أمريكا تلصق طابعاً بريدياً أوكرانياً على قفا.. أوروبا

لنختلف أو نتفق حول مجريات الحرب الروسية الأوكرانية، سيبقى الأمر في إطار التكهنات واستشراف مستقبل لا يعلمه إلا الله. في هذه الأثناء، قررت كييف إصدار طابع بريدي جديد، يحمل صورة جسر كيرش الذي جرى تفجير جزء منه مؤخراً، كما أصدرت سابقاً طابعاً يحمل صورة السفينة الروسية "موسكوفا" التي تم إغراقها بالبحر الأسود في نيسان/إبريل الماضي.
لنترك أوكرانيا باندفاعتها والمبالغات المتوقعة لحجم ما استعادته على الأرض جانباً لدقائق، لنحول العدسات الآن، نحو التأزم الاقتصادي الأوروبي. هنا، لا يحتاج الأمر للكثير من للتكهنات، ما عدا التكهن بمدى فداحة الأزمة الاقتصادية الأوروبية القادمة.. وموعدها.
أوروبا سقطت في فخ المواجهة مع روسيا، كما يحب البعض أن يقول بسقوط روسيا في فخ أوكرانيا، إذا ما اعتبرنا ذلك التحليل صحيحاً. ولكن هذه الفخاخ تعد كلها وبلا استثناء اضطرارية.
روسيا مضطرة للقيام بخطوات استباقية لفرض واقع جديد على محيطها ومحاولة تأديب من يُستخدَمون لنكزها. وأوروبا مضطرة للتعامل مع الضغوط الأمريكية واستبدال الغاز الروسي الذي اضطرت لعقود أن تعتمد عليه بنسب كبيرة من استهلاكها للطاقة.
بل إن أمريكا ذاتها، رغم استفادتها – على الأقل اقتصادياً – من طبخة الطاقة الحالية، هي الأخرى مضطرة لمواجهة الواقع الذي تستمر روسيا في فرضه على محيطها منذ 2008، في أوسيتيا الجنوبية، أبخازيا، أجاريا، بحر الشمال، آسيا الوسطى في ظل اتفاقية CSTO، القرم، الدونباس، وصولاً إلى ضم زابوريجيا وخيرسون في 2022. قم بتسميته التهور الروسي إن شئت، لا فرق.
ما نريد التركيز عليه هنا هو حالة أوروبا من الناحية الاقتصادية، حيث نرى حلقات السلسلة التي تطوق عنقها، تمسك بنهايتها الولايات المتحدة، لتحثها على معاقبة روسيا، بينما المتضرر الأكبر حتى الآن، هو أوروبا ذاتها، وليس روسيا.
من جهة، أمريكا تحث الحلفاء الأوروبيين وتسعى لإيجاد بدائل للغاز الروسي، في صورة غاز مسال ينقل إلى أوروبا من مصادر مختلفة، على رأسها شحنات الغاز الأمريكي المسال. ونتيجة لتزايد الطلب على الغاز المسال في أمريكا وأسواق أخرى، حدث التفاعل المتوقع، فارتفعت الأسعار. حققت أمريكا أرباحاً، وصلت إلى أكثر من 200 مليون دولار، في شحنة غاز أمريكية واحدة. صدق أو لا تصدق.
لذا، حين يقال إن أمريكا حقّقت أرباحاً واستفادت من الأزمة الأوكرانية، وأزمة اختناق موارد الغاز الروسي الأرخص، فهذا صحيح. لكن، أي أمريكا نقصد. هل أمريكا التي تتمثل بأصحاب ومالكي شركات الغاز الطبيعي والطاقة، أم أمريكا المستهلك العادي، الذي بات ضحية فواتير جميع أنواع الطاقة مثله مثل غيره في العالم. بالطبع توجهت الأرباح إلى خزائن شركات الطاقة، الحفر والشحن الكبرى، وليس إلى جيوب المواطن الأمريكي العادي.
من ناحية أخرى، يتم تخريب خطوط أنابيب “نورد ستريم” فجأة، في عملية لا شك بأن أمريكا (وشريكتها بريطانيا) هي المتهم الأول فيها. في خطوة بدت وكأن الولايات المتحدة تريد من خلالها وضع أوروبا في موقف المجبر الآن على إيجاد بدائل لهذا السيل الغازي الذي طالما اعتمدت عليه من روسيا. لتصبح أوروبا بلا بدائل عن الشراء من أمريكا، أو الإنصات لإملاءاتها في هذا الملف، وبأي سعر تريد.
في الوقت ذاته، ترزح أوروبا، تحت أزمات عديدة؛ بدءاً من أزمة الديون الأوروبية في 2009، وصولاً إلى تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية في 2022، مروراً بتفشي أسوأ وباء عالمي منذ تفشي فيروس الإيدز (2005 – 2012)، وهو فيروس كوفيد-19 منذ نهايات عام 2019.
يزداد غضب المواطن الأوروبي، الذي يقرر كمتظاهر أن يعلن غضبه من تبعية حكامه الأوروبيين للقطب الأمريكي؛ أو يقرر كناخب أن يدلي بصوته لأصوات تزداد يمينية وشعبوية، لتعكس توجهات مواطنين سئموا حالة الاتحاد الأوروبي، وكفروا ببيروقراطية بروكسل غير المنتخبة، وتسلطية الولايات المتحدة التي تضعهم دائماً في حالة الاضطرار
لا يمكن حصر المشهد الأوروبي الكامل أبداً بين جدران مقال واحد، لذا فلنتجه إلى النماذج والأمثلة، التي تدعو للبحث أكثر مما تدعو للاكتفاء بها.
تابعوا تصريحات وزير المالية الألماني كريستيان ليندر، الذي يجد نفسه ضمن كيان حكومة مطالبة بإجراءات اقتصادية، تضطرها إلى التخلي بدرجة كبيرة عن كبح جماح مصروفاتها المعتمدة على الديون، للمحافظة على ميزانية لا تغصب المواطن الألماني بالتأثير على مستوى معيشته.
أو الاختلاف في الآراء بين أطراف الائتلاف الحزبي الحاكم في ألمانيا، حول قرارات إنهاء الاعتماد على آخر ثلاثة مفاعلات نووية ألمانية كمصدر للطاقة، وتمسك البعض بالاحتفاظ بالثلاثة أو بإثنتين على الأقل كتأمين احتياطي لمصدر طاقوي إذا ساءت الأمور أكثر مستقبلاً.
استمعوا إلى تصريحات رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية الجديدة جورجيا ميلوني، التي تدخل حكومة لا تختلف كثيراً عن سابقتها، إلا في عدم إنتماء رئيستها للمدرسة المالية للبنك المركزي الأوروبي مثل سلفها ماريو دراجي. وبرغم انتمائها إلى مدرسة سيلفيو بيرلسكوني الذي عملت تحت صولجانه، وامكان اعتبارهم جميعاً ضمن إطار تحالف سياسي يتداول سلطة إيطاليا في إطار يضيق أكثر مما يتسع، ويتجه يميناً أكثر فأكثر.
يسقط بين يدي حكومة ميلوني اقتصاد إيطالي تقارن التوقعات بشأن مستقبله القريب، بأزمة 2009-2010، إذا استمرت إيطاليا في الاعتماد على طرح سندات ديونها، وحاولت كغيرها من البلدان الأوروبية رفع نسبة الفائدة عليها، لجعلها أكثر إغراءً، سواء للبنك المركزي الأوروبي أو لأي شارٍ آخر. ستجد إيطاليا نفسها تحت رحمة حزمة إنقاذ جديدة، ربما تساعد اقتصادها على العوم لسنوات قليلة اعتماداً على الدين. وإن لم يقرر البنك المركزي الأوروبي شراء هذه السندات، سقط الاقتصاد الأوروبي في حالة كساد سبق أن سقط فيها العديد من دول أوروبا وأبرزها إيطاليا واليونان.
بينما يقرر على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، جيروم باول، رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، زيادة نسبة الفائدة على سندات الدين الأمريكية، لتجد إيطاليا وباقي زميلاتها من الدول الأوروبية سنداتها في مسابقة إغراء مع نظيرتها الأمريكية، التي يهرول الجميع نحوها، عند مجرد رفع نسبة الفائدة عليها ربع بالمائة.
تتزايد قوة الدولار أمام اليورو والجنيه الاسترليني، أقوى عملات أوروبا النقدية، تتراجع حكومة المحافظين ببريطانيا بقيادة ليز تراس عن قرارات اقتصادية تخص خفض الضرائب بعد أقل من شهر على اتخاذها، وتتعهد بعد التراجع على قيادة دفة بريطانيا عبر الأيام العاصفة القادمة. أيضاً تقوم وكالة فيتش Fitch للتصنيف الائتماني بتغيير تقييمها للمملكة المتحدة من مستقر إلى سلبي. تزامناً مع ظهور تقارير تتوقع أن تضطر حكومة تراس أن تقلل عدد الوظائف الحكومية بحوالي 200 ألف وظيفة.
يتجه الناخب الأوروبي للتصويت لسياسيين توجهاتهم غير مبلسمة نحو الاتحاد الأوروبي، وإن بقوا على إيمانهم بالانتماء لحلف الناتو. بينما يخرج الناس في مسيرات ترفض التصعيد ضد روسيا حرفياً، لتسببه في أزمة أسعار الطاقة، وارتفاع تكاليف المعيشة.
تصدر عدة مقترحات ارشادية وتصريحات دالة من مسؤولين متنفذين في عدة دول أوروبية، منهم من قال بجدية أنه يجب ألا يزيد وقت استحمام أي مواطن على 5 دقائق. إلى تصريح آخر ينصح بعدم الاستحمام بالماء الجاري من الأساس، بل باستخدام المناشف المبللة لتوفير طاقة تدفئة الماء.
إلى تصريح آخر (جاد أيضاً) يخص درجات حرارة المكيف المنزلي (وقفه في مداخل الأبنية والمؤسسات)، تدعو للاكتفاء بجعل درجة التدفئة أقل بعدة درجات، وليعتاد المواطن الأوروبي على ارتداء الملابس الثقيلة داخل منزله من الآن. هذه ليست مبالغات، هذه تصريحات حقيقية بالفعل.
لتستمر حالة الاضطرار الأوروبية، وتزداد حلقات السلسلة التي تطوق عنق إتحادها، ويزداد غضب المواطن الأوروبي، الذي يقرر كمتظاهر أن يعلن غضبه من تبعية حكامه الأوروبيين للقطب الأمريكي؛ أو يقرر كناخب أن يدلي بصوته لأصوات تزداد يمينية وشعبوية، لتعكس توجهات مواطنين سئموا حالة الاتحاد الأوروبي، وكفروا ببيروقراطية بروكسل غير المنتخبة، وتسلطية الولايات المتحدة التي تضعهم دائماً في حالة الاضطرار.
المواطن الأمريكي، الأوروبي، الأوكراني، الروسي، وغيرهم حول العالم، يدفعون ثمن مواجهات كان من الممكن تفاديها، لولا أن طبيعة النظام العالمي القائم لا تقتات إلا على مثلها.
فلنشاهد جميعاً إذن، الجزء الجديد من مسلسل “نوفوس أوردو سيكلورم”، تشاهدون في الحلقة الأولى منه، إصبع أمريكا الضخم، يلصق طابع بريد أوكراني، يحمل صورة كوبري كيرش الروسي، على قفا أوروبا.
слава еуропе
سلافا يوروبا.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  هل يكون الانسحاب من سوريا الخطوة التالية لبايدن؟
تامر منصور

مصمم وكاتب مصري

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  أربع عقد كبيرة تواجه مفاوضات فيينا.. النووية