كورونا ما بعد “أوميكرون” أقل خطورة أم فتّاك؟

منى فرحمنى فرح13/01/2022
يُحذّر الخبراء من أن التطور الفيروسي ليس طريقاً في إتجاه واحد بل قد يكون عشوائياً.. يتطلب تحويل "كوفيد-19" إلى مرض يمكن التعايش معه أكثر من حملة تطعيم وطنية. كيف؟ هذا ما تستعرضه ليندا غيديس، مراسلة صحيفة "الغارديان" للشؤون العلمية، في هذا التقرير(*).

لقد غمرت الشعارات جائحة كوفيد-19، وأبرز تلك الشعارات ما تم تداوله في الأسابيع الأخيرة بشكل متكرر: “متغيرات كوفيد ستتطور لتصبح أكثر اعتدالاً”، و”كوفيد سوف يصبح فيروساً متوطناً Endemic”. ومع ذلك، يُحذر الخبراء من أنه لا يمكن اعتبار أي من هذه الأمور أمراً مفروغاً منه.

أولئك الذين يقولون إن الفيروسات تصبح أقل فتكاً بمرور الوقت غالباً ما يستشهدون بالإنفلونزا. فكلا فيروس الإنفلونزا الإسبانية (عام 1918) وفيروس وباء إنفلونزا الخنازير (عام 2009) تطورا في نهاية المطاف وأصبحا أقل خطورة. ومع ذلك، يُعتقد أن فيروس 1918 لم يصبح معتدلاً إلا بعد فترة من التطور المتصاعد كان خلالها فتاكاً. وكذلك كان الحال مع الفيروسات الأخرى، مثل “إيبولا“، الذي أصبح بمرور الوقت فتاكاً قبل أن يصبح معتدلاً.

الفيروسات تكون فتاكة قبل أن تصبح معتدلة بمرور الوقت.. لكنها تسعى دائماً للتناسخ بأكبر عدد ممكن والإنتشار قدر الإمكان

لكن البروفيسور ديفيد روبرتسون، رئيس علم الجينوم والمعلومات الحيوية الفيروسية في مركز أبحاث الفيروسات التابع لجامعة غلاسكو، يرى أن “القول بأن الفيروسات أو مسببات الأمراض تصبح معتدلة بمرور الوقت فيه الكثير من المغالطات”، موضحاً “إذا كان الفيروس قادراً على الإنتشار والتحور والتسبب في إصابات فسيفعل ذلك”.

الأولوية للتناسخ والإنتشار

تسعى الفيروسات إلى التناسخ بأكبر عدد ممكن، وبالتالي الإنتشار على نطاق واسع قدر الإمكان. وبرغم أنه ليس من مصلحة الفيروسات دائماً قتل مضيفيها، ولكن طالما أنها تنتقل قبل أن يحدث ذلك، فلا يهم. فيروس “سارسCoV-2” لا يقتل ضحيته وهو في ذروة الإصابة والمرض شديد العدوى؛ في العادة يموت المُصاب بعد أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع من المرض. ولا يهتم الفيروس إذا كان هناك بعض الضحايا على طول الطريق، شريطة ألا يتطور إلى درجة يصبح معها المُصاب غير قادر على الاختلاط وبالتالي غير قادر على نقل العدوى لآخرين.

كما أنه ليس من الواضح بعد ما إذا كان فيروس “سارس-CoV-2” قد أصبح أكثر اعتدالاً بشكل تدريجي. صحيح أن “أوميكرون” يبدو أقل حدَّة من متحورات “ألفا” أو “دلتا”؛ لكن كلا هذين المتحورين تسببا في مرض أكثر خطورة من سلالة “ووهان” الأصلية. الأهم من ذلك، أن التطور الفيروسي ليس طريقاً باتجاه واحد: لم يتطور”أوميكرون” من “دلتا”، ولم تتطور “دلتا” من “ألفا”. الفيروسات أكثر عشوائية، ولا يمكن التنبؤ بها أكثر من ذلك.

يقول روبرتسون: “هذه المتحورات المثيرة للقلق لا تختلف عن سابقاتها. وبالتالي إذا استمر هذا النمط، وظهر متحورٌ آخر في غضون ستة أشهر، فقد يكون الأمر أكثر سوءاً. من المهم جداً ألا نفترض أن هناك حتمية أن يكون “أوميكرون” نهاية تطور “سارس- CoV-2″ أو المتحور الأخير لهذا الفيروس”.

الفيروسات المتوطنة لا تعني أن الفيروس فقد قوته وقدرته على الفتك بصحة من يُصاب به على الإطلاق

هناك احتمال أن يكون “أوميكرون” قابلاً للإنتقال لدرجة أنه قد وصل إلى سقف حيث ستكافح المتحورات المستقبلية للتغلب عليه. لكن قبل بضعة أشهر فقط، كان الناس يقولون الشيء ذاته عن “دلتا”. أيضاً، من المرجح أن يستمر “أوميكرون” في التطور والتحور. وكما يوضح روبرتسون فإن “ما قد يحدث هو أنه نظراً لإصابة العديد من الأشخاص بفيروس أوميكرون، فسيكون من الصعب على أول أوميكرون [المتحور] أن يستمر في البقاء والتحور ثانية، وبالتالي يخلق مساحة لفيروس أفضل في التملص من الاستجابة المناعية”.

التلقيح.. بارقة الأمل الوحيدة

ماذا عن فكرة أن فيروس “سارسCoV-2” يمكن أن يصبح متوطناً؟

يميل السياسيون إلى استخدام هذا الإفتراض كبديل لمواصلة حياتنا ونسيان وجود Covid-19. ما يعنيه “الفيروس المتوطن” في الواقع هو وجود مرض باستمرار، ولكن يمكن التنبؤ بمعدلات الإصابة به؛ ولا تخرج الإصابات عن نطاق السيطرة.

وبحسب ستيفن غريفين، الأستاذ المساعد في علم الفيروسات في جامعة ليدز: “كان الجدري متوطناً، وكذلك شلل الأطفال، وحمى لاسا، والملاريا، والحصبة والنكاف، لكنها تعتمد على التطعيم. الفيروسات المتوطنة لا تعني أن الفيروس فقد قوته وقدرته على الفتك بصحة من يُصاب به على الإطلاق”.

نظراً لأن المزيد والمزيد من الأشخاص يكتسبون مناعة ضد فيروس “سارس CoV-2″، أو يتعافون من العدوى، فقد يصبح الفيروس أقل احتمالية للتسبب في مرض خطير. لكنه يمكن أن يتطور ويتحور بعد ذلك مرة أخرى. النبأ السار هو أن هذا يصبح أقل احتمالاً كلما تم تطعيم عدد أكبر من سكان العالم – لأنه كلما قلَّ عدد المصابين، قلَّت فرص تطور الفيروس؛ لكننا لم نقترب من ذلك بعد حتى الآن. حتى في بريطانيا، هناك أعداد كبيرة من الأفراد غير المحصنين، ومن غير الواضح إلى متى سيستمر هذا الوضع.

إقرأ على موقع 180  ننام على إستقرار.. نستيقظ على إنهيار!

ويضيف غريفين: “فكرة أننا سنحقق التوطن في أي وقت قريب تبدو أيضاً مناقضة إلى حد ما لحقيقة أن لدينا عدة أسابيع من النمو الهائل وعلى نطاق واسع. ولا ننسى أننا قبل أوميكرون كنَّا لا نزال نشهد نمواً هائلاً في دلتا”.

يتطلب تحويل كوفيد إلى مرض يمكننا أن نتعايش معه أكثر من حملة تطعيم وطنية وتفكير قائم على التمني؛ الأمر يتطلب جهداً عالمياً لتحسين المراقبة للمتحورات الجديدة، ودعم البلدان لمعالجة حالات تفشي المرض عند المصدر ولحظة ظهوره. كما يتطلب أيضاً استثماراً أكبر في تنقية الهواء والتهوية لتقليل إنتشار الفيروسات.

يأمل الجميع في أن يتطور الفيروس التاجي ليصبح أكثر اعتدالاً، وأن يصبح كوفيد فيروساً متوطناً؛ أو بالأحرى، يمكن التحكم فيه بما يكفي حتى لا يفسد حياتنا اليومية. لكن هذه آمال وليست حقائق بعد، وتكرار هذه العبارات لن يجعلها تحدث بشكل أسرع.

(*) النص الأصلي بالإنكليزية على موقع “الغارديان

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  لنفتح نافذة خلف الغيم الأسود