البصيرة.. ونخبة الحراك في لبنان (1)

الويل لدماغك إذا كنت مقيماً في لبنان، فهو عرضة لموجة تلو أخرى من الأحداث الصادمة، يليها سيل إعلامي متواصل، تتخلله سموم وتوترات وأحقاد متراكمة، ثم هدوء نسبي واجترار ممل، في انتظار صدمة جديدة.

على وقع المآسي ـ معيشية كانت أم أمنية ـ يتكرر نمط المعارك الإعلامية: ثنائيات تصطف خلفها جماعات وتتراشق. الانفصام لم يعد محصوراً في القيم والهويات فحسب وانما تعداهما الى كيفية توصيف المشهد وما يجري حولنا، ما ينسف الحد الأدنى المطلوب من وجود تصور مشترك للواقع كأساس للنقاش والتحاور. هذه هي حالنا منذ عامين على الأقل.

أصبحنا امام خطوط تماس افتراضية على مواقع التواصل يستحيل اجتيازها وسط حالات الشيطنة المتبادلة، وقد كان احد عناوينها ما سمي “خورفة”[i] انصار الأحزاب، أي اعتبارهم من قبل بعض نخب وناشطي الحراك بمثابة قطيع من مغسولي الدماغ ومسلوبي الإرادة.

اتناول في هذا المقال هذه التهمة نقدا، كمدخل الى بحث مسألة الحرية والاستقلالية في تشكيل الآراء والتصورات عن واقعنا السياسي والاجتماعي، وبحثا كذلك عن تفسير لما اعتقد انها بقعة عمياء (blindspot) في رؤية نخبة الحراك.

اقصد بالحراك الحركة الاحتجاجية التي انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩، تحديدا تلك الشريحة منها المستقلة عن الأحزاب والمعادية لها. هذا يستثني جزءا من الحركة الاحتجاجية كان مشاركا في البداية وانسحب بناء على طلب حزب الله، كما يستثني من إخترق الحراك من أحزاب أخرى مناوئة لحزب الله.

اما “نخبة الحراك”، فأقصد بها شريحة نخبوية عابرة للطوائف، تحتل حيزا كبيرا في “النقاش” العام في البلاد وصوتا مرتفعا في المعارك الإعلامية، وقد انخرطت في الحراك ويستعد بعضها للانخراط في انتخابات ٢٠٢٢.

البعض يسميها شريحة “الان جي اوزيين”، نسبة للمنظمات غير الحكومية (NGOs)، وهي تسمية ذات دلالة الى حد ما، مع الإشارة الى ان هذه الشريحة تضم خليطا لا يقتصر على العاملين في تلك المنظمات، بل يشمل فئات أخرى، مثل خريجي الجامعات الخاصة، الحائزين على تعليم في الخارج، العاملين في الإعلام (غير الحزبي)، الأكاديميين والخبراء وأساتذة الجامعات، والطامحين الى شيء من هذا.

غالبا ما يَجمع الأفراد المنتمين إلى تلك الشريحة امتلاكهم مصدرا للدخل (غربيا في معظم الأحيان) يتيح التحرر من الاعتماد المعيشي على الاحزاب وخدمات السياسيين.

تجدر الإشارة الى ان هناك شيئا من التعميم يفرض نفسه أحيانا في وصف هذه الشريحة، وهناك تعددية داخل المشهد لا يمكن حصرها في هذا المقال.

“خورفة” جماعة الأحزاب

تعبير “غنم” هو أحد المصطلحات الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو بمثابة تهمة غالبا ما توجه الى جماهير الأحزاب وأنصار الزعماء في لبنان. الوصف التحقيري هذا يضاف الى غيره من السموم التي تملأ فضاءنا العام، لكنه يفتح لنا بابا للتأمل: كيف نميز الفعل (أو القول) الحر عن الفعل (أو القول) غير الحر؟

لا أريد ان أزيد منسوب السموم، بل أسعى الى معالجة رصينة وموضوعية لهذه اللغة. سأعرّف مصطلح “الغنم” في هذا السياق بأنه يشير الى من يدلي بأقوال (ويقوم بأفعال) لم يتوصل اليها باستقلالية، بل تمكنت جهة ما من دفعه إليها، دون ادراكه ووعيه (واحيانا دون ادراكهما ووعيهما معا).

يجب ان نعترف أولا بأن هناك درجة من “الغنمية” فينا جميعا: فكم من مرة نجنح الى فكرة هي صدى لأفكار وقيم تشربناها من البنية الاجتماعية المحيطة بنا، فتسربت الى دوافعنا وميولنا ومعتقداتنا، ومنها الى سلوكنا؟

يشير عالم الاجتماع دايف إلدرفاس في كتابه “القوة السببية للبنى الاجتماعية” الى انحياز لدينا كبشر في مقاربة هذا الموضوع. نحن ننحاز الى أن نعتبر أنفسنا فاعلين أحرارا، ونقلل من شأن البنية الاجتماعية في التأثير في افكارنا ومعتقداتنا وسلوكنا. من الأسهل ان نتصور فعل ذراعنا (بالمعنى الحرفي لكلمة ذراع) على أنه فعلنا نحن وليس فعل الذراع، من ان نتصور فعلنا كأفراد على انه فعل كيان اجتماعي اكبر منا، نشكل نحن مجرد ذراع له.

تقوم الثنائية الزائفة على تضييق دائرة الاحتمالات او الإيحاء بوجود تناقض بين شيئين حيث لا تناقض بالضرورة: اما مؤامرة او فساد، مثلا. اما ان السفارات قد تعاقدت شخصيا مع كل متظاهر وسلمته لائحة تعليمات مفصلة حول الشعارات وأماكن التظاهر، او ان كل حديث عن تدخل السفارات وتآثيرها في الحراك (وفي غير الحراك) هو ضرب من الخيال

ولكن في واقع الحال من المنطقي والعلمي ان نفترض ان هناك افرادا (ومجموعات) داخل أي مشهد سياسي هم عبارة عن أذرع (وألسن) لكيانات أكبر منهم تفعل فعلها من خلالهم، وأن كيانات اجتماعية ستحاول أن تؤثر بالخفاء، وأنها ستفعل ذلك من خلال واجهات ومن وراء الأقنعة لكي لا نعرف الفاعل الحقيقي، أو المتحدث الحقيقي، وراء فعل (أو قول) معين.

قد يكون هذا الكلام بديهيا اجمالا. أما في ما يخص وضعنا اللبناني فمن البديهي أيضا أنه في لحظة الانهيار ستحاول شبكة المصالح، المتحكمة بالاقتصاد والمتغلغلة في الدولة، اختراق الحراك والتلاعب بخطابه وشعاراته. ومن البديهي أيضا أن الولايات المتحدة والدول الحليفة لها ستحاول استغلال الفرصة السانحة لإضعاف حزب الله.

هذه من البديهيات، ولا حاجة لتكرارها. لماذا إذن أكررها؟ لأننا في التفاتنا الى خطاب “الثورة”، والنخب المتبنية لها، فإن أول ما سنكتشفه هو إنكار عنيد لسلسلة البديهيات هذه، أو تشويه لها، وامتناع عن أخذها جديا في أي نقاش، وسخرية من كل من لا يشارك حالة النكران هذه.

بقعة عمى

بعد يومين من اندلاع التظاهرات في ١٧ تشرين/أكتوبر، كتبت أستاذة مساعدة في علم الاجتماع وناشطة محذرة من أن تستحوذ قيادة غير معلنة على الحراك[ii].

لا أدري ما إذا عادت وكتبت رأيا في هذا الموضوع بعد الذي شهدناه، لكني أرى أن نخبة الحراك، على العموم، لم تمعن النظر بعد في كيفية تعرضه للتلاعب، وفي الجهات التي فعلت ولا تزال تفعل ذلك. ما حصل هو العكس: فمن بين القواعد (norms) التي ارساها الحراك سريعا كان عدم الخوض جديا في هذه المواضيع. وسرعان ما انتشر انطباع بان مجرد التفكير في احتمال وجود قيادات ظل هو امر ينطوي على بلاهة، هذا إذا أحسنا الظن، وعلى تحريض وتخوين اذا أسأناه.

هذا ينطبق بشكل خاص على الحديث عن اختراق خارجي، مع ان تاريخنا وحاضرنا عبارة عن تفاعلات وتقاطعات بين مصالح داخلية وخارجية.

أثر الخارج يشكل بقعة عمى (blindspot) في رؤية هذه الشريحة[iii]، وإن كانت لها تجليات مختلفة.

بعضهم يقول: سئمنا “انقساماتكم” الاقليمية، كأن الصراعات هذه عبارة عن شريط ترفيهي وظيفته تسليتهم، وقد انتهت صلاحيته وبات مملا بالنسبة اليهم. البعض الآخر يقابل أي كلام عن دور السفارات، او ان “في شي اكبر مني ومنك” باستهزاء، معتبرين ان أصحاب المصالح في الخارج، على تنوعهم، “ليس بالهم فينا”، كأنهم يعجزون عن الاهتمام بأكثر من مسألة في آن معا.

بعض آخر يأخذ، حين يسمع حديثا عن الخارج، بتعداد المشاكل الداخلية، كأن هناك تناقضا بين وجود نموذج اقتصادي مهترئ من جهة، وأجندات خارجية تزيده اهتراء وتطيل امده (وربما تساهم في انشائه) ثم تقطع عنه سبل البقاء حين تشاء من جهة أخرى.

هكذا تكون الثنائية الزائفة التي تقوم على تضييق دائرة الاحتمالات او الإيحاء بوجود تناقض بين شيئين حيث لا تناقض بالضرورة: اما مؤامرة او فساد، مثلا. اما ان السفارات قد تعاقدت شخصيا مع كل متظاهر وسلمته لائحة تعليمات مفصلة حول الشعارات وأماكن التظاهر، او ان كل حديث عن تدخل السفارات وتآثيرها في الحراك (وفي غير الحراك) هو ضرب من الخيال.

حالة التعامي

يبدو لي ان الحراك لا يمثل عامة الشعب في لبنان في هذه المسألة. الناس عموما تفهم أن للخارج تأثيرا كبيرا في الداخل. قد يرحب بعضهم بمصلحة خارجية معينة، ويتماهى معها حين تخدم رؤيته ومصالحه. هذا موضوع آخر – لن أتناوله هنا – يتصل بانفصام هوياتي- قيمي في البلاد، يحول دون الحد الأدنى من الاتفاق على مفهوم السيادة وعلى تحديد السياسة الخارجية. لكن من حيث فهم المشهد وبعيدا عن تقييم دور الخارج، فإن عامة الناس تفهم ان هناك شيئا اسمه مؤامرات، وأن القوة تعمل في الظل كما في العلن، وأن السلطة في لبنان ليست حكرا على منظومة محلية، وأن لبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطه.

تبدو حالة التعامي عن هذه البديهيات ظاهرةً حراكية بامتياز. وفي حين ان هذه الشريحة الحراكية عملت على “خورفة” جماعات الأحزاب، فهي كانت، في الوقت نفسه، رافضة لفكرة أن تكون هي عرضة للانسياق خلف قيادة غير مرئية.

من هم “الغنم” في هذا المشهد السياسي الاجتماعي؟

من الأفضل ألا نطلق الوصف على شخص أو اشخاص بعينهم (كأن نقول فلان كالغنمة في القطيع) بل نتناول السلوك (فنقول فلان تصرف هنا كما الغنمة في القطيع)، إدراكا منا لكوننا جميعا ننساق أحيانا الى سلوكيات معينة كالقطيع، وإدراكا منا أيضا لإمكانية تجنب الانسياق، وهي متاحة أمامنا في كل لحظة. لكننا إذا رفضنا مجرد التفكير في أن هذا الاحتمال ينطبق علينا نحن أو أية جماعة ننتمي اليها، نصبح أكثر عرضة من سوانا لأن نساق كالقطيع.

ويبدو ان هذه النقطة تحديدا قد أدركتها قوة خارجية متمرسة في مجال التأثير في الرأي العام.

إذا كنت من المشاركين في “ثورة” ١٧ تشرين او المتحمسين لها، قد تشعر بالإهانة حين تقرأ هذا الكلام. أنت تدرك أنك نزلت الى الشارع مفعما بالغضب والقرف والخوف والأمل، مثقلا بمليون سبب لتنتفض، وهي أسباب تتراكم يوما بعد يوم

“تخطيط نفسي”

فلنتأمل الآتي: هناك قوة خارجية تبحث عن شريحة من اللبنانيين تؤثر من خلالها في مسار الأمور بغية إحداث تغيير سياسي أو اجتماعي معيّن. وهناك شريحة في لبنان تدأب على السخرية الفورية والدائمة من كل ما يشير الى أن هناك قوى خارجية تحاول التأثير، خفاء او علنا، في مسار الأمور في لبنان.

إقرأ على موقع 180   إسرائيل لـ"حقنة" ضد "عناد نصرالله".. غير متوفرة!

هذه القوة الخارجية قد وكلت من يقوم بالدراسات اللازمة، واعداد خارطة نفسية (psychological mapping) لشرائح المجتمع اللبناني، بقصد تحديد الشريحة المطلوبة (potential target audience, PTA) لاستهدافها باستراتيجية إعلامية ترمي الى إحداث تغييرها المنشود، فانتهت الى الاستنتاج التالي: الطريقة الأكثر فعالية هنا تكون عبر استهداف الشريحة الأقل ايمانا بفعالية القوى الخارجية وتأثيرها.

المثال أعلاه فكاهي بحد ذاته. لكن اللافت للإنتباه انه بعد سنوات قليلة من الدراسة رأينا بالفعل شريحة هبت للقيام بحراك، من اجل إحداث تغيير، ومن سماتها التقليل من شأن التأثير الخارجي.

ماذا يعني هذا؟ مؤامرة؟ هل كل شيء مؤامرة؟

إذا كنت من المشاركين في “ثورة” ١٧ تشرين او المتحمسين لها، قد تشعر بالإهانة حين تقرأ هذا الكلام. أنت تدرك أنك نزلت الى الشارع مفعما بالغضب والقرف والخوف والأمل، مثقلا بمليون سبب لتنتفض، وهي أسباب تتراكم يوما بعد يوم. انت لا تعرف شيئا عن كل هذه الدراسات. أنت اخترت النزول، أنت اخترت خطابك وشعاراتك، وأنت ومن نزلوا معك شكلتم حراكا ثوريا ورسمتم استراتيجيته. أنت تعرف هذا، ولا دراسة مسربة ولا أي شيء اخر يمكن أن يزعزع معرفتك هذه بنفسك. لا احد يسيّرك، وانت لا تنساق مع القطيع. أنت (والشعب) تملكون الفاعلية (agency).

هممم…… (hmmm…….)

الكل واجزاؤه: هناك شيء أكبر مني ومنك

الفاعلية (agency)، في العلوم الاجتماعية، هي “قدرة الأفراد على التصرف بشكل مستقل واتخاذ خياراتهم الحرة المستقلة”[iv].

هناك انقسام بين المنظرين الذين يميلون الى الاهتمام بالقوة السببية للبنية الاجتماعية من جهة، والذين يركزون على فاعلية الافراد من جهة ثانية.

يتكون الفرد من أجزاء بيولوجية (أهمها بالنسبة إلينا في هذا النقاش الخلايا الدماغية) منتظمة في علاقات معينة، وهذه الأجزاء بتفاعلها وانتظامها هذا تُكوّن إنسانا فردا يملك قوة سببية في التأثير.

الكيان الاجتماعي هو عبارة عن مجموعة من البشر – أجزاؤه (الأساسية واحيانا الوحيدة) هم أفراد من البشر – على أن يكون هؤلاء الأفراد منتظمين في علاقات وتفاعلات معينة تعطيهم – مجتمعين في هذه العلاقات – قوة سببية في التأثير. هذه القوة هي قوة الكيان الاجتماعي، وهي أكبر من مجموع قوة اجزائه الافراد لو أنهم لم ينتظموا في هذه العلاقة (greater than the sum of its parts).

الفرد، إذا، هو فاعل ينشط بين المستويين البيولوجي والاجتماعي. لفهم فاعليته علينا أن نعي كيفية تفاعل هذه المستويات في ما بينها، ثم نناقش دور وأهمية كل منها. يعني هناك شيء اصغر مني ومنك، وهناك شيء اكبر مني ومنك (تخيلوا)، وهناك بين الشيئين انا وانت.

انت أصلا، في نزولك الى الشارع، حاولت مع الآخرين، التأسيس لشيء أكبر منك، كيان اجتماعي اسمه حراك او ثورة، يملك فاعلية سياسية وقوة سببية في التأثير، أي تغيير الواقع السياسي والاجتماعي. لكنك نزلت في ساحة تعجّ بكيانات أخرى سابقة لك، ستتحرك حتما إما لإلغائك، او لاستمالتك وتحوير خطابك وسلوكك وتجييرهما لصالحها.

فلنعد عامين الى الوراء، الى الاسابيع الاولى للحراك الوليد. وسط عدة امكانيات وتوجهات في الشارع يومها، طغى شعار “كلن يعني كلن”، وطغت قواعد وسلوكيات وأنماط من الخطاب مشتقة منه، يمكن تلخيصها بالتالي: هذه ثورة. لا يمثلها احد، لا قيادة لها، لا يتحدث باسمها احد، لا تفاوض، لا تسمي، تريد حكومة تكنوقراط مستقلة، الخ. هذه هي “الأيديولوجيا” التي انبثقت من الحراك الثوري.

الثورة لا تسمي ولا تفاوض ولا تسمح بأن يتقدم من صفوفها أحد، فلا قيادة لها. هذه هي القواعد. على الجميع ان يرحل، وعلى حكومة من الاختصاصيين المستقلين ان تهبط علينا من السماء. وها هم يهتفون عبثا على امتداد زمني مفتوح، وسط تركيز الكاميرات المتبنية للثورة، وفي لحظة كانت قوة الشارع تبلغ اقصاها، بمطلب لا يجدي نفعا ولا سبيل الى تحقيقه

فلنطرح احتمالين:

الإحتمال الأول هو أن الحراك قد توصل الى هذه السلوكيات والخطاب و”الاستراتيجية” من منطلق مستقل ناتج عن قناعة بأنها المنهجية الأفضل لتحقيق التغيير الجذري الذي أراده المحتجون.

الاحتمال الثاني أن هذه السلوكيات واللغة قد طغت على سواها من الاحتمالات التي كانت موجودة في الشارع نتيجة تفاعل عاملين: اختراق الشارع نفسه، وفعل الإعلام، القديم منه والجديد، في تثبيت هذه القواعد الخطابية والسلوكية، وتقديمها على سواها.

اذا صح الاحتمال الأول، تأملوا مستوى العبثية الكامنة في هذا السلوك. الم يشارك اختصاصيون في تركيب هذه المنظومة التي تدفع بالبلد الى انهيار تلو انهيار؟ من البديهي أن المشكلة ليست في الاختصاص، وانما في مصلحة من يتم توظيفه. ثم، حكومة مستقلة عن من؟ عن القوى السياسية؟ هذا يعني ان مجلس النواب، المشكل من القوى السياسية، لن يسمي الوزراء. هل يساهم الحراك اذا، عبر الضغط واستخدام قوة الشارع الناشئة، بالتسمية والتشكيل؟ استغفر الله! من يفعل هذا خائن. الثورة لا تسمي ولا تفاوض ولا تسمح بأن يتقدم من صفوفها أحد، فلا قيادة لها. هذه هي القواعد. على الجميع ان يرحل، وعلى حكومة من الاختصاصيين المستقلين ان تهبط علينا من السماء. وها هم يهتفون عبثا لساعات كل يوم ولأيام كل أسبوع على امتداد زمني مفتوح، وسط تركيز الكاميرات المتبنية للثورة، وفي لحظة كانت قوة الشارع تبلغ اقصاها، بمطلب لا يجدي نفعا ولا سبيل الى تحقيقه.

لكن لننظر، للحظة، الى إمكانيات وفوائد مثل هذا الشعار من زاوية مصالح “الاوليغارشية” والخارج (الغربي والخليجي).

بالنسبة الى المنظومة الداخلية، أي شبكة المصرفيين والتجار والسياسيين المستفيدة من النموذج الاقتصادي المنهار، يشكل الشعار وما يستتبعه من سلوك مرافق له وصفة تمييعية تفتح مجالا واسعا للمناورة، وتريح تلك المنظومة من محاولات استهدافها المباشرة والتي كانت مجموعات صغيرة بين المتظاهرين تدفع باتجاهها وتحاول البناء عليها. أما بالنسبة الى المنظومة الخارجية فإن شعار “كلن يعني كلن” يشمل حزب الله، لا بل يفتح المجال لوضعه في الواجهة بوصفه الحزب الأقوى والأكبر، في حين ان أي تحديد دقيق للشبكة المصرفية المالية السياسية كان سيترك حزب الله خارج الصورة، او على الأقل يضعه في آخر اللائحة، باعتباره الأبعد عن المنظومة المصرفية.

هذا مجرد مثال عن كيفية التلاعب بالخطاب والنهج الاحتجاجي. وهناك امثلة أخرى عن تشتيت الانتباه وضرب الأولويات، وكذلك عن ضخ اعلامي من وسائل تمثل تقاطعات بين الداخل والخارج، وهي توضح الصورة الى حد بعيد.

قواعد الإنتماء والإرتقاء

ماذا لو لاحظت مجموعات او افراد من الثوار هذه التقاطعات الخارجية والداخلية التي سعت الى تحوير الخطاب وصرف الأنظار عن الاوليغارشية، وحاولت منع عملية اختطاف هذه القوى للحراك؟ ماذا لو تمكن الحراك، في تلك اللحظة المفصلية، حين كان قويا وكانت المنظومة المصرفية تترنح امامه، ان يحفظ تركيزه ويحدد وجهة فعالة للتأثير؟

هذا ما لن نعرفه، لكننا نعلم ان خطابا طغى على نخب الحراك وشكل مانعا صلبا امام تفكير نقدي يلحظ طبيعة التلاعب ويحاول تجنب تبعاته.

كأي مجموعة، فان الحراك يعاقب بعض السلوكيات ويكافئ بعضها الآخر، وهكذا ترسو قواعد الانتماء والارتقاء.

القاعدة الأولى كانت عدم التشكيك في استقلالية الحراك وثوريته، واعتبار أن مصدر أي تشكيك من هذا النمط هو السطلة نفسها والمنظومة التي تريد شيطنة الحراك. القصاص اذا لم تلتزم؟ انت خارج التاريخ، انت بقايا النظام السابق الذي يموت امامنا فيما الشجعان يخرجون عن طوائفهم وتربيتهم ويقيمون وطنا جديدا. الشعب استفاق، انتهت الطائفية، اما انت فكبش من القطيع لا تؤمن بالفاعلية (agency) وتظن نفسك مسيّرا. زعيمك يلهو لعبًا بعقلك، فانت نقيض الحرية والثورة.

مرة، مرتان، ثلاث مرات، من ترداد هذه المقولات، فإذا بها تصبح قاعدة، فيما انت تُخزن ذكرى ما حدث لهؤلاء المخالفين في رأسك.

لن يمنعك احد بالقوة من الحديث عن تقاطعات الخارج والداخل. يشرح إلدرفاس ان الامتثال للقواعد التي تأتيك من (نوع معين من) الكيانات الإجتماعية[iv] (normative compliance) – لا يفرض بالإكراه الصريح، بل يتم على مرحلتين: الأولى حين يخزن دماغنا تجاربنا فتتشكل في ذهننا صوراً عما يحبذه كيان اجتماعي معين وعن القصاص الذي نلقاه نتيجة تصرف ما والمكافأة التي ننالها اثر تصرف آخر (مادية وغير مادية)، فيؤثر ذلك في معتقداتنا ودوافعنا وميولنا. ثم المرحلة الثانية هي في لحظة الفعل، فتساهم كل هذه المعتقدات والميول المكتسبة (مع غيرها من العوامل) في تحديد سلوكنا، فنمتثل او لا نمتثل. اذا امتثلنا نعزز القاعدة المكرسة، واذا لم نمتثل فقد نساهم في تغييرها.

هذا يعني ان الافراد المنتظمين في كيانات اجتماعية – الذين “يقولون لنا” ماذا نفعل ونقول، وماذا لا نفعل ولا نقول – لا يقفون فوق رأسنا لحظة فعلنا حاملين العصا، بل هم يقفون “داخل” رأسنا.

هنا اذا يحصل الفرز. هذه المجموعة الوليدة لا مكان فيها لمن يرى ان الحراك مهدد بالاختراق وبالتلاعب الإعلامي، أو أن هناك شيئا اسمه قيادات الظل. هذا يعني ان الخطوة الأولى اللازمة لأي حراك لكي يقاوم محاولات الاستحواذ عليه، هي هنا، ببساطة، محرّمة.

(*) الجزء الثاني والأخير بعنوان: أوهام الحرية ونخبة الحراك في لبنان

[i] المفكرة القانونية

[ii] موقع “أوبن ديموقراسي” بالإنكليزية ثم موقع “القدس العربي” بالعربية

 [iii] جريدة الأخبار (دراسة المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق) 

[iv] https://ar.m.wikipedia.org/wiki/بنية_وفاعلية

 

Print Friendly, PDF & Email
رامي رحيّم

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  محمد صلاح يقهر الإسلاموفوبيا في المملكة المتحدة