفاضة الفلسطينية، وكان جنود “الكرز” يتنكرون بأشكال مختلفة: باعة متجولين، رعاة ماشية، سائقو سيارات أجرة، نساء عاديات، كأي شخص عادي في مدينة او قرية عربية محتلة، وفجأة يمتشق هذا الشخص السلاح لينفذ مهمته.

وينقل الكاتب عن بارليف قوله “إن الإرهابي (المناضل) الذي يحاول الحفاظ على حياته لا ينفذ هجوماً، وقد أدت أنشطتنا إلى وضع خلايا الإرهابيين (نشطاء الإنتفاضة) في حال من عدم الإستقرار، لأنهم لا يعلمون من أين سنخرج لهم ولا يعلمون بمن يثقون ولا أين يمكنهم الشعور بالأمان”. ويضيف الكاتب أن جنود “الكرز” كانوا يتنكرون أحياناً بصورة يهود “إسرائيليين”، ففي فبراير/شباط عام 1990 علم جهاز “الشين بيت” أن مجموعة مسلحة على علاقة بحركة فتح تعتزم شن هجوم على جنود “إسرائيليين” في ساحة المنارة في وسط مدينة رام الله في الضفة الغربية. إرتدى جنود “وحدة الكرز” ثياباً مهلهلة لجنود احتياط “إسرائيليين” وقد خرجت كروشهم من تحت قمصانهم فيما وضعوا بنادقهم بعيداً عنهم وجلسوا في أحد المطاعم في الساحة يأكلون الحمص. بعد مرور أسبوعين من الانتظار اليومي على هذا الحال، حصل الهجوم المرتقب، وعندها قفز جنود الاحتياط الوهميون، أي جنود “وحدة الكرز” من مقاعدهم وازالوا الكروش البلاستيكية التي كانوا متنكرين بها وامتشقوا رشاشات “العوزي” المخبأه في هذه الكروش وفتحوا نيرانهم على المهاجمين فيما تولى قناصة منتشرون في المنطقة تنفيذ باقي المهمة.

عدنان ياسين وزوجته كانا يبيتان في فندق “ميريديان مونتبارناس”، ولديه سلوك روتيني معروف وثروة كبيرة من استخبارات منظمة التحرير الفلسطينية، لذلك وفي أواخر العام 1989 أعطى رئيس وحدة “المفصل” في “الموساد” آفي داغان الضوء الأخضر لعملية “جبة الصوف الذهبي”.. وهي تجنيد عدنان ياسين

يقول بيرغمان إن “وحدة الكرز” ووحدات مشابهة لها أنشأتها الشرطة و”الشين بيت” حقّقت الأهداف المرجوة منها، وهي التسبب بضرر بالغ وأحياناً قاتل للمجموعات الفلسطينية، ما أدى الى خفض مستوى نشاطات هذه المجموعات بنسبة كبيرة جدا. ولكن هذا النجاح على أهميته في ذلك الحين أظهر بشكل جلي الفشل الإستراتيجي في الحرب على الإنتفاضة الشعبية. فقد كانت “إسرائيل” ترد على التظاهرات الشعبية العارمة بكل ما لديها من قوة خرقاء لعملاق يحاول مواجهة مجموعة كبيرة من الأقزام الرشيقين. فقد إعتقل الجنود آلاف المتظاهرين وأرسلوهم إلى معسكرات إعتقال أقيمت خصيصاً في جنوب البلاد، وأخضعوا عدداً كبيراً من السكان في الأراضي الفلسطينية لفترات طويلة من منع التجول وقاموا بترحيل نشطاء الإنتفاضة الذين يُلقى القبض عليهم ودمّروا منازل عائلاتهم وأغلقوا الكثير من المدارس لمعظم أيام العام الدراسي.

يضيف بيرغمان أن اللقطات التلفزيونية التي كانت تنقل إلى العالم القمع العنيف للإنتفاضة الشعبية زادت مع تدهور موقف “إسرائيل” أمام العالم كما زادت الضغوط عليها من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين وبات الآن من ضمن الداعين لهذا الأمر الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر. ومع ذلك، وبالرغم من النقد المتصاعد عالمياً ومن الإستياء العارم داخلياً والحاجة لإرسال المزيد والمزيد من الجنود لقمع المتظاهرين، فقد تمسك رئيس الوزراء اسحق شامير وحكومته برفضهم إجراء أي مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، وإعتبروا الإنتفاضة “صنيعة منظمة التحرير”.. وأنه بالإمكان قمعها عبر استهداف قادتها ورجال (ياسر) عرفات في تونس، من دون أن يعتبروا من فكرة ان اغتيال خليل الوزير (ابو جهاد) لم يؤدِ إلى تهدئة الإنتفاضة الشعبية.

إقرأ على موقع 180  مؤتمر الأستانة

وهكذا فقد أمر شامير جهاز “الموساد” بمواصلة تركيزه على جمع المعلومات عن منظمة التحرير وإيجاد الطرق التي تؤدي إلى قتل نشطائها. وقد كان رئيس “الموساد” شبطاي شافيت يميني هو الآخر ومن أنصار شامير، لذلك كان سعيداً جداً بالتعليمات، بل أكثر من ذلك ومع استمرار الإنتفاضة، طلب شافيت الاذن للقيام بتصفية الحسابات القديمة، ومن ضمنها اغتيال الأعضاء السابقين في “منظمة أيلول الأسود”. وكانت منظمة التحرير بعد الغارة الجوية “الإسرائيلية” عام 1985 واغتيال أبو جهاد في تونس قد فرضت تدابير أمنية صارمة إثر تحقيق أمني داخل حركة فتح نفسها لمعرفة المصدر الذي كانت تتسرب عبره المعلومات إلى “إسرائيل”، ولكن التحقيقات لم تتوصل إلى أي نتيجة سوى فرض تدابير امنية وقائية مشددة على كل مؤسسات منظمة التحرير وتفقد دقيق لتاريخ كل من يريد الإنتساب إلى المنظمة وحتى الخضوع للتحقيق أمام جهاز كشف الكذب الذي كانت تديره الاستخبارات التونسية وكل ذلك جعل من الصعب على عملاء “الموساد” مواصلة عملهم التجسسي. وبات أيضاً من الصعب على “الموساد” تجنيد عملاء في تونس، فقد كانت السلطات التونسية في حالة من الغضب الشديد من أعمال “إسرائيل” فوق أراضيها فباتت تقدم كل مساعدة أمنية ممكنة لمنظمة التحرير.

واعتمد “الموساد” بديلاً عن تجنيد العملاء في تونس محاولة تجنيد العملاء من ضمن الفلسطينيين المسافرين في دول تعتبر قواعد أساسية لحركة القيادة الفلسطينية، ففي هكذا دول حيث لـ”إسرائيل” علاقات دبلوماسية، بإمكان عملاء “الموساد” أن يتحركوا بحرية نسبية. وكانت فرنسا هي أكثر دولة ملائمة لهذا النوع من النشاطات لأنه كان لزاماً على مسؤولي منظمة التحرير المرور عبرها بعد مغادرتهم تونس، وكان العديد منهم يبيت في فندق “ميريديان مونتبارناس” في باريس الذي كان فندقاً محترماً ويحظى بشعبية لدى رجال الاعمال المسافرين من شرق المتوسط. وقد تفاجأ عملاء “الموساد” عندما بدأوا التحقق من الفندق بأن طواقم شركة الطيران “الإسرائيلية”.. “العال” كانوا يبيتون في هذا الفندق خلال رحلاتهم ويتمتعون بحسم معتبر فيه. وفي كل صباح وبمحض الصدفة كان فريق المراقبة التابع لـ”الموساد” يرى كبار مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية وهم يتناولون الكرواسون ويحتسون القهوة في المقهى نفسه الذي كان يتواجد فيه طيارو “العال” الذين كان العديد منهم ضباط سابقون في سلاح الجو “الإسرائيلي”.

وكان من بين المسؤولين الفلسطينيين الذين يترددون باستمرار على الفندق نفسها، المسؤول عن الأمور اللوجستية والأمنية في مقر قيادة منظمة التحرير في تونس عدنان ياسين الذي كان مسؤولاً عن تأمين رفاهية المسؤولين الفلسطينيين وتنسيق اجازاتهم وتدبير امر علاجاتهم الطبية وشراء الحاجيات الفاخرة لهم مثل سيارات السبور الرياضية التي كان يشحنها من ميناء مارسيليا بالإضافة الى العطور الغالية وأنواع السيجار الكوبي والمشروبات الكحولية، ويعلق بيرغمان على ذلك بالقول إن حياة هؤلاء المسؤولين في المنفى بعيداً عن مصاعب العيش لشعبهم في الأراضي المحتلة جعلهم فاسدين الى درجة كبيرة. وقد إهتم ياسين براحته هو أيضاً، وكان عملاء “الموساد” يصفون هؤلاء المسؤولين بـ”ثوار الشانزيليزيه”.

يتابع بيرغمان انه بالإضافة الى المسؤوليات التي كان يتولاها ياسين في منظمة التحرير، فقد كان يتردد الى باريس لان زوجته المصابة بالسرطان كانت تتلقى العلاج الكيميائي هناك. ياسين وزوجته كانا يبيتان في فندق “ميريديان مونتبارناس”، ولديه سلوك روتيني معروف وثروة كبيرة من استخبارات منظمة التحرير الفلسطينية، لذلك وفي أواخر العام 1989 أعطى رئيس وحدة “المفصل” في “الموساد” آفي داغان الضوء الأخضر لعملية “جبة الصوف الذهبي”.. وهي تجنيد عدنان ياسين!

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  مؤتمر الأستانة