في محاسن السبّ ومهالك الحكمة.. أحياناً!

فضائل السبّ كثيرة في عالم ينهشه وحوش المال والسياسة. صحيح أنّ اللياقة أو اللباقة، عفويّة كانت أم مصطنعة، تتطلّب أن نستخدم كلاماً موزوناً في نقدنا لمن يسيء إلينا ويؤذينا، وأن نتجنّب السُباب والشتائم، لكنّ بعض السبّ يروي قلب الإنسان عندما تعجز الحكمة عن التأثير.

يقول المثل الشعبي الشهير: “خير الكلام ما قلّ ودلّ”. هناك كثير من الحكمة في التعبير المقتضب والحادّ، لكن البلاغة ليست دائماً في قليل الكلام ووجيزه. في بعض الحالات، تتطلّب الحكمة والبلاغة أن نطيل الكلام، لذلك نقول “الشيطان في التفاصيل” خصوصاً إذا كان الخطاب ضبابيّاً وحمّال أوجه وبحاجة إلى التوضيح أكثر.

لكن هناك نوع من الكلام الذي لا تعلو عليه بلاغة أخرى. نستخدمه بكثرة ونتجنّب الخوض في حكمته لياقةً وصوناً للأعراف والآداب. إنّه السبّ. أعلى درجات البلاغة. بل يمكن القول إنّنا عندما نسبُّ أحداً، نكون فعليّاً عاجزين عن إيجاد ما يُعبّر عما يعتمل في رأسنا أو صدورنا. وللتذكير، فإن الخطاب هدفه التعبير عما يجول في رأس الشخص وإيصاله إلى الآخرين، ويتضمّن أو يتطلّب نغمات ودرجات صوتيّة معيّنة، واستخدام تعابير الوجه، والتمثيل باليدين أحياناً، لكي يأخذ معنى واضحاً ويؤثّر في الآخرين.

السبّ هو نتاج غضب يتملّكنا حيال أمر ما، نصبح معه عاجزين عن استخدام المخزون الكلامي الذي لدينا، لذلك تصبح الشتيمة هي الوسيلة الفضلى للتعبير لأنّها بمتناول اللسان. بمعنى آخر، عندما نشتم شخصاً أو واقعاً معيّناً، لا نجد في تلك اللحظة كلاماً وجيزاً يعبّر عن مشاعرنا وأحاسيسنا تجاه ذلك الشخص أو الواقع إلاّ السب. ويمكن القول أيضاً أنّ فضل السبّ على الكلام الهادئ هو أنّ الأخير لا يحلّ بالضرورة المشكلة التي نواجهها بل يبقينا في حالة من التردد والإنتظار، بينما ينهي السبّ هذه الحالة لأنّ من خلاله نُقرُّ بفشلنا في تغيير الواقع وإجبار الآخرين على تصحيح خطأهم تجاهنا.

من جهة أخرى، السبّ هو استراتيجيّة لجرح الآخرين من دون استخدام السلاح. هو سلاح أبيض بامتياز، وصديق للبيئة أيضاً (كم سيكون العالم أفضل لو استخدمت البشرية الشتائم بدل الأسلحة لحلّ النزاعات حول العالم). وعندما يكون هدفه جرح “الخصم” من دون إراقة دماء، يكون هو أيضاً بمثابة تعبير عن رفضنا للهزيمة من منطق أنّ آخر كلمة (مسبّة) كانت لنا، وهذا يمكن أن يكون نوعاً من أنواع العلاج النفسي!

لنأخذ مثلاً الأزمة الإقتصاديّة في لبنان، هل بقي أمام اللّبنانيّين إلاّ السب؟ المتفائل يمكنه أن يقول إنّ الشعب قادر على التغيير وعليه أن ينتفض ضد النظام السياسي ـ الإقتصادي الذي يستغلّه. هذا صحيح إذا كان التغيير سريعاً ولا يتطلّب موارد وتضحيات كبيرة. أمّا إذا كان التغيير طويلاً ويتطلّب موارد ليست متوفّرة عند معظم الناس أو أن الحصول عليها يسبب فساداً أسوأ من الذي نشتكي منه، فمن المعيب أن نسأل بسطاء الناس أن يثوروا ونشتمهم ونحتقرهم إذا عجزوا عن الثورة وتسلّحوا بالسبّ في مواجهة الأمر الواقع المفروض عليهم.

“كلن يعني كلن” عبارة من ثلاث كلمات بالعامية إختصرت المشهد اللبناني وجعلت أهل السياسة مربكين هائمين على وجوههم.. كل واحد منهم يريد من الشارع أن يستثنيه من “كلن يعني كلن”، ولعلها العبارة الأجمل التي تفوه بها شارع الإنتفاضات العربية منذ العام 2010 حتى يومنا هذا

أمّا المتشائم، فقد أقرّ أساساً بأنّ التغيير بات مستحيلاً، وأنّ السبّ في الشارع أو المنزل أو مكان العمل هو الدواء الوحيد المتوفّر له في مواجهة أهل النظام؛ ولا مانع لو إستطاع أن يوفر فيزا وفرصة هجرة.. لأجل السبّ من بعيد!

ويبقى المتشائل ضائعاً بين هبة كلام موزون أو متفائل من هنا، وهبّة تشاؤم وشتائم من هناك.

ولنأخذ أيضاً هيمنة أمريكا على العالم وتسبّب سياساتها بدمار وتشريد وقتل كثير من الناس بطرق مباشرة أو غير مباشرة. سبّ أمريكا أصبح الآن الشيء الوحيد المتوفّر للكثيرين من أجل القول، بأقلّ الكلام وأدلّه، أنّنا لن نرضخ لها برغم قبولنا بالكثير من إملاءات “الشيطان الأكبر”!

وما قاله كثيرون في أمريكا قاله الفنان الراحل شعبان عبد الرحيم في إسرائيل وهو الذي شهرته أغنيات عديدة بينها “أنا بكره إسرائيل“.

في قاموس السبّ، هناك تعبيرات كثيرة لها بلاغة عظيمة. مثلاً، عندما تستخدم عبارة “خنزير” لشتم شخص ما، تحمل هذه العبارة أبعاداً طبيعيّةً (أي شكل وعادات وتصرّفات الحيوان الذي نسمّيه بالخنزير)، وتحمل أيضاً مفاهيم ليس لها علاقة بهذا الحيوان إطلاقاً، بل بما كوّناه من آراء عن الإنسان الذي نشتمه كخنزير، مثل دناءة النفس والحقارة ووساخة الروح إلخ..

ويتخذ السب “الصامت” أشكالاً عديدةً، أهمّها استخدام إشارات يدويّة أو رسومات (كاريكاتوريّة أو غرافيتيّة) لأعضاء جسديّة معيّنة (غالباَ باليدين أو بالرأس) ترمز إلى إهانات محدّدة هدفها التعبير عن غضبنا العارم.

حتّى أهل الثورة يستخدمون السبّ من دون السبّ. لنأخذ مثلاً عبارة “كلن يعني كلن” التي رفعتها الإنتفاضة اللبنانية في خريف 2019 بوجه فساد الطبقة السياسية في لبنان. عبارة من ثلاث كلمات بالعامية إختصرت المشهد اللبناني وجعلت أهل السياسة مربكين هائمين على وجوههم.. كل واحد منهم يريد من الشارع أن يستثنيه من “كلن يعني كلن”، ولعلها العبارة الأجمل التي تفوه بها شارع الإنتفاضات العربية منذ العام 2010 حتى يومنا هذا.

إقرأ على موقع 180  تل أبيب وهاجس "الصواريخ الدقيقة": تلويح بضربة إستباقية!

وحتّى لا يلام كثير من اللبنانيّين الذين يستخدمون السب للتعبير عن غضبهم على أوضاع بلدهم وحالة الإنكار التي تُميز سلوك طبقتهم السياسية والمالية منذ سنتين ونيف تقريباً، علينا أن نسأل هل بقي لهؤلاء أي وسيلة أخرى غير الشتم لإسترداد أموالهم التي سلبتها المصارف؟ هل بقي لهم غير السب أمام مشاكل الحر والبرد والجوع والعلاج والدواء والنقليات. مشاكل الكهرباء، الماء، الإتصالات، الفساد، والتلوّث، وو..؟

لا يمكن أن نلوم من يسب لأنّ السب أصبح علاجه الوحيد، بل اللوم على من جعله علاجاً وحيداً بدل الإنكار المتمادي. الشتم هو شهادة بالمشتوم، لأنّ ظلمه لا حدود أو رادع له، ولا ينفع معه أي علاج بـ”الوسائل التقليدية”.

ولا يقتصر الأمر على الناس البسطاء، فلو عدنا إلى أساطين الشعر، قديماً أو حديثاً، لوجدنا آلاف القصائد التي تنتقد الواقع وأحياناً بأقذع العبارات.. ولنا في الفرزدق والمتنبي وغيرهم الكثير الكثير من الأمثلة.. وهذا الأمر يحتاج إلى مقاربة مستقلة.

ألف لعنة على زمن أصبحت فيه المسبّة خير حكمة..

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إيران تخرج من سوريا.. لكنها باقية إستراتيجياً