تحديات أوروبا الخارجية.. إخفاقات بالجملة (1)

مع انطلاق الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة، دخل العالم مرحلة جديدة من الفوضى والّلاإستقرار، وباتت القوى الكبرى "تتخاطب" بلغة العقوبات الإقتصاديّة، التهديد بالتدخّل العسكري، استخدام السلاح النووي، وتوظيف أي وسيلة من وسائل الحصار الغذائي أو الطاقوي، بغية فرض شروطها.

ثمة إعتقاد أنّ هذه المرحلة الدولية الجديدة قد تطول، فروسيا لن توقف العمليّة العسكريّة في أوكرانيا قبل تحقيق أقلّه أهدافها المُعلَنَة وأهمّها الإعتراف بشبه جزيرة القرم كجزء من الأراضي الروسيّة، وضمان حياد أوكرانيا.

في ظلّ هذا المناخ الذي جعل النار تستعر في قلب أوروبا، ومع إحتدام التنافس الأميركي الصيني في بحر الصين الجنوبي (تايوان نموذجاً)، يمكن رصد بعض التداعيات المباشرة وغير المباشرة على الإتّحاد الأوروبي، على المستويات السياسيّة والإقتصاديّة والنقديّة.

على المستوى السياسي، بدأ الإتّحاد يعاني من تضعضع سياسي كبيرٍ، فتساقطت حكومات، وتكاد تسقط أخرى.

ففي بلغاريا، حُجبت الثقة عن الحكومة برئاسة كيريل بيتكوف بعدما رفضت دفع ثمن الغاز بالروبل الروسي.

وفي إيطاليا، إستقال ماريو دراغي، الرئيس الأسبق للبنك المركزي الأوروبي، والذي أتى به الطليان رئيساً للحكومة بسبب خبرته الطويلة في مجالي المال والنقد بغية إخراج البلاد من التباطؤ في النمو الإقتصادي جرّاء جائحة كورونا. هذه الإستقالة من شأنها أن تؤثّر سلباً على الإتّحاد لما لدراغي من هالة واحترام نتيجة الدور الذي لعبه في عمليّة “إنقاذ اليورو” من أزمة الديون الأوروبّيّة. في هذا الإطار، اعتبر الوزير الفرنسي للشؤون الأوروبّيّة لورانس بون أنّ هذه الإستقالة هي خسارة لـ”أحد أعمدة أوروبا”.

وها هي جروح يوغوسلافيا السابقة تنزف مُجدداً، عبر إشعال توتر حدودي مفتعل على جبهة صربيا ـ كوسوفو مؤخرا، في تطور لم يكن بعيداً عن تداعيات الحرب الروسية ـ الأوكرانية.

بالتوازي، خسر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأكثريّة في البرلمان، وأصبح مضطراً لصياغة تحالفات، قد تَفرض عليه إجراء تعديلات في سياسته الخارجيّة، برغم طغيان الأسباب الداخلية على التراجع الماكروني.

أمّا في ألمانيا، فقد بدأ الإستياء الشعبي من المستشار أولاف شولتس يتزايد، وأصبحت الإئتلافيّة تعاني من نفور وتوتّر بين بعض الوزراء، ما يهدّد بانهيارها.

نجحت الولايات المتّحدة في “شيطنة” روسيا والصين في نظر الأوروبيّين، تحت عناوين مختلفة مثل الصراع بين الحرية والإستبداد أو بين الدول الديمقراطيّة والديكتاتوريّة إلخ.. فكانت النتيجة أنّ السياسة الخارجيّة الأوروبيّة أصبحت إلى حدٍّ كبير مجرد واجهة للسياسة الخارجيّة الأميركيّة

على المستوى الإقتصادي: تخطّى التضخّم في القارّة الأوروبّيّة حاجز الـ8% (أكثر من 10% في فرنسا وإسبانيا)، وارتفعت البطالة لتلامس نسبة الـ 8%، وهذان مؤشّران خطيران قد يؤدّيا، بحسب البنك الدولي، إلى “ركود تضخمي”، إن حصل، سيصعب الخروج منه في وقت قريب، ناهيك عن الخسائر الكبيرة التي ستترتّب على المجتمع بأسره. كما انخفض سعر صرف العملة الأوروبّيّة ليلامس، وللمرّة الأولى منذ أكثر من 20 سنة، سعر الدولار الأميركي، في مؤشّر عن انخفاض الثقة بالعملة الأوروبية، وتقلّص الطلب عليها.

علامات الضعف هذه، ما هي إلّا رأس جبل الجليد الذي ساهمت الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة في إظهاره. فما خَفي أعمق وأخطر وقد يصل إلى حدّ طرح علامات استفهام حول دور الإتّحاد الأوروبي ونفوذه، وصولاً إلى حدّ التشكيك بإمكانيّة استمراره.

هل ثمة تسرع في طرح الإستنتاج السالف الذكر؟ يقتضي الجواب التطرق إلى تحدّيات داخليّة وخارجيّة يواجهها الإتّحاد الأوروبي حالياً والتي لا بدّ من أن ترسم مستقبل منطقة اليورو.

1 – مشاكل أوروبا الخارجيّة:

أ – علاقات متوتّرة، وتبعيّة طاقويّة لروسيا:

إذا نظرنا إلى الخارطة الجغرافيّة، نرى أنّ روسيا هي الامتداد الطبيعي لأوروبا. هذه الأخيرة لعبت دوراً مهمّاً في احتواء الأولى، لتندمج السياسة الخارجيّة الأوروبّيّة بالسياسة الخارجيّة الأميركيّة، في ما خصّ النظرة حيال روسيا.

على صعيدٍ آخر، تستورد أوروبا أكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز من روسيا، ويضاف إلى ذلك، فشل معظم دول شرق أوروبا في الإستقلال عن روسيا في مجالي الطاقة (النفط والغاز) والبناء (الحديد والصلب)، فضلاً عن ازدياد حاجتها للإستثمارات والسلع الروسيّة الرخيصة نسبةً للسلع الأوروبّيّة.

بالإضافة إلى ذلك، لم تنجح سياسة الإتّحاد الأوروبي بالإنفتاح على دول آسيا الوسطى بغية تنويع مصادر الطاقة، حيث نجحت روسيا في إيصال وتثبيت قيادات قريبة منها في السلطة في هذه الدول، مقابل إغراءات ومساعدات سخيّة، على سبيل المثال إختيار طاجيكستان وتركمانستان كأول محطتين في أول جولة خارجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد غزو أوكرانيا؛ شطب 98% من ديون منغوليا مقابل إرساء نفوذ سياسي-اقتصادي-طاقوي-أمني؛ تثبيت سلطة قاسم جومارت توكاييف، خصوصاً بعد المظاهرات التي حصلت في كانون الثاني/يناير الماضي.

بالمقابل، وجرّاء الحرب السوريّة وأزمة النازحين، ازداد التباعد الأوروبي-التركي. هذه الأخيرة، والتي تملك نفوذاً وعلاقات صداقة مع كلّ من أذربيجان وتركمانستان، صعّبت على أوروبا مَهمَّة الوصول إلى ثروات دول آسيا الوسطى عبر أنابيب كان مخطّطاً لها أن تمرّ في الأراضي التركيّة.

إقرأ على موقع 180  الشيعية السياسية بعيون مسيحية: أسئلة الإختلاف.. واليد الممدودة

أمّا الذي قضى على طموح الإتّحاد الأوروبي لتحصين أمنه الطاقوي من خلال تنويع مصادر الطاقة، فهو عدم قدرة الطاقة المتجدّدة، حتّى اليوم، على سدّ الفجوة بين العرض والطلب، إذا ما تمّ الإستغناء عن الغاز الروسي من جهة، وعدم قدرة دول الخليج على سدها من جهة أخرى.

ب – أفريقيا، القارّة المنسيّة:

باستثاء فرنسا، لم تقم الدول الأوروبّيّة “بالإهتمام” بالقارّة الأفريقيّة بالقدر الكافي، فلم يعد ممكناً أن يتحقّق النفوذ من خلال الوجود العسكري (القواعد العسكرية)، والمساعدات الغذائيّة، وبعض الإستثمارات المحدودة، والنظر إليها كسوق استهلاكي فقط، بل أصبح السوق الأفريقي متعطّشاً أكثر للإستثمارات الضخمة بغية تأمين فرص عمل ومشاريع للبنية التحتيّة.. إنّ هذا بالضبط ما فعلته وتفعله الصين حالياً في القارة السوداء.

في المقابل، نجحت روسيا في أن تكون المصدر الرئيسي لشراء الأسلحة، مع تأمين قرابة نصف حاجتها من المعدّات العسكريّة.

بالتوازي، وفي خضمّ السباق على حجز موقع متقدّم من حيث النفوذ في القارّة الأفريقيّة، تقدّمت الإستثمارات الروسيّة والصينيّة، على الدول الأخرى، خصوصاً الأوروبّيّة، في الأراضي التي تحوي موادّاً أوّليّة نادرة وثمينة، والتي تُستخدم في الصناعة والتكنولوجيا المتطوّرة، كالبلاتينيوم، الذهب، الماس، والستانليس ستيل، وقد تركّزت هذه الإستثمارات في الكونغو الديموقراطيّة، نيجيريا، راوندا، وأفريقيا الجنوبيّة.

الذي قضى على طموح الإتّحاد الأوروبي لتحصين أمنه الطاقوي من خلال تنويع مصادر الطاقة، فهو عدم قدرة الطاقة المتجدّدة، حتّى اليوم، على سدّ الفجوة بين العرض والطلب، إذا ما تمّ الإستغناء عن الغاز الروسي من جهة، وعدم قدرة دول الخليج على سدها من جهة أخرى

ج – حضور ضعيف في القطب الشمالي:

تتجاور الدول الكبرى في القطب الشمالي، فنلاحظ وجوداً متعاظماً لروسيا والصين والولايات المتّحدة التي وظّفت استثمارات ضخمة في قطاعات الغاز والنفط والموارد المعدنيّة، إلى جانب وجود محدود وقديم لكلّ من المملكة المتّحدة وكندا والدنمارك والنروج.

لكن، ومع عسكرة القطب الشمالي من جهة، والتسارع في ذوبان الثلوج، والتي سمحت بفتح ممرّات مائيّة من شأنها تقصير وقت وكلفة الشحن بين اليابان وكوريا الجنوبيّة وأوروبا من جهةٍ أخرى، نرى عدم اهتمام أوروبي كبير، عسكريّاً وإستثمارياً، برغم إمكانيّة الإستفادة من الموقع الجغرافي الإستراتيجي للدانمارك، الدولة الوحيدة من دول الإتّحاد التي لها وجود داخل الدائرة القطبيّة، من خلال جزيرة غرينلاند.

يضاف إلى هذا الوجود الخجول، الخلاف القديم-الجديد مع روسيا والتي تمرّ على ضفاف شواطئها الشماليّة سلاسل الإمداد، بفعل عوامل ذوبان الثلوج.

كلّ ذلك يضع أوروبا على ضفّة الخاسرين للعديد من الفرص الإستثماريّة، والتي، من شأنها، تعويضها عن النقص بالمواد النادرة والمعادن، فتصبح في حالة تبعيّة للثلاثة الكبار (الولايات المتّحدة، روسيا، والصين)، فترتفع كلفة التصنيع لديها، وتتراجع تنافسيّة بضائعها، فيتباطأ نموّها الإقتصادي.

د – علاقة غير متكافئة مع الولايات المتّحدة:

لقد نجحت الولايات المتّحدة في “شيطنة” روسيا والصين في نظر الأوروبيّين، تحت عناوين مختلفة مثل الصراع بين الحرية والإستبداد أو بين الدول الديمقراطيّة والديكتاتوريّة إلخ.. فكانت النتيجة أنّ السياسة الخارجيّة الأوروبيّة أصبحت إلى حدٍّ كبير مجرد واجهة للسياسة الخارجيّة الأميركيّة. ولو نظرنا إلى كيفية تعامل الأميركيين مع قضية الصحافي جمال الخاشقجي، ببراغماتية نافرة، يصبح السؤال مُبرراً: لدى أوروبا مصالح مشتركة مع روسيا، استراتيجيّة وطاقويّة بالحدّ الأدنى، من الضروري الحفاظ عليها، أي فائدة تجنيها أوروبا من “معاداة” روسيا تحت شعار مثل “الدكتاتوريّة”؟

في الواقع، حاولت ألمانيا التمايز عن الأميركيّين من خلال مقاربة جديدة للعلاقة مع العملاقين الروسي والصيني، لكنّها لم تستطع تطوير سياسة “الإنفتاح” ووضعها قيد التنفيذ. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجحت الولايات المتّحدة في وقف التقارب الألماني-الروسي (وقف مشروع نقل الغاز “نورد ستريم2”) من جهة، والتقارب الألماني-الصيني عبر التهديد “الترامبي” بسحب ثلث الجنود الأميركيّين من ألمانيا، بعدما فتحت الأخيرة أبوابها على مصراعيها للتجارة مع الصين، من جهة أخرى.

(*) في الجزء الثاني والأخير غداً: ماذا عن تحديات أوروبا الداخلية؟

Print Friendly, PDF & Email
آلان دفوني

كاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  فرنسا 2022: ضبابية إنتخابات رئاسية وإنقسامات سياسية!