سلاح الدولار.. لا يُميِّز بين صديق وعدو!

الدولار الأميركي هو العملة المرجعية في العالم، وأكثر العملات استخداماً في التعاملات التجارية. ارتفاع قيمته أو انخفاضها يترك تأثيراً مباشراً على العملات الأخرى الرئيسية، وأيّ تغييرات في هذه القيمة ستكون لها انعكاسات وآثار على الاقتصاد العالمي بأكمله.

حدث في السنة الماضية (2021) أن ارتفع سعر الدولار بصورة كبيرة مقابل العملات العالمية الرئيسية، ووصل إلى مستويات لم يشهدها منذ 20 سنة. ولكن هذا لم يكن موضع اهتمام متناسب مع أهميته، على الرغم من خطورته على اقتصادات العالم. فكل المواد الأساسية والسلع التي لا غنى عنها، كالبترول والمعادن والمواد الخام، فضلاً عن الغذاء والدواء… يجري تداولها بالدولار. وكلما ارتفعت قيمة العملة الأميركية، ترتفع معها تكلفة هذه السلع والمواد بالعملات المحلية، وترتفع على الأثر أسعار جميع المنتجات التي يطلبها المستهلك.

وباعتبار أن الأسعار هي حصيلة التوازن بين كمية المال وكمية البضائع، فإن طباعة المزيد من أوراق العملة “من الهواء”، سيعمل على رفع الأسعار. وهذا يتسبب بحدوث غلاء ثم تضخم يتوسع لينتشر في مختلف أنحاء العالم؛ وهو ما يحدث الآن في معظم دول العالم. من جهة أخرى، فإن معظم البلدان النامية هي بلدان مدينة وتعمل على سداد ديونها بالدولار الأميركي، لذا من الطبيعي أن ترتفع قيمة هذه الديون مع ارتفاع قيمة الدولار ذاته. وستكون الدول المدينة مُلزمة بتغطية الزيادة المحققة على ديونها، من عملاتها المحلية. والنتيجة تكون ارتفاعاً في نسبة التضخم الذي يمكن أن يتطوّر إلى ركود عميق أو أزمة ديون سيادية، أو الأمور الثلاثة معاً. وطالما أن التجارب علّمتنا أن العمل على ترويض التضخم سيؤدى إلى انكماش الاقتصاد، لذا يصح اعتبار الدولار القوي نوعاً متقدّماً من التسبب بالإنكماش وبالتالي تهديد التجارة العالمية.

إقدام الاحتياطي الأميركي على رفع الفائدة تكراراً خلال الأشهر الأخيرة، هو في واقعه الاقتصادي سلاح تستفيد منه الولايات المتحدة على حساب الدول الأخرى. لذا لم يكن من مفر أمام بنوكٍ مركزيةٍ كثيرة حول العالم من السعي إلى رفع معدلات الفائدة لديها للدفاع عن مصالحها الوطنية

“النيران الصديقة”

على المستوى الأوروبي، يتسبب ارتفاع قوة الدولار بمشاكل لا تقل شأناً، حتى أن الأوروبي، الحليف المنضبط للولايات المتحدة، يشعر كأنه من بيت أبيه يُضرب. فارتفاع قيمة الدولار الأميركي يجعله جديراً بأن يوفّر عائدًا أعلى عند إيداعه في أيّ بنك أميركي. وهذا يشجع المستثمر الأجنبي على بيع عملته المحلية لشراء الدولار، مما يُضعف العملة المحلية ويزيد في قوة الدولار. وهذه القوة تخلق ضغوطا على البنك المركزي الأوروبي تدفعه إلى رفع أسعار الفائدة لدعم اليورو وتخفيض تكلفة الواردات، وعلى رأس ذلك الطاقة. وهذا يؤدي إلى مزيد من الضغط على دول منطقة اليورو ذات المستويات المرتفعة من الديون، فتتفاقم مشاكلها الاقتصادية جرّاء ما يمكن اعتباره “النيران الصديقة”. لكن الضرر هو ضرر، سواء جاء من خصم أو من صديق.

وينبغي التوضيح هنا أن الولايات المتحدة لا تعمل على تقوية عملتها بهدف الإساءة إلى الاقتصادات الحليفة لها في الغرب. فهذا ليس من مصلحة أميركا في الأساس. إلا أن واشنطن تكون مُضطرة إلى خلق الظروف التي تُقوّي الدولار، في محاولاتها الدؤوبة للسيطرة على التضخم الذي رفعت نسبته الكورونا أولاً ثم الحرب في أوكرانيا، ولا سيّما بعد انقلاب سيف العقوبات الأميركية والغربية عموماً، ليصيب الغرب والولايات المتحدة بالذات بدلاً من روسيا المقصودة.

رفع سعر الفائدة

سعر الفائدة الأميركي هو الأكثر تأثيراً على مستوى العالم من أي معدل فائدة آخر، وهو الأداة الأهم في يد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لدوزنة الاقتصاد الوطني. ليس من الممكن ولا من السليم لأي بنك مركزي أو صانع قرار اقتصادي في العالم، أن يتجاهل هذه الحقيقة.

في حزيران/يونيو الماضي، ارتفع معدل التضخم في الولايات المتحدة الأميركية حتى بلغ 9.1 بالمائة. وكان هذا أعلى المستويات التي بلغها منذ أكثر من أربعين سنة (تشرين الثاني/نوفمبر 1981). أمام هذا الخطر، أقدم البنك المركزي الأميركي، مضطراً، وفي سلوك دفاعي، إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي للمرة الرابعة خلال العام 2022، في مسعى منه لاحتواء التضخم الذي ارتفع لأعلى مستوى منذ الثمانينيات الماضية. ألحق ذلك ضرراً شديداً، ولو غير مقصود، باقتصاد المجموعة الأوروبية، وتسبب بخفض العملة المشتركة (اليورو) حتى جاورت بقيمتها الدولار وانخفضت قليلاً عنه، قبل أن تعوّض بعض الشيء في ما بعد، من دون أن يكون ذلك كافياً لرفع سيف الركود عن الاقتصادات الغربية. وهذا يعني ببساطة أن الدولار الذي هو في الأساس إحدى أهم أدوات الهيمنة الأميركية التي تستمد قوتها من جاذبية هذه العملة في العالم، قد يكون عملياً وسيلة للتسبب بالركود العالمي.

إقدام الاحتياطي الأميركي على رفع الفائدة تكراراً خلال الأشهر الأخيرة، هو في واقعه الاقتصادي سلاح تستفيد منه الولايات المتحدة على حساب الدول الأخرى. لذا لم يكن من مفر أمام بنوكٍ مركزيةٍ كثيرة حول العالم من السعي إلى رفع معدلات الفائدة لديها للدفاع عن مصالحها الوطنية.

إقرأ على موقع 180  حي الشيخ جرّاح أضعفنا.. لكنه حامينا وحارسنا الأخير

إلا أن ذلك الزرع لم يُؤتِ أُكُله كما كان يرغب الزُرّاع. فقد تعرّضت سوق الأسهم في الدول المُشار إليها، إلى أزمة. فمن جملة تأثيرات ارتفاع أسعار الفائدة المصرفية، أنه يجعل الاستثمارات الأخرى أقل جاذبية، وفي طليعتها الاستثمار في سوق الأسهم؛ لذلك يقلّ الطلب عليها، فينخفض سعرها.

وهكذا اتضح أيضاً وأيضاً أن تحريك البنك المركزي الأميركي لمعدل الفائدة، هو أداة حرب لا تُفرّق بين صديق وعدو.

وهذا كلّه من ثمار عملية مُعادلة الأمن مقابل النفط التي كان أرساها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت إثر عودته من مؤتمر يالطا، مع مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود، على متن المدمرة الأميركية كوينسي (شباط/فبراير 1945)، والتي باتت في ما بعد أساس التعامل الاقتصادي ــ السياسي الأميركي مع العالم كلّه، من دون تمييز بين صديق وغير صديق.

سعر الفائدة الأميركي هو الأكثر تأثيراً على مستوى العالم من أي معدل فائدة آخر، وهو الأداة الأهم في يد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لدوزنة الاقتصاد الوطني. ليس من الممكن ولا من السليم لأي بنك مركزي أو صانع قرار اقتصادي في العالم، أن يتجاهل هذه الحقيقة

رفع الرسوم الجمركية

لطالما كان العجز التجاري أحد أبرز أسباب قلق الولايات المتحدة. والأسلوب المفضل الذي لطالما كانت أميركا تعتمده للحيلولة دون ارتفاع عجزها التجاري، هو فرض رسوم جمركية إضافية على كل ما تستورده من أي دولة أخرى. غير أنه ترتّب على هذه السياسة معاملة بالمثل من جانب تلك الدول، فقامت بفرض رسوم جمركية متماثلة على المنتجات الأميركية التي تستوردها. ثم جاء ارتفاع قيمة الدولار ليخلق مشكلة إضافية، إذ من الطبيعي في هذه الحالة أن تُقلل الدول الأخرى كميات السلع والبضائع التي تشتريها من الولايات المتحدة، ما يُفضي إلى ارتفاع العجز في الميزان التجاري الأميركي. وهذا دفع الفدرالي الأميركي إلى البحث عن وسيلة لاستقطاب رؤوس الأموال من الخارج، فلجأ إلى رفع قيمة الدولار مع رفع سعر الفائدة عليه، باعتبار أن ذلك سيدفع أصحاب الأموال إلى تحويلها إلى دولارات أميركية وإيداعها في البنوك الأميركية لضمان أرباح إضافية، وهذا ما حصل بالفعل.

المشكلة بالتالي صارت شائكة ضمن هذه الدائرة المقفلة داخل جدران الاقتصادات الغربية “المتحالفة”. ومع اشتداد الخناق الروسي الذي هو في معظمه انعكاس للعقوبات الغربية، لن تلبث المشكلة أن تتحوّل إلى أزمة داخل المجموعة الغربية، وتحديداً بين الولايات المتحدة الأميركية وبقية الغرب.. وأسوأ الأزمات هي التي تحصل داخل البيت الواحد.

Print Friendly, PDF & Email
محمود محمد بري

كاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  أية خيارات لإسرائيل مع بايدن في مواجهة التفاهم النووي؟