عودة وليامز إلى ليبيا.. الإنتخابات تُمهّد للإستقرار

قرار الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين الديبلوماسية الأميركية ستيفاني وليامز ممثلة خاصة أصيلة له في ليبيا، يُشكّل خبراً ساراً لليبيين، ويعطي قوة دفع لإجراء إنتخابات رئاسية ونيابية، سلسة وهادئة، في 24 كانون/ديسمبر الجاري.

توقيت عودة ستيفاني وليامز الى ليبيا في هذا الظرف الدقيق هو توقيت إنتخابي، لا سيما أنه سبق لها أن تعرّفت عن قرب على ليبيا وشخصياتها وأحزابها وأمراء ميليشياتها، إذ سبق لأها أن شغلت منصب مساعدة ممثل الأمين العام السابق الدكتور غسان سلامة (وزير الثقافة اللبناني الأسبق)، وبعد تنحي الأخير، أصبحت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة بالوكالة حيث تولت رعاية التفاهمات والترتيبات والمؤتمرات التي أدت إلى التسوية السياسية الإنتقالية وإتفاق وقف إطلاق النار.

وهذه اللفتة الدولية تؤكد حرص المجتمع الدولي على إجراء الإنتخابات الرئاسية والنيابية في مواعيدها وتأمين أجواء أمنية تسمح للمواطنين الليبيين بالإدلاء بأصواتهم بعيدا عن التوترات والتهديدات التي تطلقها الجماعات الإسلامية السلفية التي تحاول تعكير صفو الإنتخابات.. إذا لم تأتِ النتائج لمصلحتها.

وصح القول إن قلب العالم ينضب على ليبيا بينما قلب الليبيين على حجر. المجتمع الدولي بأسره قلق وخائف من قيام شياطين السلاح وأمراء الحرب بإفتعال حوادث أمنية تشوّه وتُعطّل العملية الإنتخابية، وهو خوف في محله إذ سبق لهذه الميليشيات أن إفتعلت مشاكل في إنتخابات 2014 أدت إلى تكسير صناديق الإقتراع وبعثرة الأوراق رفضاً للنتائج التي لم تكن راضية عنها، لأنها جاءت في غير مصلحتها. هذا الأمر جعل دول الإتحاد الأوروبي، وخاصة فرنسا وإيطاليا، تتحسب لمثل هكذا سيناريو. ولذلك، دعت إلى مؤتمرين مؤخراً في باريس وروما تضمن كل منهما دعزة صريحة إلى الليبيين للإلتزام بإجراء الإنتخابات في مواعيدها وضرورة إنسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من سوريين واتراك وروس لتأمين أجواء هادئة وسلسة.

وبرغم المخاوف المبررة، محلياً وخارجياً، تتهيأ المفوضية العليا للإنتخابات ليوم الإنتخاب الكبير، وهي تنكب على النظر والتدقيق في قوائم المرشحين. وقد رفضت حتى الآن خمسة وعشرين إسماً لعدم مطابقتهم شروط الترشح أبرزهم سيف الإسلام القذافي (نجل معمر القذافي) الذي مُنِعَ من الترشح لكن محكمة سبها أعادت السماح بترشيحه قبل أن تعترض سفيرة بريطانيا في طرابلس وتُهدّد بأن محكمة الجنايات الدولية ستكون في إنتظار سيف الإسلام!

الإنطلاق ببدء سحب القوات الأجنبية من ليبيا ولو جاء متأخراً يبقى أحسن من بقاء هذه القوات. بدء الإنسحاب ولو تدريجياً ورمزياً كافٍ لطمأنة الليبيين وأصدقائهم انه يستحيل إجراء انتخابات شفافة ونزيهة في وجودهم

تحوّلت المعركة الإنتخابية إلى معركة كسر عظم بين المرشحين المتنافسين الذين يصل عددهم إلى أكثر من مائة مرشح في بلد صغير عدد سكانه  نحو سبعة ملايين نسمة بين مقيم ومغترب ومفضي. طعون بالجملة. إشاعات. أضاليل بين المرشحين مليئة بالإفتراءات والشكوك. رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد دبيبة شطب إسمه وإستعاد نشاطه الإنتخابي برغم الوعد الذي قطعه عند تعيينه رئيساً للوزراء بالإمتناع عن الترشح للإنتخابات. المشير خليفة حفتر يواجه طعوناً وتهماً بإرتكاب “جرائم ضد الإنسانية” عند محاولة غزوه مدن الغرب وطرابلس.

حملات المرشحين إستعراضية خالية من البرامج والرؤى. هرج ومرج. فوضى وإرباك. وعود كلامية رنانة عن المصالحة ولا كلمة إعتذار عن الجرائم التي إقترفت ضد الناس الأبرياء. من اللافت للإنتباه مواكب المسلحين الإستفزازية التي تجوب شوارع مصراته وسرت وطرابلس لتذكير الليبيين بأنهم سلطة أمر واقع قادرة على تعطيل الإنتخابات.. ليبيا كسائر المجتمعات العربية تفتقر إلى تجربة الإنتخابات ولا تعرف التعامل مع أصول اللعبة الديموقراطية التي فيها رابحون وخاسرون.

المهم إقناع شياطين السلاح وأسيادهم بأن لعبة الموت شارفت على النهاية وأن ممارسة الفوضى والفلتان والتعطيل المتعمد إصطدم بإصرار الليبيين بأغلبيتهم على إجراء الإنتخابات وتقبل نتائجها للبدء بفجر جديد.

الجماعات المسلحة التي ما تزال تستعرض عضلاتها في الشوارع والساحات لا تأبه للإستماع إلى صوت العقل ونداء الواجب خشية التنازل عن مكتسباتها ومنافعها المادية والمعنوية التي جنتها خلال سنوات الفوضى والتقاتل.

الجماعات الإسلامية في سباق مع الوقت. تعرف أن عهدها شارف على النهاية إذا تمت الإنتخابات بسلام وقامت حكومة وبرلمان منتخبين. هم يرفضون الإنتخابات بالمبدأ ويهددون بالتعطيل والتأجيل. لكن هل تستطيع التجاذبات والمؤامرات الداخلية تحدي القرار الدولي بإلزامية إجراء الإنتخابات في موعدها؟ نصائح المجتمع الدولي والإقليمي والخليجي معطوفة على إصرار اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 مدعومة بالتأييد الدولي والإقليمي هي معطيات كافية لإزالة العوائق والصعاب مما يحمل على التفاؤل وإنتظار بصيص من النور في آخر النفق الليبي.

وفي سبيل إنجاح الإستحقاق الإنتحابي، قامت اللجنة العسكرية المشتركة بزيارة تركيا وبحثت مع الرئيس رجب طيب أردوغان كيفية البدء بإنسحاب المرتزقة والقوات التركية من طرابلس والغرب. وكذلك فعلت مع شركة “فاغنر” الروسية بدعوتها إلى الإنسحاب من بنغازي والشرق.

إن الإنطلاق ببدء سحب القوات الأجنبية من ليبيا ولو جاء متأخراً يبقى أحسن من بقاء هذه القوات. بدء الإنسحاب ولو تدريجياً ورمزياً كافٍ لطمأنة الليبيين وأصدقائهم انه يستحيل إجراء انتخابات شفافة ونزيهة في وجودهم.

إقرأ على موقع 180  أحلاف أسيوية جديدة.. إبحثوا عن الصين والهند وباكستان!

الإنتخابات فرصة لولادة قادة جدد أو التجديد للقدامى منهم. لتجرِ الإنتخابات وليكن الفوز والخسارة من نصيب من يستحق هذه أو تلك. ليبيا بحاجة ماسة إلى فترة هدوء ومصالحة مع الذات ليتسنى تأسيس دولة حديثة ومؤسسات فاعلة بعيدة عن اللجان الشعبية وأزياء الحكم الفولكلورية.

عودة ستيفاني وليامز الخبيرة في الشأن الليبي وراعية الإنجازات والإستحقاقات التي شهدتها ليبيا في السنوات الأخيرة يمكن أن توفر أجواء إنتخابات هادئة تنقل ليبيا الى مرحلة جديدة من الإستقرار. قولوا إن شاء الله.

Print Friendly, PDF & Email
مهى سمارة

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  نداءٌ إلى القادةِ المسيحيّين: احملوا، أنتمْ، مشروعَ المواطنة!