عالم العقل الذي لا عقل له

جميل هو عالم العقل الذي نعتقد في كثير من الأوقات أنّنا نتحكّم به، لكن من يتحكّم بمن في الحقيقة؟

عالم العقل لا يحدّه شيء، بعكس كثير من أعضاء جسدنا. الأروع من كلّ ذلك أنّ العقل هو العضو الوحيد في جسد الإنسان الذي يحيا مأسوراً داخل جمجمتنا الصلبة. لكنّه أيضاً العضو الوحيد القادر على إختراق سجنه واستعباد كامل الأعضاء، لا بل استغلال الناس أيضاً، وبذلك، يكون قادراً على التحرر من أسره والتحكم بالأمور من دون أن يغادر زنزانته أو شرنقته الصلبة. يمكنه أن ينشلنا من الكآبة أو أن يضعنا فيها. باستطاعته أن يحيك المؤامرات ويقنع النفس والآخرين بها. بإمكانه أن يخترع ويبدع، ويفتح لنا بذلك عالماً واسعاً من الخيال والجمال والإبداع نهرب إليه عندما لا نجده في واقعنا. بإمكانه أن يُعطلنا ويأسرنا ويضعنا في قلب دوامة لا تنتهي.

يقول الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو (Italo Calvino، ت. 1985) في كتابه “المدن الخفيّة” (Le città invisibili): “الرغبات هي مسبقاً ذكريات” (I desideri sono già ricordi). عبارة رائعة بعمقها وسعة أفقها، ودلالاتها عن عالم العقل.

عندما نرغب بشيء، نبدأ بالتصرّف وكأنّه حقيقة. وفي أحيان كثيرة، تمحو الرغبة الحقيقة وتأخذ مكانها. يحدث كلّ ذلك في عالم العقل. إنّه عالم لا حدود له. يأخذ من الواقع ويخترع ويمزج الأمور بعضها بالبعض الآخر وينتج ذكريات وسيناريوات بعضها حقيقة وبعضها خيال. كمّ من مرّة أردنا قول أشياء لكن عجزنا عن ذلك لخوف أو حياء أو مصلحة؟ كم من مرّة أقنعتنا عقولنا أنّنا على صواب وأنّ الآخرين على خطأ مبين؟ كم من مرّة نرى الأشياء ولا نصدّقها، أو نصدّق ما لا نراه؟ كم من مرّة يقودنا العقل إلى حتفنا ونحن مبتسمين؟

نستهلك أحلام وأمنيات عالم العقل كما نستهلك الطعام والشراب. نحن بحاجة إليه يوميّاً، حتى نتحمّس وننشط ونناضل، لكن ننسى أنّها أحلام وتمنّيات. كم من مرّة جرّبنا المجرّب وخاب أملنا؟ وكم من مرّة رفضناه واخترنا الجديد لعلّه يكون أفضل منه، فكان ألعن وأخبث مما ننتظر؟ نشتم من يؤذينا ويستغلّنا، أوليس عالم عقلنا هو السبب وهو المخرّب؟

روعة عالم العقل أنّه ليس بحاجة لنا لأن نكون صاحين لكي يعمل. حتّى عندما ننام، يدبّ فيه النشاط ويفلت من قيودنا، فينتج أحلاماً، وعند بعض الناس أفعالاً أيضاً (كالمشي أثناء النوم). هذه الميزة لا يمكن للذكاء الإصطناعي (artificial intelligence) أن يعادلها، لأنّ العقل البشري ليس له زرّ نكبسه فيفكّر أو يتوقّف عن التفكير. لا يوقفه عن التفكير إلّا الموت؛ هذا ما يعتقده عقل البعض على الأقل، وأعني غير المتديّنين إجمالاً، بينما يعتقد المتديّنون أنّ العقل البشري يبقى بعد الموت ويقودنا في عالم اللاهوت!

نستهلك أحلام وأمنيات عالم العقل كما نستهلك الطعام والشراب. نحن بحاجة إليه يوميّاً، حتى نتحمّس وننشط ونناضل، لكن ننسى أنّها أحلام وتمنّيات. كم من مرّة جرّبنا المجرّب وخاب أملنا؟ وكم من مرّة رفضناه واخترنا الجديد لعلّه يكون أفضل منه، فكان ألعن وأخبث مما ننتظر؟

أبلغ كلام قيل في عالم العقل هو للشاعر الفرنسي جاك بريفير (Jacques Prévert، ت. 1977) في قصيدة بعنوان “كلمات” (Paroles). يقول بريفير: “العالم العقلي، إذا ما تركناه على سجيّته، يلفّق الكذب تلفيقا“.

Quand on le laisse seul
le monde mental
ment
monumentalement

صحيح أنّه يمكننا ضبط عمل العقل وإيقاعه، عبر قناعات نتبنّاها، أو ضوابط أخلاقيّة ودينيّة نختارها، أو من خلال علمٍ نتعلّمه فيعطينا قدرة على التحليل والمنطق إلخ.. لكن الكثير من هذه الضوابط هي نتاج عالم العقل نفسه وتحت سيطرته. فالأخلاق والعقائد والمبادىء ليست دائماً مرآة للواقع الذي نعيشه بقدر ما هي مرآة لعالم نتخيّله وننشده. الله وما يريده من البشر، عادة تأليه البشر أو تنزيههم، كثير من قيم الحداثة الغربيّة، إلخ.. كلّها أمنيات.

إذاً، ضوابط عالم العقل هي من نتاج عالم العقل. حتّى من يبطش ويظلم ويعتدي، فهو إجمالاً يقوم  بذلك تحت تأثير تخيّلات ونزوات ومبادىء وعقائد وعلم أخلاق.

أختم هذا المقال بعبارة أخرى بليغة لإيتالو كالفينو: “ليس الصوت من يتحكّم بالرواية، بل الأذن” (Chi comanda al racconto non è la voce:è l’orecchio). هناك أشخاص يمتلك عقلهم قدرة تدبيج الكلام بأجمل صوره ومفرداته صياغتها في قوالب تجمع بين الروعة الأدبيّة والحكمة الفلسفيّة. أظنّ أن كالفينو كان من بين هؤلاء. ليس دائماً من يروي الخبر هو من يتحكّم بالرواية. ننسى أحياناً أو نتناسى أنّ المستمع أيضاً له قدرة أكبر على التحكّم بالرواية. لست هنا بصدد نقض كالفينو، بل تأويل كلامه (كما نؤّول الأحلام). بتحكّمه بالأذن (عضو وظيفته نقل الصوت إلى الدماغ)، يسمع العقل ما يريد سماعه ويبني على ذلك ما يشاء. إنّه عالم العقل الذي لا عقل له.

إقرأ على موقع 180  لبنان: "الإتصالات" والقضاء.. والإرضاء بالتراضي و"الشراء"!

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  لنُفكّر بالبديل بدل الإستسلام للجهل والعصبيات!