إنكفاء الحريري.. فرصة وانفتحت!

منذ أكثر من شهرين، "علّق" سعد الحريري عمله وعمل تيار المستقبل الحزبي الى وقت غير محدد. حتى الآن، لم نعرف الأسباب الحقيقية والعميقة التي أملت إتخاذ هذا القرار ولا نستطيع تحديد التداعيات التي ستترتب عليه، لكن حسابات الربح والخسارة من زاوية الوطن والمواطن، قد تكون مختلفة. لماذا؟

بغض النظر عن وجود عناصر خارجية وتحديداً خليجية جعلت سعد الحريري يتخذ قراره أو عوامل شخصية مثل وضعه المادي الصعب أو عوامل داخلية مثل خيبته من تحالفاته وحلفائه ومن خياراته السياسية الخاطئة في السنوات الاخيرة، فإن هذه كلها تخص سعد الحريري وحده.

أريد أن أقارب الأمر من زاوية علاقتنا بحقبة سعد الحريري بوصفه كان رئيساً للحكومة لثلاث مرات (2009 و2016 و2018) ونائباً عن بيروت (2005 ـ 2022)، اي في موقع المسؤولية في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهذا ينسحب على كل من شارك في الحكم منذ العام 1990 حتى يومنا هذا. هنا، الكل مسؤول ويجب ان يُحاسبوا، وحتماً كلهم سيُحاسبوا في يومٍ ما.

كان سعد الحريري طوال أقل من عقدين من الزمن جزءاً من منظومة طائفية زبائنية معقدة تختزل السياسة والاقتصاد والإدارة والأمن وحتى الثقافة والفن. طبقة حاكمة بقوة السلاح والمال والميليشيات و”الزعران” وقادرة على عزل أكثر من نصف اللبنانيين الرافضين بصمتٍ مخيف وثبات عميق جشع من هم في الحكم. هذا في الماضي وهذا ما يحصل في يومنا هذا.

رب قائل أن المسلمين السنة في لبنان خاسرون ومغبونون بإنكفاء الحريرية وإنعدام الدعم الخليجي وتحديدا السعودي، ولكنه مجرد ظرف مرحلي، وان تمت الاستفادة منه، ستضع هذه الوقائع المدماك الأساس للبنان الجديد، لبنان العصري والاهم اللاطائفي

بهذا المعنى، ربما يكون قرار سعد الحريري قد ترك أثراً عاطفياً عند تياره وجمهوره، وهذا أمر يصح على معظم الزعامات اللبنانية الطائفية، لكن لنأخذ البعد الإيجابي المتصل بفتح نوافذ التغيير الذي لا بد منه في الساحة السنية تحديداً والوطنية عامةً، بعد محاولة إختزالها بالحريرية منذ ثلاثة عقود. من هنا تتبدى أهمية المقاربة ليس بالعواطف أو التمسك بالماضي والذكريات وتأليه الزعيم، لأنها كلها اوهام لا أثر لها، بل الإحتكام إلى العقل والمستقبل. لبنان على ابواب مرحلة دولية وإقليمية جديدة. ولبنان أيضاً إذا أبرم إتفاقاً نهائياً مع صندوق النقد الدولي، فهذا فاتحة فرصة ذهبية لكسر كل منطق الزبائنية والنمطية والتوريث السياسي وصولاً إلى الذهاب نحو نمط جديد من العمل السياسي في لبنان.

رب قائل أن المسلمين السنة في لبنان خاسرون ومغبونون بإنكفاء الحريرية وإنعدام الدعم الخليجي وتحديدا السعودي، ولكنه مجرد ظرف مرحلي، وان تمت الاستفادة منه، ستضع هذه الوقائع المدماك الأساس للبنان الجديد، لبنان العصري والاهم اللاطائفي.

ولكن في خضم المعركة الكبرى هذه، معركة استعادة الوطن وبناء المؤسسات والحفاظ على الشرعية والدولة والنظام، وفي هذه اللحظة المصيرية الحاسمة الدقيقة، يجب التركيز على اعادة انتاج النُخب السياسية الوطنية لا الطائفية الجديدة من الطائفة السنية القادرة على ادارة المرحلة الانتقالية بعقلانية وواقعية واتزان بعيداً عن الطائفية والمذهبية والمناطقية وبنظرة تقدمية لهوية لبنان الجديد ودوره في المنطقة والعالم.

على النُخب الجديدة هذه مسؤولية العبور الآمن من الطائفية والمناطقية الى الوطنية وبناء الهوية اللبنانية. اما عكس ذلك، فتكون الطائفة السنية قد سقطت ومعها كل لبنان في أتون صراعات مناطقية ضيقة وتنعدم فرصة التغيير الحقيقي.

على النُخب الجديدة القادمة، وهذا مسار يفترض أن يُدشن في السادس عشر من أيار/مايو المقبل وحتى موعد الإنتخابات النيابية في العام 2026، ان ترتقي الى مستوى المسؤولية، اي مستوى رجالات الدولة الذين إندثروا منذ ان اصبحت السياسة حكراً على رجال المال والاعمال او وارثي الزعامات والمقاعد النيابية. فأبشع ما حصل للعمل السياسي في لبنان انه تحوّل عبر عقود من الزمن من عمل سياسي مؤسساتي تشريعي الى عمل تجاري وراثي، ما أفقد العمل السياسي في لبنان رونقه فكانت النتيجة أن المؤسسات كلها باتت تفتقد إلى رجالات الدولة. لقد أصبح العمل السياسي حكرا على القلة، واختفى معها المشرّع والمشروع واصحاب الفكر ورجالات الدولة، حتى اصبحت الدولة سوقاً للبيع والتجارة والصفقات وليس للتشريع والتطوير والتنمية.

هذه مرحلة انتقالية للطائفة السنية وجديدة على العمل السياسي في لبنان.

انها مرحلة لا تخص المسلمين السُنة وحدهم بل كل المكونات اللبنانية دون استثناء.

على الطبقة السياسية الحالية من دون إستثناء أن تحذو حذو سعد الحريري ان كانت جادة في انقاذ لبنان. لنتذكر جيداً، ان الطبقة السياسية هذه قد انهت العمل السياسي في لبنان وافرغت المؤسسات من الخبرات والكفاءات. وهي المسؤولة عن الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي، وعن مشكلة الكهرباء وغيرها من المشاكل التي لا تُعد ولا تُحصى. فلا نريد منهم في هذه المرحلة بالتحديد من اجل بناء لبنان الجديد سوى جرأة الرحيل.

من هنا، تتبدى أهمية مرحلة ما بعد سعد الحريري، لجهة فتح باب التعددية في البيئة السنية. إنها دعوة إلى تجديد الحياة السياسية في لبنان.. أما انعكاساتها المستقبلية على جميع المكونات الطائفية اللبنانية فهي حتمية وإيجابية.

إقرأ على موقع 180  كامالا هاريس.. الثالثة ثابتة!

لقد أن الأوان للبنان ان يتحرر وأن يكون دولة “طبيعية” كباقي دول العالم.

إفتحوا الأبواب للجيل الجديد – من غير الأبناء والاقارب – القادر على الحفاظ على ما تبقى من بلد من اجل بناء مستقبل أفضل لجميع اللبنانيين.

Print Friendly, PDF & Email
هاني عانوتي

باحث، أستاذ جامعي لبناني

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لبنان يغيب عن مؤتمر موسكو الأمني.. والأسباب مجهولة!