ليس صدفةً أبداً- ولا شيءَ من الصدفةِ في أيِّ حَراكٍ سياسي- أن يُعلنُ “هاكابي” أنَّ لإسرائيل “حقاً إلهياً” في أراضي فلسطين ولبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعوديَّة فيما حكومةُ “بنيامين نتنياهو” تواصِلُ إجراءات الضمِ في الضفّةِ الغربيَّةِ، وتنسفُ اِتفاقَ وقفِ إطلاقِ النارِ برغمِ إجحافِهِ بحقِّ الفلسطينيين، وإثقالِهِ بثغراتٍ أميركيَّةٍ، وعربيَّةٍ متواطئةٍ، تتيحُ للاحتلالِ الإسرائيلي أنْ ينفذَ منها نحو استكمالِ مشروعِهِ في التهجيرِ والإبادةِ والتهويدِ ومحاولةِ مَحْوِ الهويّةِ وحقائقِ التاريخِ التي أثبتتْ سقوطَ نظريّةِ أرضِ الميعادِ في فلسطين، وأنَّ كيانَ الاحتلالِ غيرُ تاريخيٍّ باعترافِ عددٍ من مؤرِّخي اليهودِ أنفسِهِم وعلى رأسهم “شلومو ساند”.
يبدو أنَّ القسَّ المعمداني الإنجليكاني السابق “هاكابي” لـم يَـقرأْ، ولا يريدُ أنْ يقرأَ ما توصَّلَ إليه “شلومو ساند” وغيرهُ [أمثال: بابيه، وهوبزباوم، وفنكلشتاين، وكيث وايتلام…إلخ]. لقد نفى “ساند” فكرة الشتات اليهودي، وأكَّدَ أنَّ نظريَّةَ أرض الميعاد هي اختلاقٌ لخدمةِ الصهيونيَّةِ والرأسماليَّةِ، وأنَّ اليهود الصهاينة المحتلّين في فلسطين ليسوا أحفادَ بني إسرائيل، أيْ إنَّهُ نسَفَ كُليَّاً مقولةَ الحقِّ التوراتيِّ التي يدّعي بها التلموديّون والصهيونيّة المسيحيةُ والمتصهينون العربُ والمسلمونَ تحت سقف “اتفاقيات أبراهام“. إذاً المسألةُ عند “هاكابي” ليست مسألةً علميةً ولا تاريخيةً أبداً، بلْ هي مسألةٌ سياسيَّةٌ استعماريّةٌ كاملةٌ تقفزُ فوق الحقائقِ لِتشريع الاغتصابِ وتوسيعِهِ. وهنا تظهرُ أكثرَ فأكثرَ حقيقةُ أنَّ “هاكابي” لا يتحدَّثُ باسمهِ الشخصيِّ فحسْبُ، بل باسم ترامب نفسِهِ والولاياتِ المتحدةِ والدولةِ العالميَّةِ العميقةِ والاحتلالِ الإسرائيلي والصهيونيّةِ العالميّة. وعندما ندرسُ تفاصيلَ التوقيتِ الخبيثِ لكلامِهِ تبرزُ أمامنا الملاحظاتُ الآتية:
كلام “هاكابي” إعلانُ حربٍ ثقافيّةٍ – تاريخيةٍ على بلادِنا موازيةٍ للحربِ العسكريّةِ الأميركيَّةِ الصهيونيَّةِ.- محاولةُ اختلاقِ مَشروعيَّةٍ لاهوتيَّةٍ لهاتينِ الحربيْنِ من أجلِ تحقيقِ “إسرائيل الكبرى” [لن تتحقَّق] سنداً لنص دينيٍّ بتفسيرٍ مزعومٍ حولَ ما يُسمَّى “وعداً قطعه الله لـِ أبرام بإعطاءِ نسلِهِ الأرضَ من نهرِ مصرَ إلى نهرِ الفرات”.
- السعْيُ إلى إطلاقِ حربٍ “دينيّةٍٍ مقدَّسةٍ” في العالم يقودُها في استعادةٍ مُبَرْمَجَةٍ للحروبِ الصليبيةِ في القرن الحادي عشر. [يتجاهلُ دعاةُ هذه الحروب أنَّ الصليبيين خرجوا من بلادنا برغم بقائهم فيها نحو قرنين].
- تزامُنُ ادّعاءات “هاكابي” مع إجراءاتِ الاحتلالِ لضمِّ الضفةِ يُؤكِّدُ أنَّ الولاياتِ المتحدةَ أعطتِ الضوءَ الأخضرَ لتحويلِ الضمِّ إلى إستراتيجيَّةٍ دائمةٍ وإنْ تكنْ من حينٍ إلى آخرَ تنتقِدُ سياسةَ الضمِّ ، فذلك ليس أكثرَ من ذَرِّ الرمادِ في العيون.
- الحديثُ عمَّا يُسمَّى الحقَّ التوراتيَّ يُسقِطُ القناعَ عنِ النيَّاتِ الأميركية – الصهيونيّة بتدميرِ القواعدِ والأعرافِ الدوْليّةِ منذ اتفاقيّةِ “وستفاليا” (1648) حتى اليوم. آنذاك وضعتْ تلك الاتفاقيةُ حدَّا للحروبِ الدينيةِ بين الكاثوليكِ والروتستانت في أوروبّا، وألغتِ المبدأَ الديني بوصفِه سبباً للحرب لكنَّ “هاكابي” ومَنْ وراءَهُ يُريدونَ العودةَ إلى إحياءِ هذا السببِ لتبريرِ الاستعمارِ وتوسيعِ الهيمنة، الأمرُ الذي يُهدِّدُ الشرقَ والعالمَ بحروبٍ دينيَّةٍ جديدة.
كلامُ “هاكابي” يبلغُ منتهى الخُطورة. مفعولـُهُ يعكِسُ ما تفكِّرُ به الدولةُ العميقةُ التي تحكُمُ العالمَ الآنَ، وهْيَ أخطبوطٌ مركزهُ الولاياتُ المتحدةُ، وأذْرُعُهُ تمتدُّ إلى كثيرٍ منَ الدهاليزِ في السياساتِ الدوْليّة. هؤلاءِ يُريدونَ إسقاطَ القداسةِ على السياسةِ، ورفعَ السياسةِ إلى القداسةِ بحيثُ يَقطَعُونَ الطريقَ على مَنْ يَرفضونَ هذا الخلطَ الجهنّميَّ، كما يعملونَ على غسْلِ أدمغةِ الناسِِ، وزرعِ الأوهامِ التي تدفعُهم إلى التصديقِ بأنَّ عُدوانَ الصهيونيةِ والرأسماليّةِ على حقوقِ البشرِ هو “أمرٌ إلهيُّ”. القداسةُ بهذا المعنى هي تعطيلٌ مُنظَّمٌ للعقلِ النقديِّ، وافتراءٌ على اللهِ ذاتِهِ يُمارسُهُ مَن يُنصِّبُ نفسَهُ وكيلاً عنِ الله. أمَّا القداسةُ بما هي إشارةٌ إلى الإيمانِ الفرديِّ العميقِ فهيَ حريَّةٌ كاملةٌ لِمَنْ يريدُ. الكارثةُ عندما تتحوَّلُ القداسةُ إلى السياسةِ والاقتصادِ والتاريخِ والإعلامِ لأنَّ دورَها يكونُ عندئذٍ للتبرير والاستبداد. لقد استخدمَ “رونالد ريغان” هذه الحُجةَ سابقاً، وتلاهُ “كلينتون وجورج بوش الأب وجورج بوش الابن وجو بايدن وترامب” حالياً، وهو الذي كرّرَ مرَّاتٍ عديدةً أنَّه الحاكم الذي يحِقُّ له أنْ “يسحقَ أيَّ دولةٍ في العالم”، ناهيكَ بـِ”نتنياهو” الذي يرى نفسه “نبيَّاً مقاتلاً وملِكاً دينياً وسياسياً لِبني إسرائيل”.
هذا المناخُ هو الذي دارَ فيه كلامُ “هاكابي”، وإذا لم يكنْ غريباً أنْ تصدُرَ عنِ الصهاينةِ هذه المواقفُ، وأنْ تمرَّ بالدولِ العربيَّةِ مروراً عابراً ما خَلا بياناتٍ قليلةً لحَفْنةٍ ضئيلةٍ من وزاراتِ الخارجية، فإنَّ الغريبَ حقَّاً هو صمتُ النُخَبِ الثقافيّةِ العربيّةِ، فهل وصلْنا إلى هذا الحدِّ منَ المَواتِ؟ التصدِّي ليس بالنارِ وحدَها بل بالوعي والثقافةِ في قلبِ النارِ وخلفَها وأمامَها، فهلْ أخذ التطبيعُ مأخذَهُ مِنْ عقولِ كثيرينَ مِنَ النخبةِ العربيةِ وبات الخوفُ والإحباطُ علامتينِ صارختيْنِ؟
تموتُ الأممُ عندما تكسَلُ عقولُ أبنائها، وعندما تخضعُ نخبتُها لأفكارِ أعدائِها تحت شعارِ “الأمرِ الإلهي“. وينتشرُ الخرابُ الكونيُّ عندما تدَّعي دولةٌ أو كيانٌ بأنَّ سياستَها إلهيّةٌ كما تفعلُ الولاياتُ المتحدةُ وكيانُ الاحتلالِ الإسرائيلي. لا بدَّ إذاً من المواجهةِ المعرفيَّةِ كي لا نقعَ في بئرِ تزييفِ الوعي.
