أوكرانيا.. مخاض جديد في عالم جديد!

نحن أمام مواجهة بين "الكبار" لم يشهد العالم مثيلاً منذ الحرب الحرب العالمية الثانية حتى الآن. فما يجري في أوكرانيا ليس لعبة بسيطة او حرباً ببعد واحد. هو تطور يرتبط بأبعاد ثلاثة مترابطة بشكل وثيق: الوضع الجيوبوليتكي لأوكرانيا، الأمن القومي الروسي؛ وحلف شمال الاطلسي.

لنبدأ من عند هذا التاريخ السحري: 2.22.22. تاريخ سيحفظه العالم لأنه سيُعيد تأسيس قواعد “توازن الرعب” بين الكبار؛ ليس بين روسيا والولايات المتحدة وحسب؛ إنما بين أوروبا والولايات المتحدة أيضاً. كما انه سيُحدد “قواعد اللعبة” من جديد بين روسيا وأوروبا وسينعكس علی هيكلية حلف شمال الاطلسي الذي تمكن من الصمود والتربع علی عرش الأمن الدولي منذ إنهيار منافسه “حلف وارسو” مع سقوط الإتحاد السوفياتي عام 1991.

عقوبات علی الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف؛ إنهيار سعر العملة الروسية من جراء العقوبات؛ إغلاق حسابات وحظر علی هذه المؤسسة او ذاك المصرف؛ غلق حسابات وحظر أخرى وغيرها من الإجراءات التي فرضها الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة اضافة الی مصير الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي وحكومته.. هذه كلها تفاصيل لا تُسقط روسيا ولا تُجوّع الروس في مقابل الاهداف الاستراتيجية التي يبتغونها ولكن السؤال الجوهري: ماذا يريد بوتين من بعد أوكرانيا؟

يعتقد فريق من المحللين أن الولايات المتحدة نجحت في توريط روسيا في أوكرانيا وبالتالي اسقطتها في مستنقع لا يجف في ظل عقوبات وحصار وحملات إعلامية وسياسية غربية لن يكون بمقدور روسيا الخروج منها إلا منهكة لا حول لها ولا قوة. لا أميل إلى هذا التحليل لأن روسيا ليست دولة هشة الی هذا الحد؛ ولا هي تعيش علی هامش المعادلات الدولية ولا تأتمر بأمر فرد؛ وشئنا أم أبينا ما زالت تتربع علی عرش المنافسة مع الولايات المتحدة ومع الدول الغربية وحلفهم شمال الاطلسي، من دون إغفال ما تحتله الصين من مكانة ولا سيما في المنافسة الإقتصادية مع الولايات المتحدة.

لقد تعلم بوتين دورساً كثيرة خلال تجربته على رأس الـ(كي جي بي) في زمن الحرب الباردة جعلته يتقن قواعد اللعبة التي تقول “إن أية مهادنة للأمن القومي تجعل أيادي الآخرين تلعب بمناطق يصعب تصورها”، وبذلك هو لم يتأخر ولو لحظة في كبح جماح نفوذ الولايات المتحدة في جمهوريات آسيا الوسطی التي تشكل مجالاً حيوياً لروسيا

بالمقابل، هناك فريق آخر من المحللين يعتقد أن حلف الناتو الذي تتزعمه الولايات المتحدة أراد وضع روسيا تحت طائلة العقوبات الإقتصادية والأمنظية والعسكرية من أجل إعادة صياغة التحالف الصيني الروسي ومن ثم تحييد الجانب الروسي وصولاً إلى تفرغ الولايات المتحدة للمنازلة الكبری مع الصين في المرحلة المقبلة. هذا التصور أيضاً لا يرقى إلى مستوی التحديات التي ولّدتها حرب أوكرانيا وكلفتها الباهظة علی الواقع الدولي، سياسةً وأمناً وإقتصاداً، ولا سيما على صعيد بقاء حلف الناتو متماسكاً بعد الأزمة الأوكرانية. كما أنه من المستبعد أن يذهب المفكرون الاستراتيجيون في أميركا وأوروبا الی مثل هذه القراءة الساذجة والسطحية وتداعياتها وأثمانها السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية.

ووفق تقرير “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” الذي صدر بعد “مؤتمر ميونيخ للأمن” المنعقد الأسبوع الماضي في ألمانيا “يتوجب علی القادة الأوروبيين الذين إجتمعوا في ميونيخ أن يركزوا علی اختراع غرب جديد يمكنهم فيه أن يحددوا قواعد الاشتباك التي ستخرج عن هذه الأزمة (الأوكرانية)”.

يجب التركيز علی ما ذكره التقرير: “غرب جديد” و”قواعد الإشتباك” الجديدة. انه تعبير عن هلع القارة الأوروبية من رؤية نفسها أسيرة ما بين المطرقة الأميركية والسندان الروسي. وللتذكير، فان الدول الاوروبية هي القريبة من منظومة الصورايخ النووية اذا قررت روسيا نصبها في اراضي جمهورية بيلاروسيا وليست الولايات المتحدة.

ولم تستطع نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس الهادئة والبشوشة والدبلوماسية العريقة في أخلاقها، كما وزير خارجيتها انطوني بلينكن أن يُبدّدا القلق الاوروبي في مؤتمر ميونيخ. كما لم تستطع عبارة بلينكن “قوتنا في وحدتنا” التي كرّرها مراراً في ميونيخ في أن تبدد هواجس القارة العجوز.

أميل إلی ما قاله المحلل الإستراتيجي العسكري اللبناني العميد الياس فرحات، في مقالة له في موقع 180post بأن “ازمة أوكرانيا المفتوحة علی مصراعيها تحمل في طياتها بذور نظام عالمي قيد التبلور”.

لقد تعلم فلاديمير بوتين دورساً كثيرة خلال تجربته على رأس المخابرات السوفيتية (كي جي بي) في زمن الحرب الباردة جعلته يتقن قواعد اللعبة التي تقول “إن أية مهادنة للأمن القومي تجعل أيادي الآخرين تلعب بمناطق يصعب تصورها”، وبذلك هو لم يتأخر ولو لحظة في كبح جماح نفوذ الولايات المتحدة الأميركية في جمهوريات آسيا الوسطی التي تشكل مجالاً حيوياً لروسيا بدءاً بطاجكستان وانتهاء بأوكرانيا مروراً بكازاخستان وجورجيا. لم يناقش بوتين مجال بلاده الحيوي وانما هو الآن يريد الإنتقال من موقع الدفاع إلى محاولة اللعب في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. لذلك، تصبح أوروبا هي المتضرر الأول، كما يقول تقرير “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” والمستهدف أيضاً هو “حلف شمال الاطلسي” (الناتو)؛ وثمة حاجة الی “قواعد اشتباك” تكون فيها العلاقات الأوروبية الأميركية علی المحك لتحقيق أمرين أولهما أميركي ويتمثل في إبعاد روسيا عن أوروبا. وثانيهما روسي بإبعاد أوروبا عن أميركا. وما بين هذه الرغبة وتلك، فإن استمرار الحرب في أوكرانيا يؤذي أوروبا ولا يخدم المصالح الأميركية. إنها مرحلة المخاض لولادة جديدة في عالم جديد.

إقرأ على موقع 180  السعودية-إيران: من التشابك إلى المصالح على طريق بكين

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ماذا بقي من صورة المقاومة اللبنانية عند المصريين؟