نحن مُستعبدون.. وأسرى لعبة التخادم المتبادل!

يقول وزير المال اللبناني الأسبق الياس سابا إنه في فترة الحرب الأهليّة، عندما فُقدت المواد الغذائيّة، واضطرّ النّاس إلى الاكتفاء بأكل كسرات الخبز، أبلغ زوجته بأنه توصّل حينها إلى خلاصةٍ واقعيّة مفادها أن لا حدّ لقدرة الإنسان على التّكيّف.

كان علينا ربّما، وتحديداً على جيلنا، أن نعيش كلّ هذه التّجارب في بلادنا، كما في بلدان الجوار، وأن نخضع لكل هذه الإختبارات السّياسية والاجتماعيّة والاقتصاديّة، الاستثنائيّة منها وغير الاستثنائيّة، ليبلور باضطرادٍ خلاصاتٍ واستنتاجاتٍ، وليراكم نضجاً سيظلّ في حالة السير نحوه لا الوصول إليه، إلى حدٍّ ما.

كما كان علينا أن نمرّ في كلّ ما مررنا به، لنتخلّص – نحن الّذين ندّعي أنّ أفكارنا تبدّلت وتغيّرت – ممّا تغلغل فينا من ترسّبات الثّقافة والبنى التقليديّة. وهذا ما سيصعب أن نكونه، من حيث صعوبة التّخلّص من هذه التّرسّبات في سلوكنا وأفعالنا وعلاقاتنا؛ فهي وإن خرجت من دائرتنا العقلية، غير أنّ ما تشرّبناه حتّى النّخاع سابقاً، وإن نقضناه لاحقاً، لن نستطيع الإفلات من سلطته. جلّ ما علينا الالتفات إليه هو عدم توريث ما أردنا التّخلّص منه.. إلى أولادنا.

تتغيّر أفكارنا إذاً، تتغيّر منظومة القيم نظريّاً ربّما، وتبقى “السلطة”، سلطة القديم، فاعلة، وحاضرة بقوّة، تدفعنا حيناً إلى جلد ذواتنا، وأحياناً إلى التّمرّد عليها، وبعضاً إلى الاستسلام لها.. وتلك معضلةٌ غاية في الصّعوبة، لكنّ إدراكها غاية في الأهميّة، لا سيّما حين يتمّ إسقاطها على المجال السّياسيّ على وجه الخصوص.

وفي السّياسة، يطول الحديث ويغور عمقاً. لكنّ الخلاصة التي يجب أن تظلّ حاضرةً في وعينا، هي أنّ السّلطة ليست عبارة عن دولة ونظام. هي بالإضافة إلى ذلك، عبارة عن مجتمع، بكلّ ما يخفيه ويظهره هذا المجتمع من قيمٍ وبنى ثقافيّة. وهذا ما نبّهت إليه فلسفة ميشال فوكو، بحيث لم تعد السّلطة بمفهومها مجرّد علاقة عاموديّة بين حاكم ومحكوم، بقدر ما هي علاقة أفقيّة كامنة في الظّاهر وفي الخفاء، تتحكّم في وجودنا من حيث أنّها شبكة مكتملة، لا تراتبية هرميّة وحسب.

بهذا المعنى، كل كلام عن دولة مدنيّة ودولة مواطنة في مجتمعٍ قبليّ وعشائري، قائم على منطق الرّاعي والرّعيّة، سيبقى كلاماً لا تتلقّفه إلا فئة محدودة من النّاس ممّن تشرّبوا الفكرة بعمقها وبوصفها نتاجاً لبنية معرفيّة مكتملة، لا بشكلها.

هل سيتغيّر واقع الانسداد على كلّ الأصعدة بعد الانتخابات، أم أنّه سيبقى على حاله ويسوء أكثر؟ هل سيخمد النقاش حول سلاح المقاومة عندما يؤتي هذا الخطاب أكله في الانتخابات أم أنّه سيبقى على حاله؟ هل ستبقى المعركة وجوديّة أم سيستفيق اللّبنانيون على أكبر ضربة كفٍّ آتية حتماً وعلى أسوأ أزمة معيشيّة مهدِّدة للأمن والسّلم الدّاخليّين؟

ثمّة شبكة تحكم بناء المجتمعات العربيّة، وتتمظهر في أدنى تفاصيل يوميّاتهم وعلاقاتهم الأسريّة والاجتماعيّة والتّربويّة إلخ.. وهذه الشّبكة الظّاهرة/الخفيّة هي بالتّحديد ما يسمّى بالسّلطة. والحديث هنا ليس عن كيف أُنتجت هذه الشّبكة حتّى باتت على ما هي عليه، وإن كان ما تعاقب من دكتاتوريات واستعمار أو ما تسرّب من ثقافات هو السّبب في ذلك أم لا، بل لا تعدو المسألة أن تكون توصيفاً للواقع، واقع السّلطة، حتّى يُبنى على الشّيء مقتضاه.

يصعب تغيير ما هو جليّ، فكيف بما هو خفيّ. إن أردت أن تُغيّر شكل السّلطة الظّاهر، فكيف ستُغيّر “الشبح” غير البائن، الذي سيلاحقك في كلّ تفصيل، وسيعيد إنتاج كلّ البنى القديمة بأشكال جديدة، ليس إلّا. فكيف إن كنت أنت، الذي تطرح نفسك كبديلٍ عن السلطة بوجهها الجليّ، لمّا تزل تختزن هذه البنى المهترئة نفسها؟ من يضمن أنّك ستكون أفضل ممّن سبقك أصلاً؟

ظنّ البعض، وأنا منهم، أنّ حراكي لبنان والعراق شكّلا منعطفاً مختلفاً بالمقارنة مع ما شهدته المنطقة منذ العام 2010، على اعتبار أنّ هذين الحراكين استبطنا بُعداً ثقافيّاً ما. وقد كانت مقالتي الأولى تعليقاً على هذين الحدثين بمثابة توضيح لهذه النّقطة بالذّات (راجع الحراك والسّوشيل ميديا.. وعي سياسي جديد). اليوم، وبعد أكثر من سنتين ونصف على تلك الأحداث، لن ألغي البعد الثّقافي بكلّيته، إنّما وجب إنصافاً أن أعطي لهذا البعد حجمه الطّبيعي، لا المأمول، كما كان التفكير وقتها.

نستطيع اليوم معاينة الأمور على أرض الواقع أكثر. لا بدّ قبل الدّخول إلى معطيات الواقع راهناً من التقاط الإيجابيّة التي تأتّت عن حراك تشرين، والمتعلّقة بمأسسة بعض الحركات التي استطاعت إلى حدٍّ بعيد أن تخلق نواة فضاء سياسي جديد، وفعل سياسي جديد، واستطاعت أن تجمع من تخلّوا عن البنى الثّقافيّة التّقليديّة، إن جاز التّعبير، نحو حداثة فكريّة في إطار سياسي منظّم، له ما له وعليه ما عليه طبعاً، لكنه في النّهاية نواة لما هو جديد وهام، وإن كان غير فاعلٍ كثيراً في الوقت الحاضر. غير أنّ تلك الإيجابيّة لا يجب أن تُعمينا عمّا هو عليه الحال في الواقع الذي يفرض نفسه عمليّاً، والذي ليس سوى فعل ترسيخٍ للقديم، وقد كان ذلك متوقّعاً في كلّ الأحوال.

غداً، ستجرى في لبنان الانتخابات النّيابيّة الأولى التي تعقب الحراك التّشريني، وما تمخّض عنه من مآلات ورؤى ووقائع. يخوض البعض هذه الانتخابات بنفسٍ جديدٍ، كما يقول أو كما يظنّ، والبعض الآخر يخوضها انطلاقاً من نفس الاعتبارات القديمة. وهنا، ثمّة أمور يجب التعليق عليها؛ إذ ليس ثمّة انتخابات في لبنان ولا بأي شكل من الأشكال، إنّما صخبٌ كبير تعيد فيه السّلطة إنتاج نفسها، بكل بناها ودعائمها. هو استفتاء ذو طابع “وجودي”، كما أرادوه. قد يكون ثمّة جديد مختلف في هذه الانتخابات عند من يخوضونها – عن جد لا عن دهاء كمن يلتمس مسميّات جديدة فيما هو الوجه الآخر للسّلطة – من خارج هذه الزّاوية، وهو جديدٌ بالإمكان الانطلاق منه لو أراد واحدنا التقاط فسحة أمل بعيدة المنال، لكنّه بحكم الواقع الموضوعي ولأسباب عديدة ضعيف، ولا يستقطب شريحةً واسعةً، ولا يشكّل ورقة ضغطٍ قويّة، بل قد ينجح في أن يؤسس ليس إلاّ.

إقرأ على موقع 180  للفقير أن يختار.. الموت من البطالة أو من الوباء!

من جهةٍ أخرى، يغيب الاعتبار المعيشيّ عند الكثير من النّاخبين اللّبنانيّين لصالح إعطاء الاعتبار للاصطفافات التّقليديّة، وهذا نتاج الإحساس العميق بأنّ الأزمة تفوق أزمة المعيشة وتتعدّاها لتصبح مسألة وجود. كلّ الزّعامات السّياسيّة بدون استثناء استفادت من الصّراع القائم، لا سيّما في ما يخصّ سلاح حزب الله، لتصبح هذه هي قاعدة الإستقطاب الانتخابي، ولتغيّب معها كلّ الاعتبارات الدّاخلية الأخرى التي يستحقّون أن يحاسبوا عليها، والتي بسببها تمّ إفقار الشّعب وسرقة ودائعه ومدخراته!

نجح خصوم حزب الله الذين لجأوا إلى الدعاية الانتخابية المتمثلة بنزع سلاحه والتركيز على “الاحتلال الإيراني” في تقديم أوراق اعتمادهم عند المال الخليجي من جهة، وفي منح بيئة الحزب، كما بيئة حلفائه، مزيداً من التّماسك والالتفاف حول القيادات. هي لعبة تخادم متبادلة. يقول البعض من المعترضين على سياسات “الثنائي” في الداخل إنّ الخصوم لم يتركوا لهم خياراً، برغم أنّهم يتجرّعون السّمّ وهم يصوّتون لنوّاب أو لوائح فيها من ساهم في إفقارهم وانهيار بلدهم، فالمعركة هي معركة أن أكون أو لا أكون. هكذا قُزِّم/ضُخّمَ المشهد بالنسبة إلى هؤلاء.

الأمر نفسه يسري على خصوم حزب الله الذين نجحوا في ضبط إيقاع ناخبيهم وفقاً لمنطق الصّراع على الهويّة والتخويف من الهيمنة الثقافيّة وغير الثقافيّة للآخر. قاموا بربط كلّ مفاعيل الانهيار بمسألة السلاح، ليصبح الناخب منساقاً تحت عنوان أن لا خروج من الأزمة الاقتصادية بلا حل لمسألة السّلاح، ولتكون هذه هي البداية والنهاية في آن معاً.

ولأننا، وعطفاً على بدء، لا زلنا جماعات تعيش على اعتقاد أنه لن يحميها إلا زعيمها، بل أنها باتت اليوم وحتى الآن أكثر تمسكاً به، إذ كان الزّعماء يمسكون الناس من وظائفهم وسبل عيشهم، باتوا اليوم يمسكونهم من صندوق الإعاشة، من لقمة عيشهم، من خوانيقهم، وبدونهم لا أكل أصلاً، فكيف والأمر يضاف إليه مسألة الوجود والحماية من الخطر المقابل، أي الآخر.

نجح خصوم حزب الله الذين لجأوا إلى الدعاية الانتخابية المتمثلة بنزع سلاحه والتركيز على “الاحتلال الإيراني” في تقديم أوراق اعتمادهم عند المال الخليجي من جهة، وفي منح بيئة الحزب، كما بيئة حلفائه، مزيداً من التّماسك والالتفاف حول القيادات. هي لعبة تخادم متبادلة

نحن إذاً أمام انعدام كلي لكل منطق المحاسبة وفكرة المحاسبة في الأساس (اللهم ما عدا فئة قليلة)، أو أننا أمام مناخ محاسبة منطلق من مقدّمات داخلة في إطار الصراع التقليدي وتحميل المسؤوليات للجهة المقابلة ليس إلا.. في المحصّلة ليش ثمّة من يريد محاسبة زعيمه برغم بعض السّخط والغضب الذي قد يختزنه بعض النّاخبين ممّن لا يختلقون المبرّرات المنطقيّة لزعمائهم.

مسألة أخرى من المسائل العديدة التي يمكن التعليق عليها ولا يتّسع المقال لها كاملةً، هي أنّ أحزاب السّلطة التي ستستطيع في خضم أصعب أزمة يعيشها لبنان أن تنجح في استقطاب ناخبيها مجدداً، ستعود بجرأة أكبر لإستكمال ما قامت بها من خطوات وسياسات طوال الفترة الممتدة من 17 تشرين إلى يومنا هذا، والتي أفضت إلى تحميل الخسائر للناس وحدهم. جرأتهم على الفعل ستكون أقوى، وأصرح، وأشدّ إيلاماً. ولن ينفع حينذاك حتى مجرد رفع الصوت بوجههم!

والسّؤال الذي يطرح نفسه، هل سيتغيّر واقع الانسداد على كلّ الأصعدة بعد الانتخابات، أم أنّه سيبقى على حاله ويسوء أكثر؟ هل سيخمد النقاش حول سلاح المقاومة عندما يؤتي هذا الخطاب أكله في الانتخابات أم أنّه سيبقى على حاله؟ هل ستبقى المعركة وجوديّة أم سيستفيق اللّبنانيون على أكبر ضربة كفٍّ آتية حتماً وعلى أسوأ أزمة معيشيّة مهدِّدة للأمن والسّلم الدّاخليّين؟

قد يمنحنا فهم الواقع وبناه التّقليدية والثّقافيّة شيئاً من التّقبّل ونوعاً من التّسامح يجعلنا نتعاطى بواقعية مع النّاخبين، ونتفهّمهم من حيث فهمنا لبناهم ومنطلقاتهم، لكنّ هذا الواقع سيجعلنا يوماً بعد يوم أكثر غضباً وألماً، وسيورّثنا مزيداً من اللّعنات التي تؤكّد لنا أن لا خروج من النّفق المظلم الذي نعيش فيه، وأنه إن كان ثمّة بابٌ للخروج منه، فلن يُفتح بغير تغيّر في بنى الوعي، و تبدّل في البنى الثقافية والقيميّة، من شأنه أن يخلّصنا من عبوديتنا، كما من الأخطار الخارجيّة. نحن مستعبدون حتّى النّخاع. مصطلح الحرّيّة في الأساس هو مصطلح سياسي. لا حرّية خارج إطار الدّولة. وما دمنا غير قادرين على إنتاج دولة، بالمعنى الحديث للكلمة، وبما تعنيه من هوية جامعة لا مجرد ائتلاف جماعات، فعلينا أن ندرك أننا وإن تغنّينا بأنّنا أحرار لا نقبل الذّل والمهانة والاستعباد، فنحن مستعبدون، بكلّ ما تعنيه كلمة الاستعباد من معنى!

Print Friendly, PDF & Email
ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  أزمة أوكرانيا.. «بروفة أخيرة» لحقائق عالمية جديدة