“كاريش” مُجمّد والحرب مستبعدة.. و”الترسيم” آتٍ

تضيق المهلة الفاصلة عن موعد أيلول التاريخ الذي حدّدهُ الإسرائيليون تاريخاً للبدء بأعمال الحفر في حقل كاريش. من جهة، يتصرف حزب الله على أساس أن كل الإحتمالات واردة. ومن جهة أخرى، يتحرك الأميركيون والإسرائيليون على أساس أن فرص التسوية.. صارت كبيرة جداً.

عندما أجرى الموفد الأميركي المكلف بملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان و”إسرائيل” آموس هوكشتاين مقابلة مع قناة “الحرة”، في أعقاب زيارته ما قبل الأخيرة للبنان، بدا هازئاً من جميع من إلتقاهم في بيروت ومن خطاب آخرين، أبرزهم جبران باسيل. عباراته وضحكته ولغة جسده ولا سيما وجهه، كانت تشي بتنمر لا يليق بدبلوماسي متمرس مثله. كان يقول للبنانيين إنكم ضعفاء ومحتاجين.. وفاقد الشيء لا يعطيه، وبالتالي خذوا أي شيء أفضل من لا شيء. باختصار “ازمطوا بريشكم يا شباب”!

بدت منظومة كلماته مبنية على فكرة مركزية: لبنان لا يملك أي شيء من عناصر القوة حتى يفاوض خصمه الإسرائيلي.

لم يمضِ أكثر من أسبوعين حتى تغيّرت نبرة “الوسيط”. ما أن حلّقت ثلاث مُسيرات أطلقها حزب الله في أجواء المنطقة الإقتصادية الخالصة قبالة شمال فلسطين المحتلة، حتى كان هوكشتاين يفتح خطوط إتصاله اللبنانية. بدا مشدوهاً بما حصل وما يمكن أن يحصل، وهذا أمر بديهي، غير أن المفارقة اللافتة للإنتباه أنه وجد نفسه أمام خطابين لـ”صنفين” من رجالات الدولة اللبنانية. من جهة، خطاب الإنبطاح والتنصل والإستنكار والذي يبلغ أحياناً حد التحريض على حزب الله وكل من يتبنى خطابه (خطاب “دولة” كبير مستشاري الجمهورية). من جهة أخرى، خطاب المسؤولية الوطنية الذي يجعل من يتفق مع حزب الله أو يختلف معه لا يُفوّت هكذا فرصة لإنتزاع حق بلده. خطاب يضطر معه مسؤول لبناني يحترم نفسه لأن يُقفل الخط أكثر من مرة بوجه من يُهدّد أو يرفع الصوت. قال لهم “سبق لي أن حذرتكم بأننا سنصل إلى هذه اللحظة ولكنكم تعاطيتم باحتقار وخفة ولا مبالاة.. الآن، عليكم أن تتحملوا المسؤولية”!

منذ العام 2012 حتى العام 2022 كان لبنان “يُناضل” من أجل الفوز بأكثر من ثلاثمائة كلم2، هي المساحة التي إقتطعها الموفد الأميركي الأسبق فريدريك هوف من البلوكين 8 و9 شمال الخط 23، على قاعدة “قسمة ضيزى” الجائرة (55% للبنان و45% لإسرائيل من أصل المساحة المتنازع عليها والبالغة حوالي 860 كلم2). ظلّ لبنان يُردّد أنه لن يتخلى عن إنش من بحره وبره، لكن الإسرائيلي كان يمضي عملياً في المسح والإستكشاف والتنقيب والإستخراج حتى صار في صلب معادلات شرق المتوسط الغازية.

بكلمة واحدة و”طلعة” واحدة، إنتزع لبنان الخط 23 كاملاً، لا بشكل متعرج ولا متبرج. إنتقل النقاش فوراً إلى المربع التالي: كيف سيُبرر الإسرائيلي لجمهوره التنازل عن الجزء الذي يُطالب به لبنان مما يُسمى “حقل قانا” جنوب الخط الـ23؟

إذا جاء الجواب الأميركي ـ الإسرائيلي سلبياً.. لننتظر توقيع رئيس الجمهورية فوراً على تعديل المرسوم 6433 وإرسال الخط 29 (ولو متأخراً) إلى الأمم المتحدة.. ومن بعده لننتظر مشهدية جديدة لشرق المتوسط لم نقرأ عنها في كل كتب التاريخ حتى الآن

السؤال يعكس المأزق الذي أوقع الإسرائيلي نفسه فيه. ما عجز لبنان عن فعله طوال عشر سنوات صار متوافراً لا بل أكثر منه خلال عشرة أيام. نبرة الإستعلاء الهوكشتاينية تبدّدت وصار الرجل يرصد كل كلمة يقولها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.. وما فاته من “أخلاقيات المهنة” وجد عند الإسرائيليين من يُذكّره به: “معظم الجمهور الإسرائيلي يُصدّق نصرالله أكثر مما يُصدق قيادته”!

تفرع النقاش. قال الأميركيون للبنانيين: ساعدونا كي نُوجد صيغة لرئيس الوزراء يائير لابيد تحفظ له ماء وجهه أمام جمهوره. الرجل عنده إنتخابات تشريعية مبكرة في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر وعلينا أن نُوفّر له مخرجاً مُشرفاً. تعدّدت المخارج الأميركية وكان الجواب اللبناني “المسؤول” (وليس بلسان من يتقنون “العبرية السياسية”): لسنا معنيين بمن يربح أو يخسر في الإنتخابات الإسرائيلية. الحق اللبناني أولاً ونقطة في آخر السطر الحدودي البحري!

المخارج المطروحة عديدة، ولكن ميزتها أنها فتحت الباب أمام لبنان لتحصيل الخط 23 زائداً مئات الكيلومترات المربعة جنوبه، بينما كانت المعادلة مختلفة سابقاً.. ولو قارنا بينها وبين آخر عروض تقدم بها “الوسيط” هوكشتاين، سواء عندما طرح “الخط المتعرج” الذي يقضم أجزاء كبيرة من البلوك 8 مقابل التخلي عن “حقل قانا” أو بطرحه تقاسم الإنتاج في “حقل قانا” مقابل الإلتزام بالخط 23، نجد أن ما أحدث فارقاً هو تهديد حزب الله باستهداف كاريش، بكل مندرجاته وتدرجاته.

الآن بلغت الأمور لحظة الحسم. من حق هوكشتاين أن يُمضي إجازته مع عائلته في أحد منتجعات شرق المتوسط، برغم عدم تفهم السيد نصرالله لذلك (بتلميحه إلى أن الرجل “إلى الآن لا ‏يزال يُضيّع الوقت، ووقته ضاق”). لم ينقطع التواصل اللبناني ـ الأميركي. كان منتظراً من “الكابينت” الإسرائيلي (المجلس الوزاري المصغر) أن يتخذ قراراً ويبقيه طي الكتمان. القبول بالعرض الأميركي الأخير: الخط 23+حقل قانا لكن بشرط الحق السيادي لإسرائيل فوق سطح بحر الجزء الجنوبي من حقل قانا، على أن يكون للبنان الحق بالتنقيب في كامل الحقل تحت الماء!

إقرأ على موقع 180  مصارف لبنان تُناور إستباقياً.. من يَدفعْ كلفة الإنهيار؟

يعني ذلك أن إسرائيل باتت مستعدة لتقديم “تنازلات مؤلمة”، ولكن تبقى مسألة التوقيت: قبل الإنتخابات الإسرائيلية أم بعدها؟

إذا قررت تل أبيب إنجاز التسوية الحدودية مع لبنان، فهذا يعني أنها ستبادر إلى إتخاذ قرار بتجميد العمل في حقل كاريش في غضون الأيام العشرة المقبلة، وثمة إشارات بلغت لبنان تصب في هذا الإتجاه، وهو الأمر الذي يُفسر إحتمال أن يكون شهر أيلول/سبتمبر حافلاً بالمعطيات زدْ على ذلك أن البريد الخاص لكل موظف من موظفي المنصة التابعة لشركة “إنرجيان بارو” بلغه بواسطة “البريد المضمون”.. مضمون تهديد حزب الله!

الأكيد أن لا أحد يريد الحرب. أصلاً منطق الحرب يتنافى مع الهدف الأميركي بالتحشيد الطاقوي دولياً لمصلحة إستغناء أوروبا عن الغاز الروسي. إذا كانت الحرب تُهدّد حقول الغاز في شرق المتوسط وسلاسل التوريد والإمداد، فهي مرفوضة أميركياً وبالتالي إسرائيلياً. ماذا عن حزب الله؟

الكبير والصغير في حزب الله يُردّد عبارة واحدة: لا نريد الحرب ولكن إذا لم يتراجع الإسرائيلي كل الإحتمالات واردة ومنها إحتمال الحرب.

إذا جاء الجواب الأميركي ـ الإسرائيلي سلبياً.. لننتظر توقيع رئيس الجمهورية فوراً على تعديل المرسوم 6433 وإرسال الخط 29 (ولو متأخراً) إلى الأمم المتحدة.. ومن بعده لننتظر مشهدية جديدة لشرق المتوسط لم نقرأ عنها في كل كتب التاريخ حتى الآن.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  بن سلمان (إيكاروس) يُدرك الحقائق الصعبة أميركياً.. ولكن!