وا عاصياه، وا منصوراه.. وا فيروزاه!

للرحابنة عاصي ومنصور وفيروز دور كبير في الترويج للهويّة اللبنانيّة في خمسينيات وستّينيات القرن الماضي، من خلال نتاجهم الفني، مسرحاً ولحناً وفيلماً وأغنية. نتاج نهضوي أشعل مشاعر الإعتزاز بالهوية الوطنية اللبنانية.

في تلك الفترة، واجه لبنان تحديات كبيرة بفعل صراعات وإصطفافات إقليميّة (مرحلة ما بعد الإستقلال اللبناني، ولادة القضيّة الفلسطينيّة، العدوان الثلاثي، حلف بغداد، الوحدة بين مصر وسوريا، حرب الـ 1967، إلخ..). إنعكست هذه الصراعات على اللبنانيّين وعمّقت الخلافات بينهم. فكانت أحداث العام 1958، الإنقلاب الفاشل للحزب القومي في العام 1961 وإتفاق القاهرة 1969 وإشتباكات الجيش مع الفدائيين وغيرها من المقدمات التي أدّت إلى الحرب الأهلية في العام 1975.

يمكن القول إنّ الأخوين رحباني وفيروز ساعدوا في “التغطية” على هذه المشاكل عبر إلهاء اللبنانيّين عن خلافاتهم العميقة وجذبهم إلى لبنان ـ الأصح جبل لبنان ـ الأسطورة. هم أصروا على الزمن الجميل وتجاوز الإنقسامات الأهلية، ولا شك أنّ الممسكين بالنظام السياسي اللبناني (الطائفي حتى العظم)، ولا سيما أهل المارونيّة السياسيّة، نجحوا في إستخدام الإرث الرحباني ليس من أجل أن يكون لبنان وطناً لكلّ أبنائه، كما حلم الرحابنة، بل لجعله على صورتهم المشتهاة. النزعة اللبنانوية أو الجبل لبنانية عند الرحابنة لم تكن إنعزالية، بل لامست البعد العروبي، بما في ذلك قضيّة فلسطين. وهذا يدلّ على أنّ مفهوم الهويّة الوطنية كان جزءاً من هوية قومية أشمل.

لنأخذ مثلاً أغنية “ردّني إلى بلادي” (من تأليف سعيد عقل وتلحين الأخوين رحباني)، هل هناك من لبناني على وجه الأرض لم تدمع عيناه عندما يسمع صوت فيروز يصدح بكلماتها؟ ومع أنّها أغنيّة لبنانيّة بامتياز، أصبحت أيضاً أغنيةً عروبيّةً بامتياز إنتشرت في العالم العربي وزادت من شعبيّة الأغنية الرحبانية لأنّها خاطبت مشاعر الكثير من العرب. فأصبح المصري يسمعها “لتردّه” إلى مصر، والسوري إلى سوريا، والجزائري إلى الجزائر.

تُصوّر لنا هذه الأسطورة لبنان ملاذاً للمضطهدين ومنارةً للشرق، وكأنّ  القمع والجهل كانا مستشريين حوله، وهو أيضاً ما تختصره لنا عبارة “نيّال مين إلو مرقد عنزة بجبل لبنان”، وهي بجزء منها إعتراف بأنّ من إخترع هذا القول كان بارعاً في رعاية الماشية لا في تأسيس بلد

كل هويّة بحاجة إلى أسطورة. يمكن أن نزيد على ذلك ونقول إنّ الأسطورة في بعض الحالات هي كالصمغ الذي من دونه لا يمكن جمع مكوّنات البلد إلى بعضها البعض. لكن الأسطورة وحدها لا تنتج بلداً. هناك عوامل أخرى لا بد أن تتوفّر لكي تفعل الأسطورة فعلها وتنجح في جمع هويّات الناس المختلفة في هويّة مشتركة يتقبّلونها، أهمّها أنّه يجب أن يجدوا أنفسهم فيها. وهناك أيضاً ضرورة أن تتوفّر نافذة زمنيّة مؤاتيّة لكي تخلق استعداداً شعبيّاً لذلك.

مشكلة هويّات معظم بلدان العالم أنّها نتاج السيطرة الإستعماريّة الأوروبيّة وبالتالي عجزت عن أن تخاطب أحلام أهلها بعمق. مثلاً، الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق. كيانات لم يكن لها وجود كدول وهويّات سياسيّة قبل الحرب العالميّة الأولى. ظهرت نتيجة تقسيمات معاهدة سايكس-بيكو (مع بعض التعديلات الطفيفة). والأمر مشابه في معظم دول آسيا وأفريقيا، وهي دول وليدة السعي الأوروبي لإستعمار العالم ونهب ثرواته، وبقيت معظم هذه الدول على الحالة التي تركها فيها المستعمر. مثلاً، أندونيسيا لم تكن أبداً بلداً موحّداً. من قام “بتوحيدها” هم الهولنديّون في أوائل القرن العشرين. كذلك الأمر في الهند مع البريطانيّين. في غرب القارّة الأفريقيّة، قام الإستعمار الفرنسي والبريطاني والبرتغالي بتقسيم أراضيه إلى بلدان مختلفة، مثل السنغال وغامبيا وغينيا وغينيا بيساو التي فيها نفس الخليط العرقي: شعوب المندينكا، الولوف، الفولان، إلخ. إذاً، عندما وجد معظمّ سكّان العالم أنفسهم يعيشون في بلدان لم يخلقوها هم بل فرضها عليهم المستعمر، قبلوا بذلك لكن لم يعوا أهمّيّة الأسطورة الجيّدة التي يجب صياغتها لتشكل الأرضيّة التي يُستمدّ منها الإحساس بالوطنيّة والذي ينتج عنه تقبّل العيش مع الآخرين، التضحية من أجلهم، منحهم حقوقهم، إلخ.

في لبنان، عندما كانت هناك نافذة مؤاتيّة، لم نتمكن من إختيار الأسطورة المناسبة. الأسطورة التي فُرضت علينا عند إنشاء دولة لبنان الكبير في سنة 1920 كانت رديئة وفُصّلت على قياس المارونيّة السياسيّة تحديداً. بُنيت هذه الأسطورة عبر إسقاط تاريخ جبل لبنان على هذا الكيان الجديد وتأصيل جذوره في عالم غريب لا يعرفه اللبناني لا من قريب ولا من بعيد، أعني تحديداً هنا البعد الفينيقي للأسطورة اللبنانيّة. فكانت النتيجة تجاهل تاريخ وهويّة أكثر من نصف سكّان لبنان كونهم لم ينتموا سابقاً إلى جبل لبنان ببعده الماروني. إذاً، تمّ تجاهل وتهميش تاريخ وهويّة الأكثريّة العدديّة، وأصبح دخولهم في البلد الجديد متوقّفا على تقبّلهم أسطورة جبل لبنان والفينيقيّين كما أرادتها المارونيّة السياسيّة. (استطراداً، تُصوّر لنا هذه الأسطورة لبنان ملاذاً للمضطهدين ومنارةً للشرق، وكأنّ  القمع والجهل كانا مستشريين حوله، وهو أيضاً ما تختصره لنا عبارة “نيّال مين إلو مرقد عنزة بجبل لبنان”، وهي بجزء منها إعتراف بأنّ من إخترع هذا القول كان بارعاً في رعاية الماشية لا في تأسيس بلد).

فشلت الطبقة السياسيّة في تحويل لبنان من كشكول طائفي إلى وطن. نسيوا أنّه من دون الأسطورة لا تقوم الأوطان، وإذا قامت لا تستمرّ

عبقريّة الرحابنة أنّهم أدركوا ضرورة الأسطورة في تكوين الهوية، فحاولوا تعديل الأسطورة المارونيّة من أجل إدخال الآخرين فيها وإعطائها بعداً عربياً. إذاً، المشكلة (كما أخبرنا زياد الرحباني في مسرحيّاته) ليست بما أنتج الرحابنة بمساهمة رواد لبنانيين أمثال وديع الصافي، صباح، نصري شمس الدين، فيلمون وهبة وزكي ناصيف). المشكلة هي في الطبقة السياسيّة التي لم تتلقّف هكذا فرصة، وأبقت على الأسطورة المارونيّة. فبقي الشعور والإعتزاز بالهوية اللبنانيّة على سطحيّته وتمّ تهجينه طائفيّاً.

إقرأ على موقع 180  في أوكرانيا.. بداية الامبراطوريات أو نهايتها!

نعم، فشلت الطبقة السياسيّة في تحويل لبنان من كشكول طائفي إلى وطن. نسيوا أنّه من دون الأسطورة لا تقوم الأوطان، وإذا قامت لا تستمرّ. العجز عن إيجاد أسطورة جامعة دفع اللبنانيّين إلى أساطيرهم الطائفية. فقويت وتجذّرت الطائفيّة فيهم أكثر وأعمق من أي وقت مضى، وتقوقع معظم الناس داخل طوائفهم طمعاً ببعض المكتسبات، ولو كان ثمن ذلك تدميراً لوطنهم.

المشاكل التي يمرّ بها لبنان منذ تشرين الأوّل/أكتوبر 2019 يمكن ترقيعها مع بعض الإصلاحات الإقتصاديّة والسياسيّة. لكن من المستحيل حلّها من دون أسطورة وطنيّة جديدة جامعة. ومن المستحيل أن ننشدها من الطبقة السياسيّة الحاليّة. فلا يبقى لنا إلاّ أن نُردّد “وا عاصياه، وا منصوراه، وا فيروزاه”، لعلّهم يأتون لنجدتنا..

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  أصدقائي ضد تشاؤمي.. إقرأوا أنسي الحاج!